خلال زيارتي في ربيع هذا العام لعدد من متاحف موسكو وسانت بطرسبورغ، أتيحت لي معاينة مجموعات من الفن الحديث والطليعي كنت أعرف أعمالًا كثيرة منها عبر الكتب والكتالوغات. لكن رؤيتها في مواقعها المتحفية الروسية أثارت أسئلة تتجاوز العمل منفردًا إلى تاريخ انتقال الأعمال وتكوّن المجموعات وعلاقة الفن الحديث بروسيا قبل الثورة وبعدها. ومن هذه الزيارة جاءت فكرة سلسلة مقالات تعود إلى بعض الأعمال والمجموعات التي شاهدتها، لا بوصفها مراجعات متحفية، بل مداخل لإعادة النظر في سرديات مستقرة عن الحداثة وعلاقتها بروسيا.
وستكون هذه المقالة، المخصصة لماتيس، أولى هذه المحاولات.
ليس الأمر متعلقًا فقط بوجود مجموعة استثنائية من أعمال ماتيس في المتاحف الروسية، ولا بانتقال أعمال جامعين روسيين كبيرين، سيرغي شتشوكين وإيفان موروزوف، من القصور الخاصة إلى المتاحف العامة بعد الثورة. فمشاهدة ماتيس في روسيا تضع موضع السؤال الخريطة المألوفة للفن الحديث التي تتخذ باريس مركزًا لها ثم تنقل هذا المركز لاحقًا إلى نيويورك. لم تكن موسكو مجرد مدينة استقبلت ما أنتجته باريس؛ ففي العقود الأولى من القرن العشرين كانت إحدى النقاط التي عبرت الحداثة من خلالها وتغيرت في أثناء عبورها.
لكن البداية الأفضل لفهم ذلك ليست موسكو، بل لوحة.
الغرفة التي فقدت عمقها
في Harmony in Red، أو "الغرفة الحمراء" (1908)، الموجودة اليوم في متحف الإرميتاج في سانت بطرسبورغ، لا يحدث للوهلة الأولى شيء استثنائي: امرأة ترتب مائدة داخل غرفة طعام.
لكن إطالة النظر تكشف أن ماتيس يكاد يهدم إحدى القواعد التي حكمت الرسم الأوروبي منذ عصر النهضة: اللوحة بوصفها نافذة على فضاء ذي عمق.
أول ما يضرب العين هو الأحمر. ليس لون الجدار أو المفرش فحسب، بل الوسط الذي توجد فيه الأشياء. يمتد من الجدار إلى المائدة حتى تكاد الحدود بين العمودي والأفقي تختفي، ولا يبقى سوى خط وبعض الفروق التي تتيح تمييز الجدار من الطاولة.
إنه انقلاب مهم: اللون لم يعد تابعًا للشيء، بل أصبح الشيء نفسه تابعًا لمنطق اللون.
ومع ذلك لا ينتقل ماتيس إلى التجريد. المرأة والكرسي والفاكهة والصحون والنافذة تظل قابلة للتعرف؛ يحتفظ بما يكفي من العالم المرئي، لكنه يسحب منه قدرته القديمة على بناء فضاء وهمي متماسك.
كأن اللوحة معلقة بين نظامين: التمثيل والسطح.
حتى النافذة لا تعيد العمق تمامًا. إنها شق من الأخضر والأزرق داخل الأحمر، لكن الطبيعة خلفها تبدو مسطحة ومكثفة لونيًا. لم تعد النافذة، بالمعنى الألبرتي (1)، "نافذة على العالم"، بل سطحًا آخر داخل السطح.
والخطوط النباتية الزرقاء الملتفة على الجدار والمائدة ليست زخرفة أضيفت بعد بناء اللوحة؛ فاللوحة نفسها مبنية بها. تتبعها العين من موضع إلى آخر من دون أن تستقر على مركز واحد. الزخرفة هنا ليست ornament ملحقًا بالبنية، بل جزء منها.
ومن هنا يبدأ طريق يقودنا إلى اليابان، ثم إلى الفن الإسلامي، ثم يعود بنا، على نحو مثير، إلى موسكو.
من مانيه إلى ماتيس: اليابان تدخل اللوحة
لم يبدأ ماتيس هذه الثورة من الصفر.
قبله بنحو نصف قرن كانت الطليعة الفرنسية تكتشف في المطبوعات اليابانية، التي تدفقت إلى أوروبا، أنظمة بصرية وأنظمة رؤية تختلف عن الأكاديمية الأوروبية: تسطيح الفضاء، والتكوين اللامتناظر، وقطع الأشكال بحافة الصورة، والمساحات اللونية الواسعة، واستقلال الخط عن النمذجة الحجمية. كان الجابونيزم (Japonisme) (2) أكثر من ولع أوروبي بالكيمونو والمراوح والمطبوعات؛ فقد أتاح للفنان الأوروبي إدراك أن ما عُدّ قوانين طبيعية للرؤية ليس سوى تقليد تاريخي بعينه. ولعل إدوار مانيه يقدم مثالًا مبكرًا وحاسمًا.
في أولمبيا (1863) ظل مانيه يحاور تقليد العري الأنثوي الأوروبي، من تيتيان إلى إنغر، لكنه جعل الجسد والفضاء غريبين عن المعايير الأكاديمية: التدرج الحجمي أقل نعومة والانتقالات أكثر حدة، والجسد يكاد يعلن سطح اللوحة بدل أن يختفي داخل وهمها المنظوري.
لا ينبغي رد ذلك كله إلى الجابونيزم؛ فأولمبيا نفسها حوار مباشر مع تاريخ الرسم الغربي. لكن مانيه ترك بعد سنوات لوحة تجعل العلاقة التي تهمنا مرئية: بورتريه إميل زولا (1868).
يجلس زولا أمام مكتبه، وخلفه نسخة من أولمبيا، التي كان قد دافع عنها وعن مانيه في مواجهة الهجوم النقدي، وإلى جوارها مطبوعة يابانية وعناصر يابانية أخرى.
هذه المجاورة شديدة الدلالة: أولمبيا، التي زعزعت قواعد التمثيل الأكاديمي، تظهر إلى جوار فن فتح أمام الفرنسيين إمكانات أخرى للسطح والخط والتكوين. ومن دون تحويل ذلك إلى إعلان نظري واعٍ من مانيه، يمكن رؤيته بأثر رجعي صورة مكثفة للحظة بدأ فيها الفن الأوروبي يبحث خارج تقاليده البصرية وأنظمة رؤيته عن أدوات لنقدها.
ولم يكن الطريق من مانيه إلى ماتيس مباشرًا؛ فقد امتد عبر الانطباعيين، ومنهم مونيه وديغا، ثم غوغان وفان غوخ وما بعد الانطباعية. أعاد كل منهم دمج ما رآه في الفن الياباني داخل مشكلاته الفنية، في تراكم من التحولات مسّ اللون والخط والفضاء والسطح وفعل الرؤية.
بعد نحو أربعة عقود، لم يعد ماتيس يحتاج إلى تعليق مطبوعة يابانية على جدار اللوحة لكي يكون أثر الجابونيزم حاضرًا: ما كان عند مانيه حضورًا ماديًا لليابان داخل الصورة أصبح عند ماتيس جزءًا من نحو الصورة نفسها.
الجابونيزم يجاور الأرابيسك
لكن ماتيس لا يواصل إرث الجابونيزم وحده. كان معرض الفن الإسلامي الكبير في ميونيخ سنة 1910 محطة مهمة؛ رأى فيه السجاد والمنسوجات والمنمنمات والأعمال الإسلامية، ووجد في تقاليد لا تقوم على المنظور الأوروبي إمكانات أخرى لتنظيم السطح، ثم عمقت رحلاته إلى إسبانيا والمغرب هذه الخبرة.
ولا ينبغي جمع اليابان والفن الإسلامي والمنمنمة الفارسية والمغرب تحت "تأثير شرقي" واحد؛ لكل منها تقاليده وأنظمته البصرية وأنظمة رؤيته. لكن لقاءها أظهر للفنان الأوروبي الحديث إمكان وجود الصورة خارج القواعد التي اعتادت الأكاديمية اعتبارها طبيعية.
وهنا تعود الغرفة الحمراء لتبدو أكثر وضوحًا. تسطيح المائدة والجدار لا يمكن تفسيره بمصدر واحد. إنه يقع في تاريخ طويل بدأ بتفكيك الفضاء الأكاديمي عند مانيه والانطباعيين، ومر بغوغان وفان غوخ وما بعد الانطباعية، وتغذى من الجابونيزم، ثم وجد عند ماتيس في الفن الإسلامي والمنسوجات والمنمنمات والأرابيسك إمكانات إضافية. والأرابيسك هنا مهم خصوصًا. فالخطوط النباتية الزرقاء لا تصف نباتًا موجودًا في الغرفة. إنها تتحرك فوق الأحمر، تتكرر وتنحني وتربط أجزاء اللوحة بعضها ببعض. الزخرفة لا تحتل الهامش، بل تستولي على المركز. والتمييز الغربي التقليدي بين "الصورة" و"الزخرفة" نفسه يبدأ بالتداعي.
عند ماتيس لم يعد السطح شيئًا ينبغي إخفاؤه لإقناعنا بعالم وراءه؛ أصبح عالمًا قائمًا بذاته.
وهكذا لا يكون الشرق مجرد موضوع تمثله الحداثة الأوروبية، بل أحد العناصر التي ساعدتها على إعادة بناء مفهوم الصورة ومساءلة نظام الرؤية الذي حكمها.
ماتيس في موسكو
بعد معرض الفن الإسلامي في ميونيخ، جاء ماتيس سنة 1911 إلى روسيا. زار سانت بطرسبورغ وموسكو، ورأى الأيقونات الروسية القديمة، كما شاهد أعماله في مجموعتي سيرغي شتشوكين وإيفان موروزوف. لم تكن الأيقونة الروسية "اكتشافًا شرقيًا" آخر أو إضافيًا، لكنها قدمت لماتيس نظامًا بصريًا ونظامًا للرؤية مختلفين بدورهما عن قواعد التمثيل التي رسختها النهضة الأوروبية. وهكذا تصبح جغرافيا ماتيس نفسها ذات دلالة: باريس؛ اليابان التي دخلت باريس من خلال المطبوعات؛ الفن الإسلامي في ميونيخ؛ موسكو والأيقونة؛ ثم المغرب. ليست هذه سلسلة سببية بسيطة نستطيع أن نقول فيها إن عنصرًا أنتج العنصر الذي يليه. إنها حركة للأشكال وأنظمة الرؤية بين فضاءات ثقافية مختلفة.
ولم يصل ماتيس إلى موسكو بعد أن استقر موقعه التاريخي؛ كان حاضرًا فيها والحداثة نفسها لا تزال تتشكل.
شتشوكين: باريس في موسكو، أم شيء آخر؟
يصعب فهم هذه القصة من دون سيرغي شتشوكين.
كان شتشوكين من الجامعين الروس الذين اشتروا أعمالًا لا تزال مثار نزاع في باريس. التقى ماتيس سنة 1906، وأصبح من أهم مقتني أعماله ورعاته، كما كلفه بالعملين الكبيرين Dance وMusic لقصره في موسكو.
ولم يكن شتشوكين مجرد مستهلك ثري للحداثة الباريسية. منذ 1909 فتح قصره للزوار في أيام محددة، فأصبح مقصدًا للفنانين والطلاب الروس الراغبين في مشاهدة ماتيس وبيكاسو وغوغان وسيزان، وقناة للتعرف على التحولات الجارية في الفن الفرنسي وهي تحدث.
هنا تفقد ثنائية المركز والهامش شيئًا من قدرتها التفسيرية: باريس تنتج أعمالًا، وجامع روسي يشتريها وهي موضع نزاع ويعرضها في موسكو؛ الفنانون الروس يشاهدونها، وماتيس نفسه يأتي إلى موسكو ويرى الأيقونة الروسية. فهل تكفي صورة مركز ينتج وهامش يتلقى؟
الأدق أن نتحدث عن شبكة تنتقل فيها الأعمال والأشكال وأنظمة الرؤية، فتدخل في علاقات جديدة وتنتج نتائج لم تكن موجودة في مكان انطلاقها.
من ماتيس إلى الطليعة الروسية
حين دخل الفنانون الروس الشباب منزل شتشوكين، لم يكونوا يشاهدون "فنًا فرنسيًا" فحسب. كانوا يواجهون مجموعة من الأسئلة الجديدة حول ماهية الصورة. ماذا يحدث إذا لم يعد المنظور شرطًا لتنظيم الفضاء؟ وإذا لم يعد اللون ملزمًا بأن يكون لون الشيء الطبيعي؟ وإذا أصبح سطح اللوحة نفسه حاضرًا بدل أن يختفي خلف وهم العمق؟ هذه الأسئلة كانت جزءًا من المناخ الذي ستنشأ فيه الطليعة الروسية. لا يعني ذلك أن ماليفيتش نتيجة لماتيس، أو أن السوبرماتية والبنائية يمكن اشتقاقهما من الفن الفرنسي. مثل هذا القول سيعيد إنتاج النموذج نفسه الذي نحاول نقده: مركز يبتكر وهامش يقلد. ما حدث أكثر تعقيدًا. الطليعة الروسية أخذت بعض المشكلات التي طرحتها الحداثة الفرنسية ودفعتها إلى نتائج لم تصل إليها باريس بالطريقة نفسها. ما كان عند ماتيس استقلالًا متزايدًا للسطح واللون سيصبح عند ماليفيتش سؤالًا أكثر راديكالية عن إمكان التخلي عن الشيء الممثل نفسه. وما كان تحريرًا للوحة سيصبح عند تاتلين ورودتشينكو سؤالًا عن تجاوز اللوحة إلى المادة والبناء والفضاء الاجتماعي. لم تستقبل موسكو الحداثة فقط؛ أعادت إنتاجها بصورة أخرى. وهذا ما يجعل وجود ماتيس في روسيا مختلفًا عن وجوده في أي مجموعة متحفية كبيرة أخرى. فالأعمال ليست مجرد تحف وصلت إلى مكان بعيد؛ إنها جزء من تاريخ بصري حدث في المكان نفسه.
الثورة تدخل الغرفة
ثم جاءت ثورة 1917. وهنا تبدأ مرحلة كثيرًا ما اختُزلت في سرديات لاحقة. فالقول إن الثورة كانت منذ البداية حربًا على الفن الحديث لا يستقيم مع سنواتها الأولى ودور الطليعة في الثقافة الثورية، ولا مع الجهد الذي بذلته الدولة السوفياتية في حفظ المجموعات الفنية وصيانتها وترميمها. وظهر ذلك بوضوح خلال الاجتياح النازي، حين نُقلت مقتنيات كثيرة إلى مناطق أكثر أمنًا لحمايتها من القصف والنهب والتدمير.
ولم تكن السياسة الفنية السوفياتية ثابتة. بدأت مأسسة الواقعية الاشتراكية منذ الثلاثينيات، واكتسبت بعد الحرب العالمية الثانية طابعًا رسميًا أكثر صرامة في المناخ المرتبط بحملات جدانوف منذ 1946. واشتد النقد لاتجاهات فنية وأدبية وموسيقية وُصفت بـ "الشكلانية" أو بالابتعاد عن الوظيفة الاجتماعية للفن. غير أن وصف ذلك بأنه خروج من "الفن الحديث" مضلل؛ فالواقعية الاشتراكية نفسها ظاهرة من ظواهر الفن الحديث في القرن العشرين. والأدق رؤيته صراعًا داخل الحداثة السوفياتية حول وظيفة الفن وجمهوره وعلاقته بالثورة والدولة والمجتمع.
وتقدم مآلات مجموعتي شتشوكين وموروزوف مثالًا على هذا التاريخ المركب. أممت الثورة المجموعتين، وتحول قصر شتشوكين ومجموعة موروزوف إلى متاحف قبل دمجهما لاحقًا في متحف الدولة للفن الغربي الحديث في موسكو. وبذلك خرجت الأعمال من الملكية الخاصة إلى الملكية العامة، ضمن مشروع وسّع القاعدة الاجتماعية لجمهور الفن لتشمل العامل والفلاح والطالب والتلميذ، ونظمت في سياقه المؤسسات والنقابات والهيئات الجماهيرية زيارات إلى المتاحف وربطتها بالتثقيف والتعليم الشعبي.
لم يكن التحول مجرد زيادة في عدد الزوار، بل إعادة تعريف لمن يملك حق مشاهدة الفن ومن يُفترض أن يكون مخاطَبًا به. فالتأميم غيّر العلاقة بين العمل والجمهور، وجعل المتحف جزءًا من مشروع لإدخال طبقات كانت بعيدة عن مؤسسات الثقافة العليا إلى فضائها.
وفي المناخ الثقافي الذي أعقب الحرب، ومع اشتداد النقد لـ "الشكلانية" وما وُصف بـ"الكوزموبوليتية"، تغير موقع بعض اتجاهات الفن الغربي الحديث. وفي 1948 حُل متحف الدولة للفن الغربي الحديث، ووُزعت مقتنياته بين متحف بوشكين في موسكو والإرميتاج في لينينغراد. كان ذلك إلغاءً لمؤسسة متخصصة، لا لمجموعتها؛ فقد بقيت الأعمال محفوظة ضمن المجموعات الحكومية.
وهكذا يكشف مصير المتحف عن تحول حقيقي في السياسة الثقافية بعد الحرب، من دون أن يتخذ هذا التحول صورة تدمير المجموعات أو التخلص منها.
جغرافيا أخرى للحداثة
تكشف حالة ماتيس في روسيا- برأيي- عن قصور السردية التي تكتب تاريخ الحداثة بوصفها حركة انطلقت من مراكز أوروبا الغربية وانتقلت إلى الأطراف. فالعلاقة بين باريس وموسكو لم تكن علاقة بسيطة بين مركز منتج وهامش متلقٍّ. باريس نفسها لم تكن مركزًا مكتفيًا بذاته. فالتحول الممتد من مانيه والانطباعيين، مرورًا بغوغان وفان غوخ وما بعد الانطباعية، وصولًا إلى ماتيس، تشكل في جانب منه عبر الاحتكاك بأنظمة بصرية وأنظمة رؤية جاءت من خارج التقليد الأوروبي. أسهم الجابونيزم في زعزعة المنظور والتكوين الأكاديميين، ثم وجد ماتيس في الفن الإسلامي والمنمنمة والمنسوجات والأرابيسك إمكانات أخرى لإعادة التفكير في السطح واللون والزخرفة، قبل أن يلتقي في موسكو بالأيقونة الروسية ونظامها المختلف في بناء الصورة والرؤية.
لذلك لا يتعلق الأمر باستبدال مركزية باريس بمركزية موسكو، بل بمساءلة نموذج المركز والهامش نفسه. فالحداثة الفنية تشكلت عبر حركة وتفاعل بين تقاليد وأنظمة رؤية متعددة؛ وفي هذه الحركة لا يبقى المتلقي متلقيًا، بل يعيد صياغة ما يتلقاه وينتج منه أشكالًا جديدة.
من هنا تكتسب مشاهدة ماتيس في روسيا دلالتها: فالحداثة لا تظهر منتجًا مكتملًا انتقل من الغرب إلى الشرق، بل سيرورة تاريخية تتغير فيها الأشكال وأنظمة الرؤية في أثناء انتقالها، ويتحول فيها التلقي نفسه إلى فعل إنتاج وتحويل.
(الكرمل - حيفا)
هوامش:
- المقصود ليون باتيستا ألبيرتي (Leon Battista Alberti، 1404–1472): مفكر ومعماري وفنان إيطالي من عصر النهضة. وضع في كتابه "في التصوير" (De pictura، 1435) أسسًا نظرية للمنظور الخطي، وشبّه سطح اللوحة بـ "نافذة مفتوحة" نطلّ من خلالها على عالم منظّم يبدو ثلاثي الأبعاد.
- Steve Edwards and Paul Wood (eds.), Art & Visual Culture 1850–2010: Modernity to Globalisation. London: Tate Publishing, in association with The Open University, 2012. انظر الفصل الخاص بمانيه والجابونيزم. الكتاب من ترجمتي وسيصدر عما قريب.


تحميل المقال التالي...