}

مارتن هايدغر: "الملك" مخلوعًا عن عرشه (1-2)

كون هاخنز 25 أغسطس 2026
ترجمات مارتن هايدغر: "الملك" مخلوعًا عن عرشه (1-2)
مارتن هايدغر

ترجمة وتقديم: عماد فؤاد


تقديم

في العشرينيات من القرن العشرين الماضي، بلغ مارتن هايدغر مكانة "النجم الفلسفي" الذي لا يفوقه أحد، وخاصة بعد ظهور عمله الأهم "الكينونة والزمان" عام 1927. واليوم بعد 100 عام من هذه النجومية الساطعة، يطرح الناقد والكاتب الهولندي كون هاخنز في مقاله التالي السؤال الذي يهرب منه أغلب من كتبوا عن هايدغر: هل كان الفيلسوف الألماني يمتلك بالفعل إدراكًا لـ "الوجود" و"الزمان" و"سيادة التكنولوجيا" أكثر من أي شخص آخر آنذاك، أم كان "رجلًا متطرفًا يشرح الأمور من منظور ذكوري نرجسي بحت"؟.

لا يمكن لأي قارئ متأمّل أن يقف اليوم على عتبة فلسفة مارتن هايدغر (1889 - 1976) من دون أن تصدمه المفارقة المحيّرة التي جعلت من هذا الفيلسوف الألماني حالة فريدة في تاريخ الفكر الغربي بأكمله؛ فهو من جهة كان الرجل الذي صنع زلزالًا في ميتافيزيقا الوجود، وأعاد تعريف العلاقة بين الكينونة والزمان، وأدهش أجيالًا كاملة من الطلّاب والمفكّرين حول العالم بلغته الشعرية المعقّدة. ومن جهة ثانية كان هايدغر ذلك المفكر الذي خان ضميره، وتورّط في مستنقع النازية، وترك خلفه "دفاتر سوداء" فضحت عمق انحيازاته العرقية، لتتحوّل سيرته إلى مرآة تعكس أزمة الفلسفة ذاتها حين تفقد بوصلتها الأخلاقية.

هذا هو ما يخلص إليه كون هاخنز في مقاله التالي، الذي يأخذنا عبره في رحلة نقدية مطوّلة تبدأ من كوخ "الغابة السوداء" في توتناوبرغ حيث اعتزل الفيلسوف العجوز الناس، مرورًا بصعود هايدغر الأسطوري في عشرينيات القرن الماضي، وصولًا إلى السقوط المدوي الذي جعله "ملكًا مخلوعًا" في مملكة الفكر والفلسفة. وفي ثنايا مقالته يطرح هاخنز سؤالًا جوهريًا له حضوره في أيامنا هذه، بسبب من عودة الخطاب الشعبوي إلى الواجهة من جديد في أغلب البلدان الغربية عمومًا: هل يمكن لنا الفصل بين عبقرية الفيلسوف وهفواته البشرية، أم أن فلسفة هايدغر ذاتها كانت محكومة منذ البداية بهذا العمى السياسي الذي انتهت إليه مسيرته؟

يكشف هاخنز في مستهل مقاله عن تلك اللحظة التأسيسية التي تبلورت فيها شخصية هايدغر، حين اختار أن ينأى بنفسه في كوخه المتواضع في أعالي الوديان، هاربًا من "الجمهور" الزائف وصخب المدن، ومتأملًا في بساطة حياة الفلاحين التي ظنّ أنها تحتفظ بجوهر الكينونة الأصيل. لكن هاخنز لا يخفي سخريته من هذه الرومانسية الريفية، فهو يذكّرنا بأن هايدغر، الذي كان يمجّد فضائل الأرض والعمل اليدوي، لم يكن سوى مثقف قروي يعاني من عقدة نقص عميقة تجاه زملائه البرجوازيين، فحوّل هذا الشعور بالنقص إلى فلسفة كاملة قسّمت العالم إلى "أصالة ريفية" و"زيف مديني"، إلى "عمق ميتافيزيقي" و"سطحية يومية".

وإذ يقرأ هاخنز هذه الثنائية في ضوء سيرة هايدغر الحياتية والفلسفية، يشير إلى أن هذه النزعة الانعزالية، التي بدت بريئة في البداية، كانت في الحقيقة البذرة الأولى لتفكير يائس يبحث عن الخلاص في الماضي، ويتعامل مع التاريخ باعتباره مجموعة من حلقات ومراحل التدهور المستمر، بدءًا من العصر الإغريقي الذهبي، وصولًا إلى حداثة وتقنية لم يعد للإنسان مكان فيها.


ينطلق كون هاخنز من هذه النقطة لتحليل المرحلة الذهبية في مسيرة هايدغر، وهي مرحلة كتابة تحفته "الكينونة والزمان" (1927)، والتي تحوّل بعدها إلى نجم فلسفي لا منافس له، يتزاحم المئات على قاعات محاضراته التي تعج بالطلاب، فيشعرون كما لو كانوا يتنفسون "هواءً نقيًّا وجديدًا" في حضور رجلٍ يجرؤ على طرح الأسئلة التي يخافها الجميع: ما معنى الكينونة؟ وما هو الزمان، وكيف لنا أن نستوعب وجودنا في ظل هذا العالم المحكوم بقوانينه التي لا نعرفها؟

لا يقف هاخنز منبهرًا أمام "الحالة السحرية" التي صنعها هايدغر آنذاك في الحياة الفكرية والفلسفية الألمانية، بل يجرؤ أيضًا على نكء الجرح اللغوي الذي عاني منه الفيلسوف طويلًا، فهذه المصطلحات الغريبة والأسلوب الملتوي، والجمل التي تبدو مجلوبة أحيانًا من قصائد غامضة، لم تكن مجرد وسيلة لهايدغر للتعبير عن عمق إدراكه الفلسفي، بل ربما – وفقًا لهاخنز - كانت حجابًا كثيفًا يخفي فراغًا ما. أو وسيلةً من وسائل التسلّط الفكري التي تجعل القارئ العادي يشعر بالدونية إزاء "المعلّم" الأوحد الذي يمتلك مفاتيح الغموض. هنا يطرح المقال السؤال التالي: هل كان هذا الغموض ضروريًا للتعبير عن فكر هايدغر الجديد، أم كان مجرد أداة لإبهار الجمهور وإخضاعه، الأداة ذاتها التي سيعتمد عليها هايدغر لاحقًا في تبرير انحيازه السياسي للنازية؟

المفارقة الأهم في حياة هايدغر، كما يعرضها هاخنز، أن فيلسوف "الأصالة" كان بعيدًا جدًا عن الأصالة في حياته العملية، ذلك لأن هايدغر الذي نادى بضرورة تحرير الإنسان من سطوة "الجمهور" و"الآخر"، هو نفسه هايدغر الذي لم يتردّد لحظة في الانضمام إلى جحافل النازيين الأكثر تنظيمًا وقمعًا، وهايدغر الذي حذّر من زيف الحداثة، كان هو نفسه الذي سارع إلى مباركة الثورة اليمينية المتطرفة التي وعدت بتدمير كل الحداثة باسم العودة إلى الجذور.

مارتن هايدغر وعائلته


هنا يذكر الكاتب تفاصيل صادمة، بدءًا من تولّي هايدغر رئاسة جامعة فرايبورغ عام 1933، مرورًا بخطابه الشهير الذي وصف فيه الجامعة بـ"كتيبة المقاتلين"، وصولًا إلى "دفاتره السوداء" التي كُشف عنها عام 2014، وأظهرت أن معاداته للسامية لم تكن مجرد هفوة عابرة، بل كانت جزءًا أصيلًا من تفكيره وقناعاته الراسخة، إذ تحدث فيها عن "اليهودية العالمية" كـ"قوة خفية لا تشارك في الحروب، لكنها تستنزف أفضل دماء الشعوب".

ينقل هاخنز بذكاء التناقض المذهل بين وعي هايدغر الوجودي العميق وعماه السياسي السطحي، وكأن الفيلسوف الذي كتب عن "القلق" و"الموت" كان يهرب من "قلقه الشخصي" ومن "موته الاجتماعي" عبر الانغماس في وهم قومي دموي.

نترجم هنا الجزء الأول من مقال الناقد الهولندي كون هاخنز حول مارتن هايدغر، ويتبع بحلقة ثانية وأخيرة:

مارتن هايدغر... "الملك" مخلوعًا عن عرشه (1-2)

يظهر في الصورة كوخ خشبي بسيط، يطلّ من أعلى التل على منحدرات التزلج الخضراء لمنطقة توتناوبرغ. هذا الكوخ يحتلّ مكانة حاسمة في تاريخ الفلسفة الغربية. أمرت إلفريده هايدغر ببنائه في صيف 1926، أي قبل قرن بالضبط من الآن. كانت قد اشترت قطعة أرض من مزارع بآخر ما تبقّى لديها من مدّخرات، واستأجرت نجارًا محليًّا لصنع الكوخ.

كانت هذه هديتها لزوجها مارتن هايدغر: "مكان هادئ للعمل والتفكير"، كما قالت له. وهذا ما فعله زوجها بالضبط؛ في هذا الكوخ تبلورت تحفته الفلسفية الكبرى "الكينونة والزمان" التي نشرت عام 1927، وهنا طوّر أفكاره حول "الخوف" و"الملل" و"الموت" و"الطبيعة المهيمنة للتكنولوجيا"، والتي لا تزال تحظى بشعبية كبيرة في أروقة الفلسفة الغربية حتى اليوم.

"أتطلع بشدّة إلى هواء الجبال النقي؛ فهواء الوادي العليل هذا يخنقني على المدى الطويل"، كتب هايدغر في رسالة إلى صديقه الفيلسوف كارل ياسبرز. وأضاف: "لا أحتاج إلى صحبة الأساتذة، أفضّل عليهم المزارعين، فهم أكثر إثارة للاهتمام".

عشتُ تجربة مختلفة في الغابة السوداء في صيف 2010، العام نفسه الذي التقطتُ فيه تلك الصورة لما تبقّى من كوخ هايدغر. كانت الغابة السوداء جميلة بلا شك بشلالاتها وصخورها، لكنها كانت أيضًا خانقة. كما هي الحال في البلدة التي تم تنظيفها بعناية فائقة، والتي تضم أكبر ساحة سوق في ألمانيا. كان هناك ما لا يقل عن ثلاثة نصب تذكارية تخلّد ذكرى ضحايا الحرب؛ لم تكن تلك النصب لليهود أو الاشتراكيين أو المعارضين للنازية، لا... بل كانت للجنود الألمان الذين كانوا مستعدين للموت من أجل النظام النازي حتى النهاية المريرة، رجال مثل هايدغر تمامًا.

تصف خرائط غوغل اليوم كوخ مارتن هايدغر الشهير بأنه "مكان للحج في توتناوبرغ"


تصف خرائط غوغل اليوم كوخ مارتن هايدغر الشهير بأنه "مكان للحج في توتناوبرغ". لكن المكان لم يبدُ مقدسًا أو سحريًا، على الرغم من أنني كنت أصادف أفكار هايدغر في كل لحظة، سواء عند مفكّرين آخرين: حنّه آرندت (1906 - 1975)، سيمون دي بوفوار (1908 - 1986)، ماكس هوركهايمر (1895 - 1973). أو في الثقافة الشعبية مثلًا، كما في رواية بنيامين كونكل الأولى "التردد" (2005)، أو في أغاني فرق موسيقى الديث ميتال، وربما أيضًا في كتب "الزن" و"فن صيانة الدراجات النارية".

كان الكوخ المتواضع، الذي لا يزال مملوكًا لورثة هايدغر، قد خضع لتجديد واضح. مصاريعه الخضراء كانت مغلقة بعناية. ووفقًا للوحة التذكارية الموجودة في الموقع، فإن الشيء الوحيد الحديث في الكوخ كان جهاز الراديو الذي استخدمه هايدغر عام 1962 لمتابعة أخبار أزمة كوبا. وقفت لالتقاط صورة وأرسلتها إلى عمي، وهو معجب حقيقي بهايدغر. ولم يخطر ببالي أبدًا أن أغوص بنفسي في أعمال ذلك النازي العجوز، إلى أن بدأتُ أشعر بالخوف بعد سنوات.


فيلسوف القرن

"مارتن هايدغر هو القرن العشرين"- هكذا يلخّص الفيلسوف الهولندي ألفريد دينكر انبهاره بالفيلسوف الألماني، يدير دينكر متحف هايدغر وأرشيفه في القلعة الواقعة في ماسكيرش، مسقط رأس هايدغر. وقد صدر عن دينكر سابقًا كتاب السيرة الفكرية "مارتن هايدغر... في الطريق إلى نفسه وزمانه" (2017). يضيف دينكر موضحًا: "وُلد هايدغر في الإمبراطورية الألمانية، وشارك في الحرب العالمية الأولى، وعاش في عهد جمهورية فايمار خلال الحرب العالمية الثانية بالطبع، وشهد ظهور التكنولوجيا الحديثة. وعندما توفي عام 1976، كنّا قد وصلنا بالفعل إلى القمر، لذلك أعتبر هايدغر هو القرن العشرين".

كان هايدغر في بداياته كاثوليكيًا ملتزمًا. وكان والده صانع براميل بسيطًا ومسؤولًا عن الكنيسة. وبفضل دعم الكنيسة، التي لطالما كانت تراقب عن كثب الحملان الموهوبة في قطيعها، تمكّن الشاب المولود عام 1889 من الالتحاق بالمدرسة الثانوية. وكان زملاؤه ينتمون إلى عائلات ميسورة من الموظّفين الحكوميين والتجّار والأطبّاء والمحامين. تلك كانت بداية "عقدة النّقص" التي ظلّ هايدغر يحملها داخله طوال بقية حياته. حتى في ذروة شهرته، كان بعض الزملاء الذين يصادفونه يظنون أنه فنّي التدفئة أو حارس المبنى.

في كتابه "هايدغر وعصره" (1996)، يعبّر الكاتب والفيلسوف الألماني روديجر سافرانسكي عن افتراضه بأن هنا تحديدًا تكمن بذرة تقسيم هايدغر للعالم إلى "قرية" و"مدينة"، وإلى "أصيل" و"مزيف". التقسيم الذي يعتبره سافرانسكي: "فقيرًا ومحدودًا من الناحية الاجتماعية البحتة". يكتب سافرانسكي: "ابتعد هايدغر عن المدن وهرب إلى ألمانيا البسيطة الصادقة المحيطة بكوخه الفقير في الغابة السوداء، في هذه العزلة بدأت كراهية هايدغر لما أسماه ’الزيف المديني’. وبالتالي قام بتقسيم العالم بشكل ساذج إلى عالمين؛ أحدهما صارم، ثقيل، ثابت، بطيء، ويمثل عالم القرية أو الريف. وآخر متسرع، سطحي، خاضع لأهواء اللحظة، وتجسده المدينة وقوانينها".

أراد هايدغر أن يصبح راهبًا يسوعيًا، لكنه توقف عن دراسة اللاهوت حين اكتشف الفلسفة. كان قد بلغ أوائل العشرينات من عمره آنذاك وأصبح ملزمًا بالانضمام إلى الجيش. وفي أثناء الفحوص الطبية العسكرية يكتشف إصابته بمرض في القلب، فيمنعه المرض من الزحف على بطنه الضامرة في خنادق الحرب العالمية الأولى كجندي. وبدلًا من ذلك، يلحق بالعمل في الرقابة البريدية على الرسائل المتجهة أو الواردة من الجبهة. كما عمل في تلك الفترة أيضًا في دائرة الأرصاد الجوية. وفي نفس الفترة تقريبًا، تعرّف على زوجته إلفريده، ابنة ضابط بروتستانتي كانت تدرس الاقتصاد في فرايبورغ. أنجب الزوجان ابنًا أول منحاه اسم يورغ. ثم أنجبا ابنًا ثانيًا بعد عدة سنوات، ليظهر لاحقًا أنه كان من أب بيولوجي آخر.

 ستكتب آرندت في يومياتها عن "السحر" الذي جعلها هايدغر تشعر به 


بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ينغمس هايدغر في أحدث اتجاه فلسفي: المنهج الظاهرياتي (الفينومينولوجي). إنها طريقة مختلفة تمامًا للنظر إلى العالم. خذ على سبيل المثال المكتب الذي يُكتب خلفه هذا المقال؛ لقد اعتدنا على اعتباره قطعة أثاث. اشتريته من "إيكيا"، أبعاده 120 × 70 سنتيمترًا، قابل لتعديل الارتفاع، مصنوع من خشب فاتح. ماذا لو نسينا كل تلك التصنيفات القائمة على ما نعتقد أننا نعرفه بالفعل؟ ماذا لو تعاملنا مع المكتب بذهن متفتح، كما يظهر لي هنا والآن؟ أشعر بشيء صلب يضغط على الجزء السفلي من معصمي. إن بياض سطح المكتب هو في الواقع مجموعة من الظلال. فجأة، تلفت انتباهي الجسيمات الدقيقة التي تملأ المساحة حولي.

نجم البوب الفلسفي

سيأخذ الفيلسوف الألماني المنهج الظاهرياتي إلى خطوات أبعد في محاضراته، لم يكن المنهج ذاته بالنسبة لهايدغر مجرد طريقة لفهم الأشياء المحيطة به فقط. بل استخدمه في الأساس لاكتشاف "الكينونة" نفسها، من خلال ما أسماه "المزاجات الأساسية": "الخوف"، و"الملل العميق". وبذلك قاد مستمعيه في رحلة استكشافية إلى منطقة مجهولة: "التفكير بجرأة حيث لم يفكر أحد من قبل"، على حد تعبير شعار سلسلة "ستار تريك" التلفزيونية الشهيرة. سيكتب هايدغر في هذه الفترة قائلًا: "يجب استئصال الكثير من الوثنية الفلسفية، وهذا يعني أن على مختلف ’رجال الطب’ في الفلسفة الحالية أن يكشفوا عن حقيقتهم، يجب الكشف عن الجانب المروع والمثير للشفقة في حرفتهم".

انتشر خبر انطلاق حملة هايدغر الفلسفية انتشار النار في الحطب، وتوافد مئات الطلاب الشباب من كل حدب للاستماع إليه في محاضراته التي كانت مكتظة أصلًا بالرغم من موعدها المبكر المتعمد. في هذه المحاضرات كان يجلس عمالقة في طور التكوين مثل ماكس هوركهايمر (1895 - 1973)، وهانز جورج غادامر (1900 - 2002)، وهربرت ماركوز (1898 - 1979)، وكارل ياسبرز (1883 - 1969) الذي كتب لهايدغر ذات مرة بإعجاب شديد بعد واحدة من محاضراته الشيقة: "لم أسمع أحدًا يتحدث منذ زمن بعيد كما تحدثتَ اليوم. كأنني كنت أتنفس هواءً نقيًّا، هكذا كان شعوري في ذلك التجاوز المستمر الذي تجرؤ عليه".

أصبح مارتن هايدغر معروفًا بلقب "ساحر ماسكيرش"، وقد عزز هذه الصورة الصوفية من خلال سلوكه غير المعتاد داخل الأوساط الأكاديمية، فقد كان يظهر في أروقة الجامعة مرتديًا ثيابًا ريفية غريبة، ويتجول في الشتاء على أصدقائه حاملًا زلاجات الجليد على كتفه. أما في الصيف، فقد كان يدعو أتباعه ومريديه للاحتفال بالأعياد والعطلات في كوخه بالغابة السوداء، مع ما كانت تتضمنه هذه الإقامات من رحلات طويلة للمشي وأيام للتخييم في العراء حول النار المشتعلة وموسيقى الجيتار.

لم تكتمل صورة مارتن هايدغر في أذهان مريديه وأعدائه باعتباره "نجم البوب الفلسفي" الجديد، إلى أن دخلت علاقاته الغرامية بقوة إلى المشهد، حدث هذا بعدما انتشرت شائعات علاقته الغرامية مع طالبته حنّه آرندت، التي كانت تصغره بسبعة عشر عامًا، والتي تعودت استقباله سرًا في غرفتها العلوية. في رسائله الغرامية إليها، كان هايدغر يدّعي أنها تفهمه أفضل مما يفهم هو نفسه، لكنه لن يأخذ أعمالها الفلسفية بجدية أبدًا. ستكتب آرندت في يومياتها عن "السحر" الذي جعلها هايدغر تشعر به في هذه الفترة: "لقد عاد التفكير إلى الحياة، ونطقت كنوز الماضي الثقافية التي كان يُعتقد أنها ماتت منذ زمن سحيق، لأكتشف أنها تحتوي على أشياء مختلفة تمامًا عما كنت أشك فيه بريبة. هناك الآن معلّم؛ وربما يمكنني تعلّم التفكير على يديه".

اللغو الجميل

لم تخطئ آرندت فيما كتبته؛ إذ لا يزال من الممكن الشعور بشيء من "هذا السحر" عند قراءة تحفة هايدغر "الكينونة والزمان" التي صدرت عام 1927. تلخص سارة بيكويل نقطة انطلاقها في كتابها "الوجوديون: فلسفة الحرية والوجود والكوكتيلات" (2016) بقولها: "أكثر ما يثير الحيرة في مسألة الكينونة هذه هو أننا لا نشعر بالحيرة الكافية تجاهها. فنحن نقول ’السماء زرقاء’ أو ’أنا سعيد’، ونتظاهر بأن وجود فعل ’يكون’ هذا هو أمر بديهي تمامًا".

انكبّ هايدغر على ما اعتبره "أمّ الأسئلة الفلسفية" التي طواها النسيان: ما معنى الكينونة؟ كان هذا الطرح بداية رحلة بحث عن أعمق جذور للوجود البشري. وهي رحلة تقودنا، عبر المشاعر الأساسية المتمثّلة في "الخوف" و"الملل"، إلى "الوجود حتى الموت". أي مواجهة فنائنا الخاص. وكما يشرح الفيلسوف الفلمنكي والأستاذ الفخري ديرك ده سخوتر في كتابه الشيق عن هايدغر (2020): "الموت ليس فقط الحدث الذي يُنهي كينونة كل إنسان، بل هو ’بنْية مكتملة’ تحدّد الوجود اليومي منذ البداية وحتى النهاية. فأنا من خلال تعاملي مع فنائي، أُظهر من أكون. وفي مواجهة النقص الوجودي، أصبح ما أنا عليه، وأكتسب فرديتي. ومن ينكر هذا، أو لا يريد رؤيته، يقع، وفقًا لهايدغر، في ’الزيف’ و’اللاأصالة’. لذلك يبحث هؤلاء المنكرين باستمرار عن الإلهاء. فكر مثلًا في الثرثرة التي لا نهاية لها في المحادثات الهاتفية، والإدمان على التصفح المستمر لمقاطع الفيديو على تيك توك وانستغرام، وغيرها من وسائل قضاء الوقت اليوم".

لا يمل هايدغر في "الكينونة والزمان" من التأكيد على ضرورة إعادة النظر والتفكير في كل شيء، ولكن ضمن إطار المنهج الظاهرياتي، محاولًا إثارة دهشة القارئ إزاء الأمور التي تبدو بديهية. وهو يفعل ذلك من خلال تطوير لغة خاصة به، ما يثمر عن تراكيب لغوية وجمل تبدو شعرية أو شديدة الغموض، ما كان يثير ارتباك المستمعين لمحاضراته أو قراء أعماله. ولكن إلى جانب إثارة الارتباك هذه، إلا أن هذا النهج الجذري تمامًا أثار أيضًا الإعجاب، لا سيما في اللحظات التي ينجح فيها القارئ أو المستمع في فهم لغة هايدغر الجديدة والغريبة.

يصف ديرك ده سخوتر في مقابلة صحافية تعرّفه على الفيلسوف الألماني بأنه كان "نوعًا من الوحي، أو تحولًا غير ديني". فقد حصل في المدرسة الثانوية من شقيقه على كتيب للفيلسوف الهايدغري الهولندي كورنيليس فيرهوفن (1928 - 2001) بعنوان "مقدمة إلى الدهشة"، يقول: "حدث لي شيء ما بعد قراءة الكتاب، وسألت أخي: ’ما هذا؟’ فأجاب: ’فلسفة’. فكان ردي: ’أريد أن أدرسها!’ غالبًا ما يقول الناس إن هايدغر غامض للغاية. أما أنا فأرى أنه يكتب نوعًا غريبًا من الشِّعر. إذا كنت حساسًا تجاه الكتابة الشعرية، فسوف تجد أعمال هايدغر سهلة الفهم، بل وممتعة".

يؤكد ده سخوتر على طابع هايدغر المعاصر: "مثل تركيزه على النهاية، الثقافة الغربية تواجه صعوبة كبيرة في التعامل مع هذا الموضوع، يتعلق الأمر هنا بنهاية ’الوجود’ ذاته، لأن البشر يستنزفون الكوكب. لكن هناك أيضًا الصراع الفردي مع ’الوجود حتى الموت’، ومع فكرة ’عدم كمال الوجود البشري’". يقول ده سخوتر في مقدمته: "الإنسان في القرن الحادي والعشرين بارع جدًّا في كل ما يتيح التحكم السريع، لكنه يواجه صعوبة كبيرة في التعامل مع الأمور البطيئة، تلك التي لا يمكن التحكم فيها؛ الصبر، التسامح، الانتباه، التعلم، والحزن".

يتنهد ده سخوتر قبل أن يضيف: "أستطيع اليوم، وبعد كل هذه السنوات من التخصص في أعمال هايدغر، أن أقولها صراحة، وبأثر رجعي: هايدغر فيلسوف مقنع، غامض، لكنه رغم ذلك يتركك بعد كل هذا اللغو الجميل فارغًا".

(يتبع جزء ثان وأخير)

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.