}

"فنزوليّون": لوحة جماعية مركّبة لشعب الهامش

فدوى العبود فدوى العبود 24 أغسطس 2026

ماذا يفعل الشتات بالإنسان، ولماذا يبحث الإنسان في منفاه عن الموسيقى والفن والمغامرة؟ هل هي لعنة "أوديسيوس" الذي غادر "إيثاكا" الواقعية باحثًا عن "إيثاكا" متخيّلة، وما الذي تحطّم فيه وهو يقاوم عنف البحر وأمواجه الباردة، ويراوغ "السايكلوب" ذا العين الواحدة ويخدعه بصرخته "أنا لا أحد"، هل هي إرادته فقط أم يقينه؟
لكن "أوديسيوس" جويس لن يضطر إلى عبور البحر، بل سيتجول في شوارع دبلن منساقًا بلا إرادة، حيث يتحول العالم في وعيه إلى صور وظلال، فما تفعله الخسارة هو تحويل الحقيقة إلى شبح، والذات إلى شظايا؛ ومن الأخيرة سيكتب إدوارد سعيد "خارج المكان" ليحاول فهم العيش ضمن ازدواجية الهوية وشظاياها. ولكن هل يعيد السفر صياغة الهوية واللغة لتصبح أكثر وعورةً وحِدَّةً، أم يجعلها أكثر نعومة ومرونة؟ وأيُّ تعويض عن الوطن الذي نهجره ولا يهجرنا، وكيف يمكن للحكاية أن تروى بدون أن تُعنى بالمونتاج، أو القص والتقديم والتأخير؟ حيث يبني المهاجر قشرة مصطنعة فوق أنقاض حياته التي تنهار.
هذه وغيرها من قضايا وأسئلة تطرحها مجموعة "فَنْزَولِيّون"، للكاتب الإسباني رودريغو بلانكو كالديرون (ترجمة بسّام البزاز، دار قنطرة)؛ والتي تتألف من اثنتي عشرة قصة قصيرة ("حياة مختلفة"، "تكريم جوان كازالي"، "القراءة والكتابة"، "التناظر اللامتكافئ لحالات الانتحار"، "الغريب"، "ذئاب وقنادس"، وغيرها).
و"فنزوليون" تسمية تصغير، تقال للاستخفاف، أو التودّد، وهي تعبّر عن العالم الذي يربط مجموعة من المهاجرين في الشتات.  وهي تعرض تفاصيل صغيرة تكشف عن التشظّي الذي يعيشه هؤلاء في منفاهم. وهذه التفاصيل التي يعيشها كل لاجئ، أو مهاجر، بمفرده، ستكون اللوحة الكلية لحياة الإنسان في الغربة.
ينبني العالم القصصي لدى كالديرون (وهو كاتب فنزويلي شاب من مواليد 1981، وحاصل على ليسانس في الأدب، وماجستير في الدراسات الأدبية) على ملمحين: الأول، التخلي عن الحبكة بمعناها القصصي، والانحياز للحدث اليومي في انسيابه بدون رتوش أو هاجس بتحويله إلى حالة فنيّة، ما صبغ نصه بالواقعيّة. والثاني هو المفارقات التي تأتي من عمق هذا اليومي بدون الاضطرار إلى أي اصطناع أو اختراع، ما صبغ هذه الواقعية بملامح سريالية تكشف عن عمق الواقع.
أما الشخصّيات فهي غارقة في المراهنات والأحلام والهوس، بينما حياتها الحقيقية تفلت منها. وفي قصة "حياة مختلفة"، ينغمس البطل رفقة صديقه "ماريانو" في مراهنات فنيّة، في الغرفة الملاصقة لغرفة زوجته التي تنمّي نوعًا من الحقد، ينتهي بالانهيار الذي يتكشف لحظة يقول لصديقه أمام قائمة المراهنات: "كنت أعرف أنها ستبدأ عاجلًا أم آجلًا، بالخروج مع غيري".
إن الانخراط في قصص صغيرة تافهة هي طريقة عيش لاحتمال الشتات مع اللامبالاة تجاه ما هو شخصي وحميمي، حيث تتعلق الأنظار بالمكان الأول، لا لاستعادته، بل للتأكيد على انهياره ولا معناه، بحيث تترك الشخصيات مصائرها هناك في مسقط الرأس الذي غادرته ولم يغادرها. وفي قصة "مقهى روستاند"، يرتجل عضو لجنة التحكيم، ورئيسها الأكبر سنًا، قصة رجل يتجول بحثًا عن امرأة، وفي محطة "سان لازار" يغفو بين عربتين تصطدمان لينتهي مقطوع القدمين، وهو يرى أن هذه القصة وحدها جديرة بالفوز. لكن القصة لا وجود لها في قوائم المحكمين، ما يدفعهم للانقلاب عليه، وهم يقلبون بين الأوراق التي وصلتهم. لكن "ديشامب" العجوز يصر قبل سقوطه أرضًا على أن هذه القصة وحدها من يجدر أن تختار. وحين يحمل





إلى عربة الإسعاف يرتفع بنطاله ليكشف عن كاحلين معدنيين يصلان حتى ركبتيه.
تلعب المفارقة في النصوص دورًا مهمًا؛ إذ وبينما يبحث الأدب عن مفارقاته في المتخيل تزخر الحياة بكل ما لا يخطر في البال، ويتحول المكان الجديد إلى "دبلن" جديدة (دبلن هي المدينة التي وردت في رواية "عوليس" للكاتب الأيرلندي جيمس جويس)، يتوه اللاجئ بين شوارعها، ويبحث عن مصيدة أو ملهاة تنسيه غربته، وهي تبدو في ظاهرها إشكال خلق فني، "طالما كان رمز المصيدة آلة موسيقية، غيتارًا أو كمانًا، وربّما كان فرشاة ولوحة تلوين، وقد يكون كرة".
إن انتفاء الوطن يعني انتفاء المكان وتفكك الزمان في اليومي والعارض وما لا شأن له، في نص مرآوي يتبادل الواقع والكتابة فيه أدوارهما، فالحدث يتلو فعل الكتابة تارةً ويسبقه في أخرى ليشترك كل منهما في صنع المعنى. وليست له من أهمية إلا بوصفه توضيحًا للمكتوب. وفي قصة "القراءة والكتابة"، فإن لحظة تعلم البطلة القراءة كانت لحظة انهيار حياتها الحقيقيّة، إذ اكتشفت بين أوراق البريد والفواتير رسائل العشيقة للزوج، وأن الكتابة عن حياتنا لا تعني في النهاية الإخلاص للحقيقة، بل للواقعي، رغم وعورته، وهي تكتب "لم يبقَ إلا القليل مما أحكيه عن نفسي، لو أمرت بتلخيص الجزء المهم من حياتي، لقلت إن كل ما رويته يخص السنوات التي عشتها وأنا أتعلم كيف أعيش، السنوات التي تعلمت فيها القراءة والكتابة".
تنحو اللغة في نصوص هذه المجموعة منحىً ذهنيًا لا يكتمل إلاّ في علاقته بالخياليّ، وتتخذ طابعا فانتازيًّا بدون مبالغات الأخيرة أو تأويلاتها انحيازًا لطبيعة الأمور وخصوصيّة الحدث بعمقه السرياليّ الذي يرتدي قناع الواقعية.
تقوم الأحداث في عمقها على المفارقات والصدف وتقلبات القدر، والمصادفة التي تصنع لحظة الحظ، أو النحس، حيث تنعدم الأسباب والمسببات، وتصبح الحياة قطعة روائية. ويكفي أن تحمل اسم شخصية روائية حتى تصاب بأقدارها، أو تتبعك لعنتها كما في قصة "كاستل"، إذ تتعرف البطلة إلى شخص يحمل اسم بطل رواية "النفق" للكاتب الأرجنتيني أرنستو ساباتو، وينتهي إلى مصيره ذاته. وحين تلتقي الشخصية في نهاية القصة بالأم، تخبرها أنه ما كان عليها أن تختار ذلك الاسم، اسم "خوان بابلو كاستل"، الذي وسم مصير وحياة ابنها.
يلتئم الخيط الناظم في هذه المجموعة حول الكتابة والحياة، فتبدو الكتابة قطعة من الحياة، والأخيرة قطعة من الفن. فالحدث لا يقول شيئًا إلا لأنه عن شيء آخر، حيث يتعاظم نمو المعنى في مقابل ركود الفعل وسلبيته. والحدث أيضًا لا يحمل أي مغزى سوى أنه يحدث لنا في وقت ما ومكان ما.
وفي قصة "الكعب العالي البعيد"، تحاول "أيديث" تعليم "أدريانا" السير بالكعب العالي، فالوقت الذي ستمضيه المرأة الخمسينّية والشابة في ممرّ مائل طويل وهما تمضيان العصر كله تصعدان وتنزلان وهي تعلمها أسرار تلك الحركة التي تبدو بسيطة، (كعب/ بوز، كعب/ بوز)؛ لنكتشف في أثناء هذا الفعل البسيط حيوات نساء تعلمن النهوض، وحين سقطت الشابة لم تفكر "أيديث" في مساعدتها، بل قالت وهي تودعها: "تذكّري شيئًا واحدًا، ممكن ألاّ تستطيع المرأة أن تنجب أطفالًا، وممكن ألا تستطيع المشي بالكعب العالي، لكن من غير الممكن ألا تستطيع فعل الشيئين معًا".
في "الغريب"، وهي القصة العاشرة في المجموعة، يستعيد الكاتب أجواء رواية "الغريب" للكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو، وتروي القصة لقاء طالب بأستاذه في المهجر، إذ كان الأخير مولعًا برسائل كامو لأستاذه. وحلم الطالب أن يكون "كامو" آخر لكي يحقق هذه الأمنية. لكن الأستاذ صار كناسًا في شوارع مالقا، والطالب عجز عن أن يكون حتى كاتبًا رديئًا. إذ يبدأ اللقاء أمام بقايا الطيور الصغيرة التي أكلتها النوارس ليلًا بهذه العبارة "لم تبقَ من جثّة الحمامة غير الأجنحة"، ما يمنح المجموعة رمزيّة وشعريّة عالية.
وفي القصة ذاتها، نرى أن والدة البطل ووالده، يتابعان ما يجري في بلاده ويجزعان، فيتساءل "لماذا تركا البلد، إذًا، كانا يريان في الهجرة جلوسًا في مقصورة بعيدة تسمح لهما بمشاهدة الكارثة التي تحدث في الطرف الآخر الذي ينتميان إليه".
المفارقة هنا هي كشف عن ماهية الصدف والأحداث، إذ يوجد هناك وعلى الدوام حدث يقابله آخر ليكشفا عن معنى ثالث في قلب كل منهما. فالمجموعة تنتمي للواقعية السيكولوجية، إذ تتحول السريالية إلى واقع نفسي تتشابك فيه الحالة العقلية للشخصيات مع الواقع.
وكما في المسرح اليوناني، حيث تؤدي الطبيعة دورًا محوريًا فوق الخشبة، فإن لسقوط ورقة، ولجناح يمامة، دورًا في بناء المعنى. وهي مثال عن "الأدب الوعر" الذي يغوص في المناطق المعتمة للنفس بدون ابتذال، في مقاومة للقوالب الجاهزة ولتجميل الواقع... لتلامس المناطق البعيدة التي يتجنبها الأدب التقليدي، إما خوفًا من الرقابة، أو لمشقّة النظر فيها. وفي هذه الكتابة يحمل المؤلف مشرطًا، لكنه ليس سكين جزار يقطع الواقع بشراسة، ولا شفرة طبيب تجميل يحاول ستر عيب خلقيّ، بل مشرط جراح يشرّح ما تبقى من الجثة لمعرفة أسباب الوفاة.

* كاتبة سورية.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.