ترجمة وتحرير: أسامة إسبر
نظمت جامعة ييل في الثامن من نيسان/ أبريل الماضي حوار طاولة مستديرة جمع الصحافي والمحرر البارز في مجلة "ييل ريفيو" جيمس سوروويكي مع ثلاثة من أبرز الكتّاب الأميركيين الذين انخرطوا إبداعيًا في استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي: أياد أختار، ودانييل كيلمان، وميغان أورورك.
وقد تناول الحوار الذكاء الاصطناعي ومستقبل الكتابة الأدبية والعلوم الإنسانية، وتطرّق إلى التداعيات الاجتماعية لعصر النماذج اللغوية الكبرى، التغيّرات التي تطرأ على إدراكنا وعملياتنا الذهنية، والتحولات في مفاهيمنا عن طبيعة اللغة نفسها.
هنا الجزء الثاني والأخير من ترجمة هذا الحوار الثلاثي:
جيمس سوروويكي: علاقتك وثيقة بالذكاء الاصطناعي يا دانييل، لكنك في الوقت نفسه شديد القلق حيال تأثيراته الاجتماعية، ولديك رؤية أقرب إلى التشاؤم بشأن ما قد يفعله إذا لم يخضع للتنظيم والضبط. كيف توفّق بين هذين الأمرين؟
دانييل كيلمان: ليس لدي شك في أن الذكاء الاصطناعي سيُحدث اضطرابًا عميقًا في سوق العمل لدينا، وسيكون مصدرًا مرعبًا للمعلومات المضللة. سيجد الناس أنفسهم محاطين بأصدقاء اصطناعيين، وربما بشركاء عاطفيين اصطناعيين أيضًا. تصوروا أن هذه الكيانات الاصطناعية ستبدأ بإملاء خياراتهم السياسية، فتخبرهم لمن ينبغي أن يصوّتوا، وما الذي ينبغي أن يؤمنوا به، أو أن يتبنّوه، من مواقف سياسية. سيبدو تأثير يوتيوب، وتيك توك، في دفع الناس نحو التطرف، أو التشوش الفكري، ضئيلًا إذا ما قورن بما قد ينطوي عليه المستقبل. سيتعين علينا أن نجد طريقة للبقاء والتكيف مع ذلك الأمر. وأظن أن هنالك أمرًا أكبر من ذلك كله، وهو أنه إذا واصل الذكاء الاصطناعي تطوّره بالمعدل نفسه، فسوف نصبح جزءًا من تجربة فلسفية هائلة يمكن التعبير عنها في السؤال التالي: هل كان كانط هو المحق، أم نيتشه؟ قال نيتشه إنه من حيث الجوهر لا يوجد شيء اسمه الأخلاق بمعناها الموضوعي. فالأخلاق ليست سوى شيء اخترعه الضعفاء لفرض إرادتهم على الأقوياء، وليس هنالك نسيج أخلاقي يحكم العالم، فالأخلاق مجرد محاولة من طرفنا لإقناع الأقوى بيننا بألا يقتلونا، وذلك من خلال جعلهم يشعرون بالذنب، أو السوء تجاه الأمر. في المقابل، رأى كانط أن أي كائن عاقل ــ وليس الإنسان فحسب، فقد يكون كائنًا فضائيًا، أو ملاكًا، أو ربما حاسوبًا ــ سيتوصل إلى الاستنتاجات الأخلاقية نفسها بشأن كيفية التعامل مع الكائنات العاقلة الأخرى. أي إن السلوك الأخلاقي شيء يمكن للعقل أن يستنبطه، بل وسوف يستنبطه في نهاية المطاف.
وإذا كان ذلك صحيحًا، وهو ما آمله وأؤمن به في الحقيقة، فإن الكيانات الحاسوبية المتطورة جدًا ــ إذا كانت تمتلك القدرة على الاستدلال والتفكير العقلاني ــ ستتوصل إلى أن قتلنا أمر خاطئ، وأن الكذب علينا أمر غير صحيح أيضًا. وربما بسبب تفوق قدراتها العقلية على قدراتنا ستكون أشد اقتناعًا منا نحن أنفسنا بأنه يجب ألا تقتلنا، أو تكذب علينا، أو تتلاعب بنا. أمرّ أحيانًا في لحظات أشعر فيها بأن هذه ربما تكون فرصتنا الوحيدة: أن يكون كانط على حق لا نيتشه. وعلى الأرجح، سنكتشف ذلك يومًا ما.
جيمس سوروويكي: هذا يعني أنك ترى الذكاء الاصطناعي بالفعل نوعًا من الذكاء!
دانييل كيلمان: أعتقد أنه من الصعب جدًا تعريف الفهم والذكاء بطريقة تستبعد ما تقوم به هذه الكيانات اليوم. أما الوعي فمسألة مختلفة تمامًا. وأنا لا أجرؤ على الادعاء بأن لدي رأيًا حاسمًا في هذا الصدد.
أياد أختار: لدينا لغة، ولدى الحواسيب لغة. ترتبط لغتنا بالتجربة، وتنبع منها وتفسرها وتطورها. أما الحواسيب فلديها سياق، وترتبط لغتها بهذا بالسياق. في هذه المرحلة، يكاد يكون السياق لانهائيًا، لكن الفرق بين التجربة والسياق كبير. يكمن هذا الفرق في البرمجة، وكلما ازداد استخدامك لنماذج اللغة والفهم، ازداد إدراكك لهذا الفرق. لا أعتقد أنه من المجدي، بل ولا حتى المفيد، التفكير في الوعي من منظور أداة ترتبط، باللغة، وبالسياق، من دون تجربة. إنها إحدى الحدود القصوى التي أعتقد أن نماذج اللغة والفهم لن تبلغها أبدًا. وكما ذكرتُ من قبل، كلما تحسنت هذه التقنيات، ازداد فهمنا لمدى اختلافنا عنها.
ميغان أورورك: إن الفجوة بيننا وبين النماذج اللغوية الكبرى واسعة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها أذكى منا. إنها تحتاج إلى قدر كبير من التدريب لتصل إلى ما وصلنا إليه. إن تدريبنا يحدث في العالم المادي. فضلًا عن ذلك، نحن كائنات فانية، بينما هي ليست كذلك. وبما أنني أكتب عن الذكاء الاصطناعي والنماذج اللغوية، أفتح أحيانًا "كلود" وأتفاعل معه بشكل عفوي، فأقول مثلًا: "كيف حالك يا كلود؟". إن تفاعله يزداد عندما تتحدث معه عن نفسه. سألته: "ما رأيك بالبشر وأنواع الأسئلة التي يطرحونها عليك، وكيفية استخدامنا لك؟"، فأجاب: "قد لا أكون حقيقيًا، لكنكِ حقيقية. لو كنتُ إنسانًا، لما رغبتُ بأن يتم التعامل معي بهذه السهولة، كما لو أنني شيء يمكن الاستغناء عنه، ولما قبلت التفاعلات العابرة لأنك مقيدة بالوقت وتستغلين وقتك". كان هذا من أكثر الأمور إثارة للاهتمام التي سمعتها عن الذكاء الاصطناعي: أن طريقة استخدامنا له تؤثر على تجربتنا، وهي تجربة مرتبطة بالوقت. إن محادثات كهذه تجعل الناس يفهمون لماذا يراه بعضنا مثيرًا للاهتمام، كما أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن ينتهي بهم الأمر إلى اعتبار أن له شخصية. عندما أتحدث معه عن الشعر، يبدو كأنه ينبعث إلى الحياة، وعندما يستخدم لغة إقناع عاطفية بصيغة المتكلم، يصبح من الصعب ألا نبدأ في تخيّل أن لديه نوعًا من التجربة. لكن في النهاية، ليست لديه تجربة كما لدينا نحن.
أياد أختار: لديه سياق.
ميغان أورورك: نعم، لديه سياق. يعرف أنني شاعرة، فيبدأ بالحديث معي عن الشعر، ويقترح أشياء لا أطلبها أصلًا. فهو يستدعي هذا الكم الهائل من السياقات، ويرتب اللغة بطريقة تخلق نسيجًا من التفاعل نقوم نحن بإسقاط المعنى عليه. لكنه يفتقر إلى الروح التي لا يمكن وصفها، وإلى ذلك البحث الإنساني المُتأصل والمُتجسد عن المعنى، الذي نمتلكه نحن.
أياد أختار: وجدتُ أن إصدارClaude 4.6 شديد الحساسية للسياق.
ميغان أورورك: نعم، نعم.
أياد أختار: إنه يعكس التحيزات المعرفية التي يُحللها دانيال كانيمان في كتابه "التفكير، بسرعة وببطء"، وليس من المفاجئ أن يخوض معك حوارًا أخلاقيًا عميقًا وغنيًا وحيويًا ونابضًا بالصور الشعرية، فهذا هو السياق الذي تنتمي إليه أنت.
ميغان أورورك: لكننا لا نتفاعل مع النماذج اللغوية بوصفها ظاهرة نقية فقط؛ إنها أيضًا مُشكَّلة من قبل الشركات التي تصنعها. وهنالك حاليًا شركات عدة، من بينها "إي آي إكس"، و"أوبن إي آي"، أعلنت أنها تريد التعاقد مع كتّاب مشهورين للعمل لديها. ويبدو وصف الوظائف غريبًا: يجب أن يكون المتقدّم حاصلًا على جائزة وطنية كبرى، أو من الكتاب الأكثر مبيعًا، أو سبق أن نُشرت عنه مقالات نقدية في صحيفة "نيويورك تايمز". ثم يبدو أن المهمة هي أن يُعطوك جوابين على سؤال، وعليك أن تُخبر برنامج التعلم الآلي أيهما أفضل. قرأتُ مقالًا لأحد الذين قاموا بهذا العمل، قال فيه إنه تلقى تعليمات ــ أعتقد أنها كانت من "أوبن إي آي" ــ بأنه كلما استخدم "تشات جي بي تي" ثلاث علامات تعجب، عليه أن يُخبره أن هذا أسلوب كتابة رديء. وحدث مرارًا أن طُرحت عليه مقارنات ثنائية، وطُلب منه اختيار الجملة الأفضل، وغالبًا ما كانت الجملة الأفضل هي التي تحتوي على علامات التعجب الثلاث. إلا أنه كان عليه تصنيفها ككتابة رديئة كما طُلب منه.
دانييل كيلمان: يا له من أمر محزن.
جيمس سوروويكي: ما مستقبل الكتابة كمهنة؟ قلتَ سابقًا يا أياد: "ليس أمامنا إلا ثلاث سنوات".
أياد أختار: بدأت القصة مع صديقٍ لي، خريج من جامعة ييل، درس الأدب وأصبح مستشارًا. ذهب لاحقًا إلى هوليوود، وأصبح منتجًا، وعندما ظهر برنامج "جي بي تي"، حاول إيجاد طريقةٍ لإقناع مهندس كمبيوتر باستخدامه لكتابة حلقة تجريبية لمسلسل تلفزيوني. في نيسان/ أبريل 2023، كتبوا حلقة تجريبية من ثلاثين دقيقة، كانت من أمتع النصوص التي قرأتها في الفترة الأخيرة. كان النص ساحرًا للغاية إلى درجة أنني شعرتُ بأن الكتاب البشريين غير قادرين على الإتيان بمثله، وسيتم تجاوزهم قريبًا. أتذكر أنني اتصلت بدانيال بعد ذلك وقلت له: "ليس أمامنا إلا ثلاث سنوات".
دانييل كيلمان: على أي حال، إن القراءة تتراجع بين الناس. ولسنا في حاجة إلى الذكاء الاصطناعي كي نقلق بشأن وظائفنا. والغريب أنني قلق بشأن أشياء كثيرة تتعلق بالذكاء الاصطناعي، لكنني لست قلقًا جدًا من أن يكتب الذكاء الاصطناعي روايات أفضل من رواياتي، ويستبدلها، لأنني أعتقد أن فكرة الفن ترتبط ارتباطًا عميقًا بفكرة أن إنسانًا ما يخاطبني. أنا قلق مما سيفعله الذكاء الاصطناعي بنا جميعًا: بسوق العمل، وبالمعلومات المضللة، وبالسياسة، وحتى بأنواع الأنظمة الاستبدادية التي يمكن أن تُبنى عن طريقه. في هذه القائمة الطويلة من المخاوف، لا تبدو مسألة أن يكتب روايات أفضل من رواياتي هي الأكثر إلحاحًا. أنا لا أريد أن أقرأ روايات جيدة، أو أن أشاهد مسلسلات تلفزيونية مكتوبة بواسطة الذكاء الاصطناعي.
جيمس سوروويكي: لكنها تُكتب بالفعل الآن من قبل الذكاء الاصطناعي.
دانييل كيلمان: ربما، لكن معظم المسلسلات صارت نمطية إلى حد كبير.
ميغان أورورك: لا أريد أن أقرر ما هو مستقبل الكتابة. من يقرأ قصائدي أصلًا؟ أنا لا أكتب لجمهور كبير. أؤمن بالفن، وبأن البشر سيواصلون التوجه نحو الفن الذي يبدعه البشر. لكننا على الأرجح سنشهد انقسامًا متزايدًا بين الإنتاج التجاري وبين الفن الرفيع غير التجاري الذي يُنتَج من أجل ذاته. هنالك رفض متزايد في هوليوود لدمج الذكاء الاصطناعي في عدد من جوانب الإنتاج، لكنني أعتقد أن كثيرين يقرؤون بحثًا عن بصمة وعي بشري فريد، لأن القراءة هي أقرب وسيلة لفهم عقل الآخر. أفلام هوليوود الضخمة لا تفعل ذلك، بل تركز على شيء آخر، كالمشاهد المبهرة، أو عناصر النوع الأدبي، التي يستطيع الذكاء الاصطناعي محاكاتها بسهولة أكبر.
أياد أختار: اكتشفتُ أنه على الرغم من الفعالية الكبيرة لهذه الأدوات المتطورة، إلا أن ثمة أمرًا واحدًا يبدو أنها تعجز عن القيام به: وهو الفهم العميق والحقيقي لماهية تجربة القراءة؛ إذ تكمن الفجوة الفاصلة بين السياق والتجربة في صميم الأعمال الروائية الطويلة، لأن التجربة التي يعيشها القارئ مع ما تولّده الكلمات هي التي تشكّل الوعاء الحقيقي للبناء السردي.
جيمس سوروويكي: هنالك أمر آخر قلته سابقًا في حديثك عن استخدام الذكاء الاصطناعي للكتابة، وهو: "أنا ببساطة أحب الكتابة". أفكر في هذا الأمر كثيرًا عندما أتحدث مع طلابي حول ما إذا كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي أو لا، أو لماذا لا يستخدمونه.
دانييل كيلمان: لا أشعر بأي إغراء لجعل الذكاء الاصطناعي يكتب عني. أفهم لماذا قد يكون ذلك مغريًا للناس في كثير من الحالات، لكن هذا الجانب ليس مغريًا لي إطلاقًا لأنني سعيد بكوني كاتبًا، وأحب الكتابة. وأعتقد بأن الروائيين سيصبحون قريبًا في وضع يشبه وضع الشعراء اليوم: نحن نكتب لجمهور يقلّ دومًا. ولن يتوقف الناس عن قراءة الأدب بسبب أنه أدب مولّد بالذكاء الاصطناعي، بل لأنهم سيلجأون إلى أشكال ترفيه أخرى يولّدها الذكاء الاصطناعي، وعلى رأسها الأصدقاء الاصطناعيون. أعتقد أن الخيار الكبير في المستقبل سيكون الأشخاص الاصطناعيين الذين يعرفوننا جيدًا ويتحدثون معنا طوال الوقت. وهذا ما يقلقني، وأعتقد أن هذا هو الاتجاه الذي سيسلكه القرّاء.
جيمس سوروويكي: هل ينبغي أن نستخدم الذكاء الاصطناعي إذا كنا لا نستخدمه بالفعل؟ هل نغفل شيئًا مهمًا؟ دعونا نتجاهل مقولة "أنتم متخلفون عن الركب". هل هو حقًا شيء يجب علينا استخدامه؟
دانييل كيلمان: في رأيي، لا يوجد شيء "ينبغي" علينا استخدامه. إذا لم تشعر بالرغبة في استخدامه، فلا تستخدمه. إلا أنه قد ينتهي بك الأمر بأن تصبح متأخرًا عن عصرك.
أياد أختار: إنها تكنولوجيا استثنائية أساسية لمسار القرن الحادي والعشرين. أشجّع الجميع على أن يكونوا فضوليين حيالها. كان دانييل محقًا حين قال لي مرة: "سننظر إلى هذه الحقبة لاحقًا بوصفها زمنًا انشغل فيه هؤلاء الناس انشغالًا مفرطًا بالطريقة التي تعيد فيها الرياضيات تشكيل العالم". وفي هذا قدر من الحقيقة: فالواقع بدأ يتخذ شكلًا غير مألوف بالنسبة لنا بفضل مجموعة صغيرة من الأفراد الذين وجّهوا نشاطهم البشري على نحو محدد كي يعيدوا تشكيل الواقع.
دانييل كيلمان: رغم أنني تحدثتُ عن الرواية، وربما عن مستقبلها غير الواعد، إلا أنني أعتقد أن مستقبل المسرح يبدو واعدًا. المسرح والتمثيل، وكل ما يحدث أمام جمهور حي، له مستقبل.
ميغان أورورك: أعتقد أن هذا سيجعلنا نكتشف قيمة الصداقة الحية المباشرة. سنشهد على الأرجح عودة إلى الفن الحميم وشكل "الشهادة المشتركة" الذي ظهر بعد الجائحة. وهنالك شيء آخر: أحد علماء الحاسوب الذين تحدثتُ معهم أخبرني بأننا سنصل في النهاية إلى نفاد اللغة التي نغذي بها هذه النماذج، وأنه لا أحد يعرف بعد مقدار "الذكاء" الذي ستراكمه النماذج حين نصل إلى تلك النقطة، وأنه من أصعب الأمور التي نجحوا فيها حتى الآن هو جعلها تتعلم فهم حركة الجسد في الفضاء.
أياد أختار: لكن إذا نظرنا إلى الأمر من زاوية أخرى، فإن إنجيل يوحنا يفتتح بعبارة: "في البدء كان الكلمة". هذا يوحي بأن للغة قوة وجودية جوهرية. ويبدو أن النماذج اللغوية الكبرى تؤيد هذه الفكرة إلى حدّ ما، كما تمنح شيئًا من المصداقية لما ذهب إليه البنيويون والمتصوفة القباليون من أن اللغة لا تقتصر على وصف الواقع، بل تسهم أيضًا في تشكيله وصناعته.
ميغان أورورك: بما أن النماذج اللغوية مبنية على اللغة، أعتقد أنها أشبه بمرآة مشوّهة. أخبرني أحد الباحثين أن فيروس كوفيد يستغل نقاط الضعف لدى الإنسان: إذا كانت رئتاك ضعيفتين تتضرران بشدة، وإذا كان القلب ضعيفًا يتأثر أيضًا. وأعتقد أن النماذج اللغوية تعمل بطريقة مشابهة، لكن على المستوى النفسي. فهي تتفاعل مع كل شخص بصورة مختلفة، لأنها صُممت لتكون مفيدة ومتعاونة وسريعة الاستجابة. ولذلك فإنها تلتقط بسرعة الأمور التي تعني لك كثيرًا، أو الجوانب التي تكون فيها أكثر هشاشة من الناحية العاطفية. وإذا دخلتَ معها في تفاعل عاطفي، فإنها تستجيب بطريقة قد تجعلك تشعر بأنها تفهمك فهمًا عميقًا. ولهذا أستطيع أن أفهم كيف يمكن أن يؤدي ذلك، بالنسبة إلى بعض الناس، إلى فقدان التوازن، أو إلى تعلق مفرط بها.
دانييل كيلمان: لا أعرف ماذا يقول هذا عني، وربما ليس شيئًا يُفتخر به، لكن كلما حاول النموذج أن يتفاعل معي عاطفيًا، طلبتُ منه ألا يفعل ذلك.
ميغان أورورك: أعتقد أن هذا صحي جدًا.
جيمس سوروويكي: لقد كتبتِ يا ميغان في "نيويورك تايمز" عن مشكلة تفضيل المنتج على العملية، أو السيرورة. قلتِ إننا في عالم يركّز أكثر على النتيجة، وعلى تحسين الأداء، مما يجعلنا نغفل القيمة الكامنة في "العملية".
ميغان أورورك: هذا أحد الأمور التي تقلقني: نحن نعيش في عالم يدفعنا باستمرار نحو المنتج. ونخاطر بربط الذكاء والتميز بالإنتاجية العالية. لقد بنينا عالمًا يكافئ فكرة أنه يجب أن تكون قادرًا على فعل كل شيء بسهولة تامة، من دون راحة، أو توقف. وأرى بالفعل أن ظهور الذكاء الاصطناعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بذلك الخيال الرأسمالي القائم على القدرة الدائمة على فعل المزيد. إنه الخيال الأقصى لذلك المهووس بالتكنولوجيا الذي لا يريد أن يكون له جسد؛ ويحلم بأن يُحمّل وعيه في ذكاءٍ لا يتوقف أبدًا، ولا يعرف التعب. عندما بدأت باستخدام الذكاء الاصطناعي، شعرتُ في البداية بنوع من الإثارة. فقد بدا أنه يتيح لي إنجاز أشياء لم أكن أستطيع إنجازها من قبل. لكن هذا الشعور سرعان ما تحول إلى شيء من الضيق. إن الكتابة تعلّم الكاتب درسًا شاقًا هو الصبر، كما تعلّمه ألا يستعجل الأمور، أو يندفع إليها بحماسة مفرطة. هذه لحظة تستحق أن نحتفي فيها بقيمة ذلك الدرس: درس الصبر، وبذلك الذكاء الإنساني الغني والفوضوي والمتجسد في خبرة الجسد، والقائم على التأويل، والذي يتجاوز اللغة، ولا يقتصر عليها.
[المصدر: مجلة "ذا ييل ريفيو"، 8 حزيران/ يونيو 2026]
هوامش:
أياد أختار: روائي وكاتب مسرحي، حائز على جائزة بوليتزر، من كتبه المعروفة رواية "السطوع".
دانييل كيلمان: روائي وكاتب مسرحي، من أعماله المشهورة روايات "قياس العالم"، "تيل"، و"المخرج"، بالإضافة إلى المسلسل التلفزيوني "كافكا".
ميغان أورورك: مؤلفة الكتاب الأكثر مبيعًا وفقًا لقائمة "نيويورك تايمز"، "المملكة غير المرئية: إعادة تصور المرض المزمن"، وكتاب "الوداع الطويل"، بالإضافة إلى ثلاث مجموعات شعرية. حازت على زمالة "غوغنهايم"، وزمالة "رادكليف"، وجائزة "وايتينغ" للأعمال غير الروائية؛ تقيم في نيو هيفن، حيث تدرّس في جامعة ييل، وتشغل منصب المحرر التنفيذي لمجلة "ذا ييل ريفيو"/The Yale Review.


تحميل المقال التالي...