ترجمة: عماد فؤاد
لو كان أمين معلوف نظر جيدًا من نافذة مكتبه في باريس صباح يوم 19 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، لربما رأى بعينيه السرقة الهوليوودية التي شهدها متحف اللوفر في ذلك الصباح الغريب، وشاهد اللصوص وهم يهربون بغنائمهم التي قدّرت قيمتها بـ102 مليون دولار. أمين معلوف عضو منذ سنوات في الأكاديمية الفرنسية التي تقع في مواجهة متحف اللوفر على ضفاف نهر السين، والتي لاحظ الكاتب آدم غوبنيك في كتابه "باريس نحو القمر" أن باب الدخول إليها متواضع بشكل لافت بالنسبة لمعبد لغوي عريق مثلها.
تم انتخاب أمين معلوف أمينًا دائمًا بالأكاديمية الفرنسية من قبل أعضائها عام 2024، وهو منصب يُمنح مدى الحياة. وبذلك أصبح معلوف، المولود عام 1949 في بيروت، على رأس الحصن الأكاديمي الفرنسي الأرفع والأعلى، في حالة ربما تكون هي الأولى من نوعها التي نجد فيها كاتبًا من بلاد الشام يقود المؤسسة التي تحرس اللغة الفرنسية وآدابها. وعلى الرغم من المنصب الأكاديمي الرفيع الذي يلقي بمسؤوليات كبيرة على معلوف، إلّا أن كل من يتحدث إليه لن يجد ذلك الحارس التقليدي للحقائق الأكاديمية الثابتة، بل سينصت إلى شخص سمته الأساسية هي القلق.
تحدّثنا مع معلوف في ظلّ الهجمات الأميركية على إيران مؤخرًا، في ما يُعدُّ تصعيدًا يزيد من زعزعة توازن القوى الهش أصلًا في الشرق الأوسط، قال إن عالمنا الذي عرفناه خلال العقود القليلة السابقة يقترب من نهايته، وهنالك "شيء ما جديد" يتكوّن في السنوات الأخيرة، لكن من الصعب رؤية ما سيكون عليه.
خطوط الصّدع
نشر أمين معلوف ما يزيد على العشرين كتابًا، تنوعت بين الرواية والمقال والعمل التاريخي، وقد تُرجمت أغلبها إلى ما يقرب من 40 لغة. بدأ حياته بالعمل في صحيفة "النهار" الناطقة بالفرنسية في بيروت، وهو العمل الذي جعله يجوب العالم؛ فقد كان في أثيوبيا عند سقوط هيلا سيلاسي في 12 سبتمبر/ أيلول 1974، وسافر عبر آسيا بعد انتهاء حرب فيتنام، فالتقى قادة العالم، وشهد سقوط الأنظمة وتغيّر الجغرافيات والحدود.
تحظى كتب معلوف حول الهوية والذاكرة الجماعية بشعبية كبيرة، خاصة في العالم العربي، ويراها كثيرون هناك بمثابة بوصلة فكرية توفر لهم نقاط ارتكاز رئيسة في أوقات تتحول فيها صراعات الهويات إلى أسلحة وجيوش. ولأنه من النادر أن يكون سؤال "إلى أي بلد تنتمي؟" بريئًا في العالم العربي اليوم كما كان منذ قرون، يُنظر إلى ما يقدّمه معلوف من مراجعات لمفهوم الهوية والتشابك الإثني باعتباره مرجعًا أساسيًا لفهم التحوّلات التاريخية التي شهدتها بلدان العالم العربي والإسلامي خلال القرون الماضية، وصراعاتها مع القوى الاستعمارية الغربية، وما أسفرت عنه هذه الصراعات اليوم من تغيّر في مفهوم الهوية لدى شعوب العالم العربي والإسلامي على خلفية التبدلّات السياسية المتسارعة.
يعيش معلوف في منفاه الفرنسي منذ ما يزيد على 50 عامًا، ومع ذلك يظلّ وفيًا لجذوره اللبنانية العربية. يجلس اليوم في غرفته في العاصمة الفرنسية باريس مرتديًا بدلة أنيقة وربطة عنق، متحدثًا إلينا عبر شاشة الكمبيوتر بلغة إنكليزية مدروسة، فيما يتناثر شعره الرمادي بشكل عشوائي. يفكر معلوف ويتحدث مستخدمًا استعارات واسعة النطاق؛ يمرّر كل إجابة عبر الأزقة الطويلة للتاريخ أولًا، ثم يزنها في صمت، ولا ينطق إلا بما يراه يتغيّر في الحاضر: "لا تكمن الأخطار المتوقعة فقط في أن العالم يتغيّر اليوم بهذا الشكل السريع، بل لأنه يتغير من دون اتجاه محدّد، أو مدروس. ما يقلقني ليس قوّة القوى العظمى المستفحلة يومًا بعد الآخر، بل افتقارها إلى ضبط النفس".
حين اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، أصبحت خطوط الصّدع التي كان يكتب عنها أمين معلوف ظاهرة وجلية فجأة في شارعه نفسه، ووسط معارفه وأفراد عائلته؛ رأى كيف اختزل الجيران بعضهم بعضًا في كلمة واحدة: مسيحي... مسلم، يساري... يميني، شيعي... سنّي. وكيف تحول مجتمع كان ينظر إلى نفسه يومًا على أنه فسيفساء ثقافية وإثنية ثرية في العالم العربي، إلى خط جبهة يفصل بين ساكنيه. دفعت الحرب الأهلية اللبنانية معلوف إلى الهرب إلى فرنسا، أدرك أنه لو لم يفعل، فلن يتمكّن من وصف وتأريخ ما يحدث بعد الآن، بل سيصبح جزءًا منه.
العنف المقدّس
حذّر معلوف من هذا التطوّر الخطير في كتابه "الهويات القاتلة"([1]) (1998)، حيث تتصادم الهويات، ويتم التعبير عنها بشكل متطرف أكثر فأكثر. ما جعله يصيغ ما رآه يحدث أمام عينيه في لبنان في مفهوم عالمي أسماه "الهوية"، حيث لم يعد ينظر الناس إلى بعضهم البعض كبشر، بل كعائلات وعشائر وأرقام وحشود. صارت كل فئة تشكل: "بصمة فريدة من التجارب واللغات والذكريات والولاءات"، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، خاصة حين يبتلع عنصر واحد العناصر الأخرى في المجتمع، وحين يختزل المرء نفسه، أو يُجبر على ذلك من قبل آخرين، إلى تصنيف أحادي الجانب؛ دين واحد، أمة واحدة، لغة واحدة. ووفقًا لمعلوف، فإن "وحشًا كبيرًا" يكمن في ذلك التّصنيف الأحادي الرّافض للتعدّد العرقيّ، أو الدّيني: "عندها يتحوّل الخوف إلى عدوان، والدفاع عن النفس إلى عنف مقدّس".
في كتابه "اختلال العالم"([2]) (2009)، يحوّل معلوف نظرته من الهوية إلى النظام العالمي نفسه. ويجادل بأن الناس ليسوا وحدهم من يفقدون توازنهم، بل تضطرب المؤسسات الدولية أيضًا. ويرى أن المسؤولية تقع اليوم أكثر من أي وقت مضى على عاتق الولايات المتحدة، التي، بحسب قوله، لم تتمكّن من إرساء نظام مشترك، أو مستقر، بل تخلّت عن هياكل التشاور العالمية، وأصبحت تتصرّف بطريقة أحادية الجانب بشكل متزايد في العقود الأخيرة، ويضيف: "حرب كوسوفو، على سبيل المثال، بدأت نهاية فبراير/ شباط 1998 من دون إجماع في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدّة. ثم جاءت حرب العراق لاحقًا، من خلال تحالف جديد آخر عُرف وقتها بـ’تحالف الراغبين’. وهكذا نشأت حالة سياسية مختلفة تمامًا عمّا كنّا نعرفه سابقًا في عالم السياسة، حالة تقول فيها دولة واحدة: ’سنفعل ما يخدم مصلحتنا’، نقطة. عندئذٍ يتحرّك العالم بوتيرة أسرع، لكنه يفقد إحساسه بالاتجاه الصحيح".
أصبحت نبرة أمين معلوف أكثر يأسًا وإحباطًا في كتابه اللاحق "غرق الحضارات"([3]) (2019)، إذ بلغت المخاطر التي حذّر منها من قبل حدّها الأقصى. وصار جليًا أن أوروبا، التي كان في إمكانها أن تكون نموذجًا أخلاقيًّا وسياسيًّا يمكن أن يشكل ثقلًا موازنًا وموازيًا للولايات المتحدّة، غير قادرة على فعل شيء. بل أصبحت ضعيفة ومنقسمة: "ما عليك سوى النّظر إلى ملابسات وظروف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم صعود التيارات القومية واليمينية المتشككة في وجود الاتحاد الأوروبي نفسه في العديد من البلدان الأوروبية المختلفة؛ بدءًا من إيطاليا في الجنوب، وصولًا إلى هولندا في الشمال".
كذلك يستعيد معلوف في "غرق الحضارات" طفولته، راسمًا صورة فريدة للبنان ومصر في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، مجتمعان كانت تتعايش فيهما ديانات وهويات وأعراق مختلفة جنبًا إلى جنب على مدى مئات السنين. لا يرى معلوف انهيار هذا التوازن كمأساة منعزلة، بل كبداية لما يسمّيه "العدوى" التي انتشرت لاحقًا إلى بقاع أخرى من العالم.
كذلك يشدّد معلوف في حديثه على التغيّر القوي الذي شهده العالم بحلول عام 1979، والذي تولّت فيه مارغريت تاتشر السلطة في بريطانيا، ووضعت الفكر النيوليبرالي على الخريطة الأوروبية. وفي إيران ظهرت ثورة آية الله الخميني في العام ذاته، فنشأت دولة الإسلام السياسي كشكل من أشكال الحكم. وهما ثورتان وإن بدتا متناقضتين ظاهريًّا، إلا أنهما أخلتا جذريًا بحالة التوازن التي سادت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. هنا تصلّبت الهويات وانغلقت على نفسها مجددًا في بقاع مختلفة من العالم، وأصبحت مفردات مثل "الدين"، و"الثقافة"، و"الأصل"، و"العرق"، محددة بحدود أكثر صراحة ووضوحًا. ومن ناحية أخرى، تغيّرت أساليب الحكم؛ فظهرت في عدد من البلدان نماذج سياسية وعسكرية واقتصادية، أعطت مجموعات كبيرة من سكانها وشعوبها الشعور بأنها لم تعد ذات أهمية أو وزن سياسي يعوّل عليه.
قانون الغابة
لم يكن ما تلا ذلك في رأي أمين معلوف "صراع حضارات" كما وصفه صموئيل هنتنغتون، بل كما يكتب في كتابه "غرق الحضارات": "كان تدهورًا مشتركًا، لأننا جميعًا على متن القارب الغارق نفسه". والكل خاسر في رأي معلوف؛ تفقد أميركا اليوم مصداقيتها الأخلاقية، فيما تخسر أوروبا ثقتها بنفسها، ويتعثر العالم العربي في تحقيق خططه المستقبلية، وتدخل القوى "الناشئة" أو "المتجدّدة" الكبرى، مثل الصين والهند وروسيا، الساحة العالمية في مناخ من التنافس الضار، حيث يسود مبدأ "كل لنفسه". وبالتالي أصبح سباق تسلّح جديد أمرًا لا مفرّ منه تقريبًا. وفي الوقت نفسه تتراكم تهديدات عالمية أخرى: تغير المناخ، والتحولات البيئية المتسارعة، والأزمات الصحية والأوبئة التي لا تعرف حدودًا، والتي لا يمكن مواجهتها إلّا بتضامن دولي غير مسبوق: "أعتقد أننا تلقّينا ما يكفي من إشارات التحذير، لا نحتاج إلى كارثة جديدة كي نستيقظ".
(*) ألم تنشأ أغلب الأنظمة العالمية الجديدة تاريخيًا إلّا بعد كوارث وحروب ومجاعات كبرى؟
آمل ألّا يكون الأمر كذلك الآن، فمع ضراوة الأسلحة المتوفرة اليوم، لن تترك حرب عالمية جديدة أي شيء يمكن البناء عليه. علينا أن نتحمّل المسؤولية قبل وقوع كارثة، فإمّا أن يتمّ إصلاح وإعادة هيكلة الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى، وإمّا أن تُنشأ هياكل جديدة فاعلة.
(*) مثل "مجلس السلام" الذي أنشأه ترامب مؤخرًا على سبيل المثال؟
هذا ليس حلًا حقيقيًا، إن إنشاء هيئة تحلّ محلّ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من دون أن تمثّل القوى العظمى أمر سخيف ولا جدوى من ورائه. أعتقد أن مجلس السلام المستحدث هذا ما هو إلّا وسيلة اتصال شخصية لترامب أكثر منه مؤسسة دائمة.
(*) لماذا لا ترى فيه مؤسسة بديلة، أو مؤقتة؟
لأن مثل هذه المبادرات يجب أن تحظى بدعم وقبول دولي جماعي، ليس فقط جميع الدول الكبرى، بل "كل" الدول في الواقع. الأمم المتحدة تعاني كثيرًا من العيوب، وفوق ذلك لا تمتلك سلطة مستقلّة. علينا أن نبني على ما لدينا بدلًا من هدم كل شيء والبدء من الصفر بدون مبرّر. تقع على عاتق المؤسّسات الدولية اليوم مهمة تذكير القوى العظمى بوجود دول أخرى، بما في ذلك الدول الصغيرة، التي يجب الإنصات إلى مطالبها. فالبلدان القوية أيضًا في حاجة إلى النظام وسبل لردع قوتها. مخطئ من يظنّ أن الفوضى تعمل لصالحه، لأنّ قانون الغابة يضرّ بالجميع في نهاية المطاف. فإذا كنت غنيًّا وقويًّا، فإن مصلحتك تكمن في وجود قواعد ثابتة للعبة.
يبدو حوارنا مع أمين معلوف مجردًا إلى أن تتحوّل دفّة الحديث بنا إلى غزّة، فيقول: "ربما خفّت حدّة العنف قليلًا هناك الآن، لكن حتى لو سكتت القنابل، فهذا لا يمثّل حلًا نهائيًا، لا يمكن حلّ الصراع الذي استمرّ لأجيال بإنشاء هيئة جديدة، أو خطّة اقتصادية. كما أن فكرة أن تصبح غزة ريفييرا، أو نسخة من دول الخليج، حيث ينشأ الاستقرار من الأبنية الزجاجية الشاهقة وآبار البترول والاستثمارات ذات الأرقام الفلكية، هذه خطط لا تقنعني. إن دبي واحة صغيرة، غنّية، استثنائية، أمّا غزة فليست واحة، بل أنقاض. يمكن للتنمية الاقتصادية أن تعيد بناء المنازل والبنى التحتية، لكن لا يمكنها أن تحلّ محلّ الحقوق السياسية للشعوب".
درس اليابان
تعود جذور المأزق الحالي، وفقًا لمعلوف، إلى ما بعد حرب 1967 بين إسرائيل والعالم العربي، التي احتلّت فيها إسرائيل في غضون أيام قليلة، من بين مواقع وأراض عربية أخرى، الضفّة الغربية، وغزّة، والقدس الشرقية. ومنذ ذلك الحين لم ينجح العرب في تحويل هزائمهم إلى نقد ذاتي، أو تجديد. وأصبحت الهزيمة جرحًا يتقيّح في أرواحهم لعقود. وفي الوقت نفسه أصبحت إسرائيل "أسيرة انتصارها"، لأن: "المنتصر ليس في حاجة إلى تقديم تنازلات". فيما يفقد المهزوم الثقة إلى الأبد. وهكذا نشأ فخّ مزدوج، بقي المهزوم عالقًا في يأسه، وتشبّث المنتصر بمكاسب انتصاره.
يقول معلوف: "كان هنالك شعور لديّ بأن التوصّل إلى تسوية سياسية أمر ممكن في السنوات التي أعقبت اتفاقيات أوسلو، لكنني لا أرى في الوقت الحالي أي إرادة سياسية حقيقية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية. آخر مرة شعرت فيها ببادرة أمل كانت في القاهرة في يونيو/ حزيران 2009. حين تحدّث باراك أوباما عن كرامة الفلسطينيين، وعن حقّهم في إقامة دولتهم، وعن ضرورة وقف الاستيطان. ظننت حينها أن الأمر ربما سيحدث أخيرًا، لكن لم يتبع تلك الكلمات أي تقدم من أي نوع، تلاشت كالعادة قبل أن تصير أفعالًا".
بصفته جسرًا ثقافيًا بين حضارتين تتشكّك كلّ منهما في الأخرى، كتب أمين معلوف لسنوات طويلة انطلاقًا من هويّتيه المتداخلتين؛ أوروبا الجديدة والعالم العربي القديم. وسعى إلى تشريح اختلال العلاقة بين العالمين في أعماله بعدما رآها تأخذ منحنيات عدائية. يقول: "حينها بحثتُ عن أملي في مكان آخر، بعيدًا عن العلاقة المتوتّرة بين الغرب والعالم العربي الإسلامي. لأنني شعرت بالحيرة، كنت أرى أحدهما يفقد بوصلته الأخلاقية، فيما ينغلق الثاني على ماضيه رافضًا الانفتاح على الآخر، فكانت اليابان وجهتي".
في كتابه "متاهة الضائعين، الغرب وخصومه"([4]) (2024)، يضع معلوف الحضارة الغربية على طاولة التشريح جوار منافسيها الدائمين: اليابان، والاتحاد السوفياتي، والصين. ويرى أن السياسة العالمية ليست مسرحية رديئة الإخراج فحسب، بل متاهة تهدّد بضياع الدول الصغيرة والكبيرة على حدّ سواء: "لدينا الوسائل للخروج من هذه المتاهة، لكن علينا أولًا الاعتراف بأننا ضللنا الطريق تمامًا".
يختار أمين معلوف في كتابه "متاهة الضائعين" عن وعي قراءة التاريخ من منظور الدول باعتبارها قوى مهيمنة. ولهذا النهج حدوده، لكنه يوفر أيضًا نقطة ارتكاز أساسية للكتاب، إذ ينظم الأحداث على مدى الـ120 عامًا الماضية. وتحظى اليابان باهتمام لافت لدى معلوف، فقد تخلّت البلاد في عصر ميجي (1868 ــ 1912) عن نظامها الإقطاعي، ونفذّت إصلاحات جذرية في وقت قياسي: إدارة مركزية وجيش حديث وسكك حديدية ومؤسّسات صناعية ونظام تعليمي وطني. يضيف معلوف: "علَّقت اليابان كيمونوها في الخزانة، وارتدت الآلات كرداء جديد، فانتقل التاريخ إلى مرحلة أخرى. وحين أغرق الأدميرال الياباني توغو هيهاتشيرو الأسطول الحربي الروسي عام 1905 خلال يومين فقط، تغيّر مركز ثقل العالم لبرهة".
(*) لماذا هذا الاهتمام الشديد بعصر ميجي؟
لقد سحرتني عملية التحديث الكبرى التي أطلقها اليابان في عصر ميجي، والتي لم تتمكن مجتمعات غير غربية أخرى من تحقيقها. أثبتت هذه التجربة أن التحديث خارج الغرب ممكن، وفي استطاعته أن ينتصر، حتى أن نموذج ميجي صار منارة للإصلاحيين في آسيا كلها، وتطلّعت دول مثل أفغانستان، وسيام، وتونكين، وجافا، وبورما، إلى اليابان لتشكيل مستقبلها الخاص. ولكن مع حلول عقد الثلاثينيات، انزلقت اليابان إلى مرحلة مفاجئة ومدمرة، وفقدت توجهها السياسي والمعنوي. لا يزال من الصعب عليَّ فهم كيف يمكن لدولة أن تنحرف عن مسارها بهذه السرعة. ما إن بلغت هذه المملكة الجزرية مكانة القوة العظمى، حتى شعرت بأن عليها أن تتصرّف كما تفعل القوى العظمى الأخرى، فبدأت في تأسيس إمبراطورية استعمارية، ما عجّل انهيارها بأسرع مما توقعه أحد.
الوحل الأوكراني
(*) لماذا في رأيك تنتهي الدول والأمم التي تكتسب قوة عسكرية كبيرة إلى التوحش الذي يسبق عادة انهيارها؟
الأمر يكاد يكون قانونًا تاريخيًّا، ويبدو أن كل من يكتسب السلطة والقوة يتعرض لخطر أن يصيبه الغرور بالعمى، فمن يصل إلى مناصب سلطوية عادة ما يدخل في حالة من النشوة تصيبه ببعض الاختلال وعدم التوازن، كان قدماء الإغريق يعرفون ذلك جيدًا، فإذا أرادت الآلهة أن تحطم شخصًا ما، كانت تبتليه بداء "الغطرسة" (Hubris)، وهو داء يصيب الأفراد كما يصيب الأمم. ومن نشأ مثلي في بلد تعصف به الكوارث والحروب، يدرك جيدًا كيف يتم عرقلة السعي نحو التقدم والتنمية والديمقراطية والكرامة الإنسانية مرة بعد أخرى حتى تصاب الشعوب باليأس. الفرص الضائعة ليست مجرد انتكاسات مؤسفة، بل نقاط تحوّل حقيقية للأمم والمجتمعات. ونادرًا ما يمنح التاريخ فرصًا ثانية. فإذا لم تستجب الدول للتحوّلات السياسية في الوقت المناسب وبالطريقة الصحيحة، فقد تختفي الحضارات وتتدهور، وتغرق الشعوب في اليأس والضغينة والكراهية. في بلاد الشام، حيث ولدت، لا تزال المعاهدات التي أُبرمت بعد الحرب العالمية الأولى مباشرةً، والتي قُسّمت بموجبها دول الإمبراطورية العثمانية بين القوى الأوروبية بالقلم والمسطرة، سارية المفعول حتى اليوم. والضرر هائل، وغالبًا ما يكون غير قابل للإصلاح. كما تعلّمتُ من دراستي للتاريخ أن المجتمعات التي تبني سياستها على كراهية منهجية للغرب، عادةً ما تنزلق إلى الهاوية نفسها، إذ تدفع ثمنًا باهظًا لهذا العداء.
كان معلوف يعمل على وضع اللمسات الأخيرة على كتابه "متاهة الضائعين" عندما غزت روسيا أوكرانيا فجر يوم 24 فبراير/ شباط 2022. يقول: "كان فلاديمير بوتين قبل عشرين يومًا من هذا الغزو قد زار الرئيس الصيني في بكين، بينما كانت قواته تتجمّع في حشود ضخمة من الجنود والعتاد على الحدود مع أوكرانيا. وعشية انطلاق دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، وقّع بوتين هناك مع الرئيس الصيني شي جين بينغ ’بيانًا مشتركًا’، أعلن الزعيمان فيه عن مرحلة جديدة في علاقتهما، وعن ’أواصر صداقة بلا حدود، ومن دون مجالات تعاون محظورة’".
(*) وما الذي قرأته في هذا البيان؟
يتعارض نصّ البيان صراحةً مع النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة منذ عقود، وفيه ينتقد بوتين وشي جين بينغ توسّع حلف الناتو، وتؤيّد روسيا الموقف الصيني بشأن تايوان، وفي المقابل تبدي الصين تفهمًا لمطالب روسيا الأمنية في أوروبا. ثم تضع الدولتان تعريفهما الخاص للديمقراطية، وتنكران وجود نموذج عالمي واحد، بل: "كل دولة تختار مسارها الخاص". وبذلك تقوّضان فكرة أن الديمقراطية الليبرالية هي المعيار السائد. وأخيرًا، يؤكدان على التعددية القطبية. ووفقًا لهما، لا يجوز أن تهيمن قوة واحدة على العالم بعد الآن، بل يجب أن تتألّف من أقطاب عدة. قد يبدو هذا وكأنه توازن للقوى، لكنه إعلان يضفي في الواقع الشرعية على مناطق النفوذ التي تطمح إليها الصين وروسيا. أمّا ما لم يذكره البيان صراحةً، ولكنه سيكتسب أهمية أكبر في القراءات السياسية المستقبلية لهذه الحرب، فهو توقيت إعلان البيان، حيث أرادت روسيا والصين إعادة ترتيب ميزان القوى، كضربة تحت الحزام لبطش أميركا المتزايد، إلّا أن هنالك على الأرجح خللًا أصاب حسابات بوتين، الذي لم يتوقّع أن تسير الحرب بهذه الصعوبة، فأصبح عالقًا في أوحال أوكرانيا حتى اليوم.
إحالات:
(*) نشر هذا الحوار مؤخرًا ضمن سلسلة "فوضى العالم" التي تنشرها مجلة "خرونه أمستردامر" الهولندية العريقة، وهي سلسلة انتقائية من الحوارات التي تستضيف كبار الكتّاب والسياسيين العالميين ليقدّموا شهاداتهم على اللحظة السياسية العالمية الراهنة.
هوامش:
[1] ــ ترجمة نهلة بيضون، دار الفارابي، بيروت 2004.
[2] ــ ترجمة ميشال كرم، دار الفارابي، بيروت 2009.
[3] ــ ترجمة نهلة بيضون، دار الفارابي، بيروت 2019.
[4] ــ ترجمة رلى ذبيان، دار الفارابي، بيروت 2024.


تحميل المقال التالي...