ترجمة: سارة حبيب
بما أن الحضارة ليست طبيعية، فإن استدامتها تستلزم مُدخلات مستمرة من المادة، والطاقة، والروح المعنوية، والتي من دونها ستتدهور الحضارة بالضرورة أو حتى تنهار.
[ويليام أوفولس]
تظهر علامات "التدهور أو حتى الانهيار" الحضاري في كل عنوان رئيسي صباحي، وفي كل نشرة إخبارية مسائية: في جرائم القتل الجماعي في المدن الكبرى ومراكز التسوق في الضواحي؛ في الأطفال الذين يُقتلون رميًا بالرصاص في الصفوف الدراسية في المدارس الابتدائية والثانوية. إن ديمقراطية أميركا منقسمة على نفسها بامتعاض عبر حدود العرق، والجندر، والإثنية، والطبقة الاجتماعية. والافتراءات الخبيثة تتدفق عبر بوابات الإنترنت متعددة الرؤوس كالهيدرا، مستفِزَّةً نصابًا من المواطنين غير الممتثلين للقانون ليكرهوا بدل أن يساعد أو يحب واحدهم الآخر، أو يتحاوروا فيما بينهم.
وتأتي التقارير عن الاضطرابات المجتمعية بالتزامن مع أنباء عن كوارث بيئية وجيوسياسية في شتى أنحاء العالم: كوفيد-19 الذي حصد أرواح مليون أميركي، وستة ملايين في بقية أنحاء العالم؛ ارتفاع مستويات سطح البحر على سواحل كاليفورنيا واليابان؛ حوت العنبر الذي يواجه خطر الانقراض في المحيط الأطلسي، وسمك باس البحر (القاروس) العملاق في المحيط الهادئ؛ حيوان الومبات الأسترالي الشمالي ذو الأنف المشعر الذي بات ضمن قائمة الأنواع المهددة بالانقراض إلى جانب أشجار الخشب الأحمر في كاليفورنيا والخُبَّازى الخشخاشية في تكساس. التغيّر المناخي الذي يحرق غابات الأمازون المطيرة، ويذيب جليد القطب الشمالي. والزوارق الحربية الصينية التي تحاصر تايوان، والغزو الروسي لأوكرانيا الذي يبيد المدن، والمواطنين، والبلدات، ملقِمًا أسلحة الدمار النووي المتبادل والمؤكد.
إن السلوك غير المتمدن من قبل كل من الإنسان والطبيعة يدفع صنّاع رأي النخبة في أميركا إلى اعتلاء منابر وسائل الإعلام للترويج للخوف من المستقبل عبر تحذيرات رعب عند رأس الساعة- الحرب، والمرض، والفيضان، والمجاعة التي تقترب بسرعة نحو الجميع من كل حدب وصوب. وفي غضون ذلك، يطوف حراس ضمير الأمة في دوائر مراكز الفكر وبرامج الأحد الحوارية ليرووا قصصًا حزينة عن موت الملوك، وليندبوا زوال المثل العليا التي نصّت عليها "خطبة غِيتِيسبِرغ" لأبراهام لينكولن من على وجه الأرض، ويتحسروا على غياب أسنان تيدي روزفلت البيضاء كالثلج. إن صرخات الإنذار المشحونة برثاء الذات على طريقة العهد القديم تحوّل إشارات التدهور الأميركي إلى نبوءات بنهاية العالم. وأخبار القيامة تجذب المعلنين. إلا أننا لسنا في مواجهة "وحش سفر الرؤيا"، بل في مواجهة انقطاعات حادة في الطاقة تفرضها قوانين الثيرموديناميكا (الديناميكا الحرارية) والإنتروبيا على عوالم العقل والروح التي خلقها بشر فانون وأعادوا خلقها.
ينص القانون الأول للثيرموديناميكا على أن الطاقة لا تفنى ولا تخلق من العدم، بل تتغير من شكل إلى آخر فحسب. تنبثق الحياة على الأرض من ضوء الشمس وحرارتها. وفي واقع الأمر، الإشعاع الهائل لهذا النجم أبديّ. فلا يمكن إقصاؤه عن منصته، على الأقل ليس قبل خمسة مليارات عام أخرى. لكن، ما يمكن أن يفعله هذا الإشعاع، ويفعله بالفعل، هو أن يُستثمر بما يعود بالنفع أو أن يُبدَّد بلا فائدة، الذي هو القانون الثاني للثيرموديناميكا: ميل الإنتروبيا إلى الازدياد كلما تغيرت أشكال الطاقة. إن طاقة الشمس تشق طريقها إلى الأرض من خلال سلسلة لا نهاية لها من التحولات. المادة تتحول إلى عقل، والعقل إلى مادة، وثمرة البلوط إلى شجرة بلوط، وشجرة البلوط إلى جذع خشب، وجذع الخشب إلى نار، والنار إلى دخان ورماد.
وكما أدرك الشاعر الروماني لوكريتيوس قبل ألفي عام، فإن قوانين الثيرموديناميكا هي طبيعة الأشياء. فكل ما هو موجود - من حيوان ونبات ومعدن، من رجال ونساء، كنائس ودول، سمك وطير، ثدييات وميكروبات، صواريخ كروز وقبعات ورقية- يتكون من "ذرات متناهية الصغر وبيسرٍ/ تتحرك". وكذلك نحن جميعًا، ندور حول الشمس بسرعة 67000 ميل في الساعة، ونلتف حول محور الأرض بسرعة 1000 ميل في الساعة. والجسيمات الأولية للمادة - "بذور الأشياء"- التي كان لوكريتيوس يعلم أنها أزلية وغير قابلة للتدمير، تتصادم وتتحد بدون توقف في تنوع لا ينضب من أشكال الحياة. بالمثل، أدرك ليوناردو دافنشي أن الغبار الذري العجيب هو "القوة المذهلة" للطاقة التي "تولد في عنف وتموت في حرية"، وقد وصفها نيكولا تسلا بأنها "دائمة الحركة، كروح تحيي" الفراغَ الخامل للكون بواسطة هذا الاضطراب الهائل للخلق والفناء الذي يصنع، ويعيد صنع، الملفوف والملوك، والعادات، والقوانين، والخطوط الساحلية، حركات الرقص، والبرابرة، وإضافات البيتزا.
مع مرور الوقت، ومع الاستخدام وسوء الاستخدام المتكررين إلى ما لا نهاية، تصبح طاقة الشمس الوفيرة مشتتة على نطاق واسع ومبددة بلا طائل إلى درجة أنها تفقد قيمتها وقوتها. والنتيجة هي الاضمحلال نحو "الإنتروبيا"؛ مصطلح تعرّفه المعاجم على أنه الفوضى، والعشوائية، واختلال النظام؛ أي، مجموعة الظروف التي وجدت فيها أميركا نفسها هائمة بلا هدى وتتلكأ في شحوب قبل عام واحد من الانتخابات الرئاسية لعام 2024 ووسط احتمالية الاختيار بين مرشحين إنتروبيّين.
لذلك، على سبيل الوصول إلى أفضل إجابة محتملة عن سؤال: "كيف يمكن أن تحدث مثل هذه الأمور؟"، يمكن أن نستقي من كتاب "عظمة مفرطة: لماذا تفشل الحضارات"، للمنظّر السياسي ويليام أوفولس. وهو الكتاب الذي نُشر عام 2012، لكنه بات يُفهم بسهولة أكبر بعد مرور أحد عشر عامًا بوصفه يدق ناقوس الخطر. وذلك لأنه يزودنا ببيان حسابيّ للثمن الذي تتقاضاه الطبيعة لقاء استخدام مرافقها ومواردها، ويعدّد الضرائب والرسوم الثيرموديناميكية المدفوعة ثمنًا للافتراض المُمجِّد للذات القائل بأن تقنيات البشرية صانعة المعجزات تُخضِع الطبيعة، وتحولها إلى آلة جني أموال عملاقة.
ينتمي أوفولس إلى مدرسة المنظّرين الذي يجدون في دورات حياة الحضارات والبشر أنماطًا متشابهة من الاشتعال، والاحتراق، والنفاد. فالطور الشبابي الذي يتسم بالحيوية، والفضيلة، والغزو العسكري (أي، تركّز كثيف للطاقة الأخلاقية، والفكرية، والجسدية) يمر عبر أطوار الرخاء والفكر، قبل أن ينحدر إلى طور الانحطاط. كذلك، يطرح الفيلسوف العربي ابن خلدون، الذي عاش في القرن الرابع عشر، هذه الفرضية بأبسط صيغة ممكنة: يحافظ الجيل الأول على "خُلُق البداوة" من خشونة وتوحش، وأفراده يتمتعون بـِ"البسالة والافتراس"، أشدّاء في عصبيتهم الدينية، معتادون على شظف العيش وعلى "الاشتراك في المجد". أما الجيل الثاني الذي أصبح ناعمًا بفعل الرخاء والترف، فذلك يجعل طاقاته الغازية تضمر. تتكدس الثروات، وينحط الرجال، وتتنحى إرادة الفعل لتفسح المجال أمام الرغبة في تلقي الرعاية. أما الجيل الثالث فيغرق في النرجسية، الكلبية، والركود، وتصير مثله العليا الأخلاقية مجرد ذكرى بعيدة وعاطفية، وتتجه سياسته نحو مزيد من الفساد، ويزداد تطبيق قوانينه جورًا، مع اتساع الفجوة باطراد بين المعدومين والميسورين. ويحل تقديس المشاهير محلّ إجلال الذات الإلهية. ويصبح الأخلاقي هو ما يحقق ربحًا؛ وما يحقق ربحًا هو الأخلاقي.
يثبّت ابن خلدون مدة الفصول الثلاثة لعمر الحضارة عند مائة وعشرين عامًا. بينما يضع مؤرخون آخرون أرقامًا أخرى لحضارات أخرى: يخصص بوليبيوس 35 عامًا للمجد الذي حظيت به أثينا في عهد ثيميستوكليس، ويمنح إدوارد غيبون 200 عام للعظمة التي عاشتها روما الإمبراطورية. ويقسّم بعض المؤرخين عمر الحضارة إلى خمسة فصول بدلًا من ثلاثة، كما يضيفون عوامل تزيد التعقيد ترتبط بالجغرافيا، والجيوسياسة، ودوران عجلة الحظ. وتختلف المراجع في كيفية تحديد مواضع المعالم الرئيسية، لكنها تتفق على أن الطريق إلى الخراب يكمن في سوء استخدام الطاقة، وتحولها إلى أشكال لا تردّ أي عائد من الطاقة؛ بدلًا من أن تتحول البذرة إلى نبتة، والنبتة إلى أوكسجين، يكون التحول إلى نفايات سامة من الوقود والفكر؛ إلى حبسِ الطاقة الإنتاجية في أهرامات من الديون العقيمة (مثل الشُّقق التي تبلغ قيمتها مائتي مليون دولار في صف المليارديرات في مانهاتن)، والبيروقراطية المختلة وظيفيًا (حروب البنتاغون الخاسرة في فيتنام، وأفغانستان، والعراق)، وعطور الرجال التي تحمل توقيع دونالد ترامب؛ إمباير وسكسِس. والنتيجة هي العظمة المفرطة التي يعزو إليها غيبون انحطاط روما وسقوطها:
لقد أنضج الرخاءُ مبدأَ الانحلال؛ تضاعفت أسباب الدمار مع اتساع رقعة الغزو؛ وما إن أزاح الزمن أو الصدفة الدعائمَ الصناعية، استسلم البنيان الهائل لوطأة ثقله.
يستعير أوفولس من غيبون عنوان مقالته وأطروحتها، ويرى أن البنيان الهائل لعظمة أميركا المفرطة في القرن الواحد والعشرين ينهار تحت وطأة الإنتروبيا والخوف. فهو أكثر تكلفة ثيرموديناميكيًا من أن يمكن الإبقاء عليه، وأضخم بيروقراطيًا من ألا يفشل. إن طاقاتها المتناقصة هي ألد أعدائها وهي موجهة إلى مهمة تدمير ذاتها.
في دوري، أقتبس في هذه المقالة من أوفولس لأنني أشاركه طريقة تفكيره، وأعرفه بوصفه ابن عمي من الدرجة الأولى. ولد أوفولس عام 1934، قبل عام واحد من مجيئي. ولذلك فقد بلغنا من العمر ما يكفي لنكون قد شهدنا تبدل حرس الحضارة مرتين على الأقل على مدى عقودنا التسعة على طريق الحج هذا إلى حيث لا يعلم أحد. وقبل أن نصبح تلميذين في مدارس سان فرانسيسكو في أربعينيات القرن الماضي، كنا على خشبة مسرح ما كان ابن خلدون ليعتبره الفصل الأول في عمر الحضارة: انبثاق "الصفقة الجديدة" لفرانكلين دي. روزفلت من رماد "الكساد الكبير". وبعد السابع من ديسمبر/ كانون الأول عام 1941، وبعد أن تجاوزنا السادسة من عمرنا، صرنا مشاركين في الاستعداد لمد يد العون، فكنا نجمع بقايا المطاط، القصدير، ودهون اللحم المقدد دعمًا للمجهود الحربي؛ وكنا كأطفال معتادين على دفاتر التموين والنقص في السكر، والأحذية، واللحم، والوقود. ومن سطح مدرستنا الابتدائية كان بوسعنا أن نرى في خليج سان فرانسيسكو حاملات طائرات سلاح البحرية وسفن قوات المشاة البحرية وهي تغادر متجهة نحو غوادالكانال وبحر الفلبين. ولكوننا كنا نتلقى تعليمنا في جو مشبع بحرية شجاعةٍ ومتهكمة، فقد كانت لدينا الحرية في أن نتخيل أننا نقف إلى جانب النصر العادل. وكذلك كان جدنا روجر دي. لابام الذي انتُخب رئيس بلدية للمدينة عام 1943، واعتاد أن يصطحب معه في الحملات السياسية أكبرَ حفيدين لديه، ويعرّفهما في قاعات النقابات العمالية وحانات الموانئ إلى ما كان يدعوه "الديمقراطية في حالتها الخام". وفي أبريل/ نيسان عام 1945، بحكم منصبه كرئيس بلدية، رحب جدنا بالوفود التي أتت إلى دار أوبرا سان فرانسيسكو للمداولة حول تأسيس الأمم المتحدة. وأصر على أن أحضر أنا وابن عمي أوفولس الجلسات العامة، وأن نحفظ إعلان الاستقلال وميثاق الحقوق. ففي عام 1945، كانت الكلمات تعني ما تقوله؛ لقد كانت منسجمة مع اتجاه العصر ومزاجه. أما في عام 2023، فقد باتت تبدو جوفاء، كذكرى عزيزة وآخذة بالتلاشي عن عالم كان وانقضى.
تنبع ثقتي بأوفولس من كوننا كنا شاهدين معًا على صعود وسقوط الحلم الأميركي بالإمبراطورية، فقد راقبنا الديمقراطية الأميركية في الثمانينيات وهي تبيع حيوية تصنيعها وفضيلته، وعمالتها المجزية، إلى بلوتوقراطية معولمة، ثم تنحدر أكثر في مطلع القرن الواحد والعشرين تقريبًا لتتحول إلى شكل من الحكم شبهه أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد بحكم "الأحمق الثري"؛ أي حكم طبقة حاكمة ومالكة مؤلفة من رجال تائهين للغاية في حلم الثراء لدرجة "أنهم يتخيلون بالتالي أن ما من شيء لا يمكن للمال شراؤه".
ويتطرق الفيلسوف الأميركي من القرن العشرين لويس ممفورد إلى النقطة الأخيرة في مقطع مقتبس من كتابه "التقنيات والحضارة" الذي نُشر عام 1934:
إن عادة إنتاج السلع سواء أكانت هنالك حاجة إليها أم لا، واستغلال الاختراعات سواء أكانت مفيدة أم لا، وتطبيق الطاقة سواء أكانت فعالة أم لا، يتغلغل في كل قطاع من قطاعات حضارتنا الحالية تقريبًا.
إن تصنيع السلع من دون هدف سوى جني المال يُنتج ذلك البنيان الهائل للعظمة المفرطة التي وصفتها إديث وارتون على أنها نتاج "مجتمع طائش" لا يكتسب "أهمية درامية إلا من خلال ما يدمره طيشه. ومضامينه التراجيدية تكمن في قدرته على الحط من قدرة البشر والمثل العليا". تتحدث وارتون هنا عن العصر المذهَّب لأميركا أواخر القرن التاسع عشر؛ ويمكن لوصفها هذا أن ينطبق بذات السهولة على عصرنا المذهب في أوائل القرن الحادي والعشرين؛ العصر الذي تضمن طيشَه الآلاتُ التي تصنع ما نشاهده على التلفاز ونلقي عليه نظرة سريعة على هواتفنا؛ تلك الآلات التي نتسوق بواسطتها ونشكّل سياستنا كذلك. ويعبّر ممفورد عن فكرة مشابهة عندما يقول إن "حضارتنا اليوم تميل لصالح استخدام الأدوات الميكانيكية، لأن فرص الإنتاج التجاري وممارسة السلطة تكمن هناك: في حين أن كل التفاعلات البشرية المباشرة أو الفنون الشخصية التي تتطلب حدًا أدنى من المعدات الميكانيكية تُعامل على أنها هامشية ويمكن إهمالها".
إن معاملة طاقات العقل البشري على أنها هامشية هو خطأ "لا يعود من تخومه مسافر" أو حضارة. فمن بين أوائل معانيها الكثيرة، "الطاقة" هي الطبيعة وهي تخلق نفسها وتعيد خلقها في عقل الإنسان؛ إنها الطبيعة وهي تتأمل في مسيرتها، وتجمع وتعيد جمع حرية الفكر مع لعب الخيال. وهذا بدوره يمكّن من اكتشاف "أشياء في السماء والأرض يا هوراشيو/ تفوق ما تحلم به في فلسفتك"، على حد قول هاملت. إن الآلات لا تملك الفضول المتمرد ذاته. فرغم أنه يمكنها أن توسّع المعروفات المعروفة، وتزيدها تعقيدًا، وتضاعفها، إلا أنه ليس بوسعها أن تعثر على المجاهيل المجهولة.
لقد علّق ألبرت أينشتاين على هذا التمييز عندما طُلب إليه أن يشرح السبب الذي دفع ماكس بلانك عام 1900 ليكتشف نظرية الكم. ولم يستطع أينشتاين أن يجد "أي جسر منطقي بين الظواهر ومبادئها النظرية"، سوى "الحدس الذي يستند إلى فهم تعاطفي للتجربة". وهو يدعم تخمينه الأفضل هذا بنسخة معدلة من النظرية النسبية العامة:
يحاول الإنسان أن يصنع لنفسه بالأسلوب الذي يناسبه تمامًا صورةً مبسطة ومفهومة للعالم؛ ثم يحاول إلى حد ما أن يضع هذا الكون الخاص به محلّ عالم التجربة، وبالتالي يتغلب على ذلك العالم.
كذلك، تثير الشاعرة وكاتبة المقالات الأميركية آني ديلارد النقطة ذاتها في مقالتها المنشورة عام 1975 بعنوان "البراءة في غالاباغوس"، حيث تقول إن "الإنسان يتمتع بحرية أكبر من الكائنات الحية الأخرى؛ فهو، على نحو مضاد للإنتروبيا، يطرق المُعطى ليُحدث فيه أثرًا وانبعاجًا أكبر، فيبني سدودًا على الأنهار، ويزرع السهول، ويرسم في عين عقله خطوطًا منقطة تصل بين النجوم". وكذلك يفعل ديفيد وينغرو والراحل ديفيد غريبر في كتابهما الباعث على الحياة "فجر كل شيء" الذي نُشر عام 2021: "ثمة، بالتأكيد، اتجاهات في التاريخ... لكن 'القوانين' الوحيدة هي تلك التي نخترعها بأنفسنا".
استبدلْ قوة المال والآلات بقوى العقل البشري العظيمة، وعاجلًا وليس آجلًا ما سيحدث أنه بدلًا من أن يملك الناسُ المالَ، فإن المال سيملك الناس. إن سوء استخدام الطاقة القاتل ذاته هو ما اعتنقه ميداس، الملك القوي في الأسطورة الإغريقية والرومانية الذي تمنى أن يتحول كل ما يلمسه إلى ذهب. وحقق ديونيسوس، إله الخمر والنشوة، أمنية ميداس. ثم، وطوال صباح ريغانيّ (نسبة إلى ريغان) جديد مشرق في العصور القديمة ابتهج الملك وهو يحوّل العصي والحجارة وأزهار عباد الشمس إلى معدن ثقيل ثمين. لكن، عند ذلك تحول الخبز والنبيذ كذلك إلى ذهب عندما أمسكهما بيديه صانعتي المعجزات. وعندما أصبح عاجزًا عن العيش على نتاج غروره وجشعه، توسل ميداس إلى ديونيسوس طلبًا للخلاص. فرثى الإله لحال "الأحمق الثري"، وأعاده إلى رشده.
| |
| "مضى أكثر من مائة وخمسة وسبعين عامًا منذ أن نشر ماركس وإنجلز تلك الكتابة التحذيرية على الجدار، لكن رجال دولتنا البرجوازيين المتباكين على أنفسهم في واشنطن ووول ستريت لم يتلقوا الرسالة بعد"... |
لكن، ولأنهم لم يكونوا بذات اليقظة، فإن ملوكنا، ملوك الحرب والمال الأقوياء المعاصرين، لم يكونوا محظوظين بذات القدر. فمجرد ظهيرة واحدة أصابها الشلل في آسيا الصغرى في القرن الثامن قبل الميلاد كانت وقتًا كافيًا لميداس ليحدد عيب التصميم في الطرح الأولي العام؛ العيب ذاته الذي حدده كارل ماركس وفريدريك إنجلز عام 1848 على أنه وضع "الدفع النقدي القاسي القلب" محلّ كل شكل آخر من أشكال الاستحقاق، والقيمة، والمعنى، والسعي البشري. وقد مضى أكثر من مائة وخمسة وسبعين عامًا منذ أن نشر ماركس وإنجلز تلك الكتابة التحذيرية على الجدار، لكن رجال دولتنا البرجوازيين المتباكين على أنفسهم في واشنطن ووول ستريت لم يتلقوا الرسالة بعد. وذلك رغم حقيقة أنه لخمسين عامًا على الأقل من هذه الأعوام المائة وخمسة وسبعين كان واضحًا أن موارد الكوكب المحدودة لن تستطيع أن تلبي الوعد الرأسمالي المخادع بنمو اقتصادي غير محدود.
إن التكنولوجيا هي استخدام للطاقة، لا مصدر لها. كما أن الرأسمالية ليست قانونًا من قوانين الطبيعة ولا هبة من الله. ومثل كل الأشياء التي صنعها الفانون (الهرم الأكبر في الجيزة، الكولوسيوم الروماني، الرؤوس المنحوتة في جبل راشمور)، فإن الرأسمالية هي قصة لها بداية، ومنتصف، ونهاية تُنذر بها حروب الموارد (على الخبز والنفط والماء) التي تُشن هذه الأيام عبر سبع قارات وخمسة محيطات. وحراس بوابات جنة المستهلك الأميركي يشعرون باقتراب شيء مروع في الأفق القريب والبعيد. لذلك، وكوسيلة للدفاع ضد خوفهم وارتعادهم، يرفعون صليبًا مقدسًا من الآلات الإعجازية، من بينها تشات جي بي تي الذي ولد في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022 في مِذوَد في سان فرانسيسكو، وبات مستعدًا وقادرًا على إعفائنا من الحاجة إلى رفع ما هو أثقل من حاجب العين.
لكن تخميني هو أن حراس البوابة ينظرون في الاتجاه الخاطئ. وأنا لا أسترشد هنا بنبي توراتي أو عراف وثني، بل بالقانون الأول للثيرموديناميكا وبالفيزيائي البريطاني الأميركي البارز فريمان دايسون الذي انضم في أواخر الأربعينيات إلى جي. روبرت أوبنهايمر في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون، نيوجرسي، للبحث في نظرية الكم واستكشاف إمكانية السفر في الفضاء العميق. وعند سؤاله عن قانون الإنتروبيا وما يترتب عليه من كون متجمد مثل ميداس في سجن أمنيته الذهبية، أجاب دايسون بأن القانون الأول ينزع الشوائب التي تعكر صفو القانون الثاني. فاحتياطي الطاقة الموجودة في الشمس يقدم "دعمًا قويًا لرؤية متفائلة حول إمكانات الحياة":
إن عالم الفيزياء والفلك لا ينضب. ومهما توغلنا في المستقبل، فستظل هنالك دومًا أشياء جديدة تحدث، ومعلومات جديدة تتدفق، وعوالم جديدة تُكتشف، ونطاق يتسع باستمرار للحياة، والوعي، والذاكرة.
إن ما يقوله دايسون عن المستقبل ينطبق تمامًا على الماضي؛ فكلما توغلنا فيه أكثر، ازداد إذهالًا، وأصبح مولِّدًا، ولا ينضب؛ مشهدًا هائلًا وآخذًا بالاتساع من الطاقة والأمل البشريين اللذين يمكنّان من التمرد ضد ما دعاه غي. كي. شيسترتون "الأوليغارشية الصغيرة والمتعجرفة لأولئك الذين تصادف وجودهم بالجوار فحسب"- وجودهم هذه الأيام على مرج البيت الأبيض، أو إلى جانب المسبح في بالو ألتو، أو قمة جبل سويسري في دافوس.
إن التاريخ هو سجل للأحداث (من تتويج الملوك وقطع رؤوس الملكات)، لكن الأجدى فهمه بوصفه مخزنًا هائلًا للوعي البشري الذي يصنع ذواتنا كبشر سالفين ومستقبليين. ففي رحلات البشرية عبر تخوم الألفيات، ننقذ من موت العائلات وحطام الإمبراطوريات ما نجده مفيدًا، أو جميلًا، أو حقيقيًا. والقصص المنقوشة على الجدران القديمة، والمطبوعة في الكتب القديمة، هي المادة التي صُنعت منها إنسانية الإنسان تجاه الإنسان. إن أنوار الملاحة التي تومض عبر خليج الزمن- على هيئة كلمات بالحبر، ورسومات على الحرير، ومنحوتات في الرخام، وفصول من القانون، وبوالص شحن، وأوامر إعدام، ومسرحيات من خمسة فصول وأغانٍ من ثلاثة أجزاء- تخبرنا من نحن وأين نحن.
إننا نواجه الخيار بين مستقبل يليق بالبشر ومستقبل تصنعه الآلات ويُصنع لها. ولأجل العثور على طائر فينيق في رمادنا، فإن موردنا الأكثر وفرة هو الامتداد اللامتناهي للجهل البشري الذي يوقظ إرادة المعرفة، ويشعل نيران إشارات الخيال. وهذا ما يقوله غريبر ووينغرو في "فجر كل شيء": "إن مجرى التاريخ البشري قد يكون أقل جمودًا وثباتًا، وأكثر امتلاء بالاحتمالات المرحة، مما نميل إلى أن نفترض". فأين يعيش المرء إن لم يكن في بيت من القش مصنوع من خلال تشكيل وإعادة تشكيل حكاية كان ياما كان؟ وما الذي يمكن تغييره إن لم يكن الماضي الذي يعيش في الحاضر، والحاضر الذي يعيش في الماضي؟ وكيف نفعل ذلك إن لم يكن بهبة المجاز وطاقة العقل؟
(*) لويس إتش. لابام (1935-2024): محرر ومؤسس مجلة "لابامز كوارترلي" من عام 1975 إلى 2006. محاضر في العديد من الجامعات مثل ييل وبرينستون وستانفورد، وعضو في قاعة مشاهير الجمعية الأميركية لمحرري المجلات. ألف أربعة عشر كتابًا، منها "المال والطبقة في أميركا" (1988)، "في انتظار البرابرة" (1997)، "مسرح الحرب" (2002)، "عصر الحماقة: أميركا تتخلى عن ديمقراطيتها" (2016). كما أنتج بودكاست أسبوعيًا بعنوان "العالم عبر الزمن"، وأصبح فيلمه الوثائقي "الطبقة الحاكمة الأميركية" جزءًا من المناهج الدراسية في العديد من المدارس والكليات.
رابط النص الأصلي:


تحميل المقال التالي...