ترجمة وتقديم: عزة حسين
تقديم
"هنا تسكن الأفعى" هي الرواية الأولى للكاتب الباكستاني دانيال معين الدين، وثاني أعماله الأدبية بعد مجموعته القصصية المائزة "في غرفٍ أخرى، عجائب أخرى" التي صدرت عام 2009، ووصلت إلى التصفيات النهائية لجائزة الكتاب الوطني الأميركية وجائزة بوليتزر، كما فازت بجائزة القصة، وجائزة كتاب الكومنولث، وغيرها من الجوائز والتكريمات النقدية، وترجمت إلى 16 لغة.
أما الرواية الجديدة فقد صدرت بمطلع العام الجاري عن دار "بلومزبري" للنشر، وحظيت منذ اللحظة الأولى بإشادات نقدية واسعة ومراجعات صحافية في كبريات الصحف الأميركية والبريطانية كـ "الغارديان" و"نيويورك تايمز" و"نيويوركر" و"تايمز" و"بيبول" وغيرها، وتُوقع لها أن تكون إحدى الروايات الفارقة لهذا العام، وهو ما انعكس على الجوائز الأدبية، حيث وصلت رواية "هنا تسكن الأفعى" للقائمة القصيرة لجائزة "أورويل" للرواية السياسية هذا العام، والتي تمنح للأعمال التي تحقق طموح الكاتب البريطاني جورج أورويل في "تحويل الكتابة السياسية إلى فن"، وأعلنت نتيجتها مؤخرًا.
تدور أحداث الرواية حول الصراع الطبقي وصراع الثقافات وديناميكيات الحب والزواج والموت في باكستان، وتروى عبر أربع قصص مترابطة ومحبوكة بدقة تتكشف فصولها على مدى عقود، ما يجعلها تقترب من تصنيف روايات الأجيال، كما وصفتها صحيفة "نيويورك تايمز" بأنها تقتفي خطى الأدباء الروس العظام (تشيكوف، وغوغول، وتورغينيف)، فضلًا عن تضمينها لكثيرٍ من سمات أدب ما بعد الاستعمار، ما يجعلها رواية دسمة تراوح ما بين الاستغراق في المحلية ومقاربة الثقافة الإنسانية العالمية، عبر مزجٍ بين تيمات وموتيفات قديمة وجديدة ومناطق وعي ملتبسة، تأسر القارئ.
يُعرف دانيال معين الدين ككاتب وروائي باكستاني- أميركي بارز يكتب باللغة الإنكليزية. وهو من مواليد لوس أنجلوس في عام 1963، واكتسب شهرة عالمية بفضل أسلوبه الأدبي الذي يدمج فيه بين ثقافتي الشرق والغرب، مسلطًا الضوء على الفوارق الطبقية والتحوّلات الاجتماعية في باكستان.
في السطور التالية ترجمة لمراجعة الكاتب باتريك غيل لرواية "هنا تسكن الأفعى"، التي كان أحد المتنبئين لها بأن تتصدر الأعمال الروائية لعام 2026، وقد نشرت المراجعة في صحيفة "الغارديان" البريطانية بتاريخ 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025.
"هنا تسكن الأفعى"
تروى هذه الملحمة التي تتناول الطبقية والنفوذ عبر أجيال في باكستان؛ بأسلوب وحشي وممتع وبارع، من قبل كاتب قصصي مرموق
تخيّل لوحة مفجعة للحياة الباكستانية، ترسم عبر سلسلة من الروايات القصيرة المتشابكة، وحينها تكون قد اقتربت من فهم مدى عمق وتأثير الرواية الأولى للكاتب دانيال معين الدين. هذه الرواية – التي تحيلنا إلى تصوير الكاتب نيل موخيرجي الدائري والمبهر للتفاوت الطبقي في الهند في روايته "دولة الحرية" (A State of Freedom) - هي استكمال مرتقب بشغفٍ لباكورة الأعمال الأدبية لمعين الدين، المجموعة القصصية "في غرف أخرى، عجائب أخرى" (In Other Rooms, Other Wonders)، الصادرة عام 2009، والتي صورت هي أيضًا العوالم المركبة والمتداخلة للطبقية والثقافة الباكستانية.
تبدأ الرواية من بؤس وصخب أحد أسواق "راولبندي" في خمسينيات القرن الماضي؛ حيث يظهر ذلك الطفل، الذي يفطر القلوب، يقبض على زوج حذاءٍ بلاستيكيين، وقد تُرِك لمصيره المجهول، قبل أن ينتشله صاحب كشك شاي ويشمله برعايته.
يشرع الرجل الذي لم ينجب سوى البنات في تبني يزيد، كما يحتضنه زبائن الكشك الثرثارون، فيتولون تعليمه القراءة، ويفطنونه إلى ضرورة التمعن في تيارات الطبقة والثروة والنفوذ التي تتدفق من حوله يوميًا.
يكبر يزيد – المحبوب، والذكي، وذو الشعبية – ليصبح مراهقًا فحلًا، يتمتع بحسّ تجاريٍ يقظ؛ وسرعان ما يحوّل كشك الشاي والكوخ القابع خلفه، إلى ملتقًى جاذب لمجموعة من طلاب المدارس المترفين، الذين يأتون للتدخين والتسكع واللعب.
ومن بين هذه المجموعة، يكتسب يزيد صديقًا مخلصًا ومثقفًا يدعى "زين". تحتضنه أسرة زين اليسارية المثقفة، لكن يزيد سرعان ما يقع في غرام "ياسمين" شقيقة صديقه، ما يؤدي إلى عواقب وخيمة، تقذف به خارج كل الامتيازات الصغيرة التي انتزعها بشق الأنفس، ليدخل في خدمة عقيد جيش وسياسي في لاهور البعيدة.
بعد ذلك ينتقل بنا معين الدين إلى عمق الريف؛ حيث يتعين على "رستم" (ابن شقيق العقيد)، العائد من رحلة دراسية طويلة في أميركا، أن يناور شبكات الفساد والعنف المحلية في محاولته لإحياء إرث العائلة التي أهملها والده الراحل المستهتر. ويبدو أن الفترة التي قضاها رستم في الولايات المتحدة قد أوهنت عضده، إذ لم تكن النزعة الديمقراطية النبيلة التي اكتسبها هناك تجدي نفعًا أمام الشرطة المحلية الفاسدة، أو عصابة المجرمين الذين طالما مثلوا اليد الباطشة لعائلته، والذين يتهور في الاستعانة بهم عندما يحتدم نزاع على الحدود ويهدد بالتصاعد.
في لاهور عندما يذهب رستم لطلب النصح والتوسل لعائلته للتدخل بعدما خرج "البلطجية" عن السيطرة، يُسحر بابن عمه الأكبر الثري "هشام"، الذي تلقى تعليمه في أميركا هو الآخر، وزوجته الفاتنة، واللذين يعاملانه كحيوان أليف بائسٍ، وسرعان ما يبدآن في التخطيط لتزويجه.
بعد ذلك، نغوص داخل عقل "هشام" لنكتشف الحقائق المزرية الكامنة وراء المظهر المهندم والزواج المثالي الذي لا غبار عليه.
ببراعة يصور معين الدين الخلفية الدرامية لعلاقته بزوجته "شهناز"، الفتاة المتأنقة المنفتحة. فنعرف أن هشام وشقيقه المدلل المولع بالعلم – واللذين يكن لهما رستم محبةً كبيرة – هما ابنا العقيد الذي آوى يزيد في منزله؛ يُرسلان للدراسة في أميركا، حيث يقع الشقيق أولًا في حب شهناز، لكن هشام من يفوز، بغريزة القنص التي تميزه، وحقيقة انجذاب شهناز لهذا الجانب فيه وكأنها وجدت فيه توأم روحها، ما وشم الزواج الذي تلا ذلك بصبغة لا تُمحى.
كل تفصيلة يدونها "يزيد" الذي انتقل كإرث إقطاعي من العقيد إلى الزوجين هشام وشهناز، كيدٍ طولى وسائق جسور، ويخزنها في ذاكرته. وبالمثل يفعل "ثاقب"، صبي فقير من القرية يتعهده يزيد برعايته، ويكفله هشام وشهناز اللذان لم ينجبا، في مزجٍ خطرٍ بين كونه خادمًا ومشروعًا مستقبليًا.
أما القسم الأخير من الرواية، والذي يعد فعليًا نوفيللا رابعة متشابكة، فيغلق الدائرة بالتركيز على "ثاقب" هذا، وكيف يرد الجميل ليزيد أولًا ثم لمستوظفيه الأثرياء، اللذين فُتنا بسرعة بديهته وأناقته الفطرية. وهذا القسم هو الأكثر شبهًا بأسلوب "موخيرجي" الذي يجاور بين الفكاهة والقسوة، وفي إغلاقه العنيف والمفاجئ لآفاق النص.
تتسم كتابة معين الدين دائمًا بالسلاسة والتدفق، وبالفكاهية في أغلب الأحيان. إنه يستحضر باكستان بروائحها ونكهاتها المفعمة بالحياة؛ فتشعر بالطيور والأشجار كما تشعر بثقل التاريخ وبتلك الطبقات المعقدة من تشابكات الفساد والمسؤولية.
تبدأ الرواية بقائمة طويلة من الشخصيات الرئيسية والثانوية، تمامًا كما في بعض طبعات روايات ديكنز أو الترجمات الإنكليزية المبكرة لرواد الرواية الروسية العظام، غير أن أية مخاوف قد تثيرها هذه القائمة بشأن التعقيد الزائد ستكون واهية؛ فبالرغم من أن الأسماء قد تكون فخمة وطويلة، إلا أن التصوير مباشر وغير مبهم، والسرد يأسرك فورًا كما في أي عمل من أعمال آمور تاولز.
وإذا كان لي من نقد، فهو أن القطع السردية الأربع لم تترك مساحة للمنظور الأنثوي. فسواء كانت ياسمين التي يعشقها يزيد، أو صديقة رستم في أميركا، أو شهناز القاسية، وحتى الشابة غزالة زوجة ثاقب الغامضة – جميعهن يبقين أسرارهن في النهاية بعيدًا عن القارئ. لكن بما أن لا شيء في كتابة معين الدين المحكمة للغاية عشوائي، وبما أن قصصه القصيرة البديعة طالما انطلقت من منظور أنثوي، فلعله يتعمد تشويقنا هنا للإشارة إلى تلك الثقافة التي يهيمن عليها الصوت الذكوري.
ومع ذلك، يظل هذا مأخذًا صغيرًا مرده التطلع إلى المزيد؛ إذ يبدو أن روعة رواية "هنا تسكن الأفعى" تؤهلها بجدارة لتكون إحدى العلامات الروائية الفارقة لعام 2026.


تحميل المقال التالي...