في المقابل، يذكّر مسؤولون يونانيون آخرون بأنّ "الأوديسة" ليست مادة تاريخية موثقة، بل هي مجرّد ملحمة شعرية تناولت مغامرات أبطالٍ أسطوريين، لافتين النظر إلى أنّ القول بأنّ العمل من تأليف هوميروس يبقى في حدّ ذاته أمرًا غير مثبتٍ علميًّا، ولا يزال مجالًا للجدل والنقاش في أوساط علماء التاريخ والميثولوجيا.
من جانبٍ آخر، لا يوافق كثير من الخبراء والنقاد على هذا النقد، ويدفعون بالقول إنّ هوميروس نفسه لم يصف بشكلٍ مباشر جسد هيلين بل اكتفى فقط باستخدام عباراتٍ عامّة تصف بعضًا من ملامحها، مثل: "جميلة الشعر" (kallikomos)، وجميلة الوجه (kallipareios)، و"أنيقة الملبس" (tanypeplos). تفصيل جسديّ وحيد عن هيلين تضمّنته نصوص ملحمة هوميروس: "ذراعان بضّان أبيضان" (leukoenos). وهنا تجب الإشارة إلى وجود بعض صور على جرارٍ يونانيّة قديمة (الأمفورا) يدّعي رسّاموها أنّها تمثّل هيلين الطروادية، ولكنّها ليست في حقيقة الأمر سوى صورٍ أنتجها خيال بعض الفنانين الأفراد.
على أيّة حال، يؤكّد المؤرخون والمسؤولون الحكوميون اليونانيون أنّه لا يمكن النظر إلى ملحمتي "الإلياذة" و"الأوديسة"، المنسوبتين إلى هوميروس، باعتبارهما وثيقتين تاريخيتين، بل هما ليستا سوى عملين أدبيين يتناولان أبطالًا من نسج خيال الكاتب.
على المستوى الرسمي، صرّحت وزيرة الثقافة في الحكومة اليونانية، لينا ميندوني، قائلة: "لا ينبغي أن تملي الدولة أبدًا على المبدعين كيفية تفسير عملٍ، أو أسطورة ما، من الناحية الفنيّة". وتتابع الوزيرة: "إنّ مجرد التساؤل حول إمكانية قيام الحكومة بفرض رقابةٍ على عمل المخرج كريستوفر نولان هو أمرٌ غير جادّ على الإطلاق". أمّا المترجم الشهير للنصوص اليونانية القديمة، دانييل ميندلسون، فقد دافع عن قرار كريستوفر نولان اختيار ممثلة سوداء البشرة لأداء دور هيلين الطروادية، واصفًا خطوة المخرج بأنّها خطوة جديرة بالثناء والتقدير، إذ تمكّنت من "إثارة الجدل والتحدّي، وتحثّ على التفكير بعمقٍ أكثر في مفهومنا عن الجمال والهويّة". ولكنّ ميندلسون انتقد مع ذلك المخرج على تصويره شخصية أوديسيوس بشكلٍ يفتقر إلى "الفكاهة والجاذبية الممزوجة بالمكر والدهاء"، وهي سماتٌ كان هوميروس لا يملّ من تكرارها عند الحديث عن البطل.
ونقلت شبكة "إي. بي. سي نيوز" عن دانييل ميندلسون قوله: إنّ شخصية أوديسيوس في فيلم نولان تبدو معذّبة ومثقلة بالشعور بالذنب، وتفتقر إلى الفكاهة وسرعة البديهة والجاذبية والمكر. لقد جاءت شخصية أوديسيوس وكأنّها انعكاسٌ لشخصية "باتمان"، أو شخصية "أوبنهايمر" (شخصيتان من أفلام كريستوفر نولان السابقة)، التي كانت تعاني من الألم الدائم بسبب ملاحقتها من قبل أشباح الماضي، وتصارع في الحاضر بطرقٍ مختلفة للخلاص من الألم.
على الساحة الإجتماعية، أعرب ممثلو الجالية اليونانية في الولايات المتحدة الأميركية، ومعهم مجموعات سياسيّة محافظة، عن خيبة أملهم من المخرج الهوليوودي. فقد نشر هؤلاء رسالةً مفتوحة أكدوا فيها أنّ اليونان ليست مجرد أثرٍ من الماضي السحيق، بل هي أمّة حيّة ومعاصرة. وأعربوا في الرسالة عن دهشتهم واستنكارهم لعدم وجود أيّ ممثّل يوناني ضمن طاقم ممثلي الفيلم. وتابعت الرسالة: "في النقاشات الدائرة حول ملحمة ’الأوديسة’، يرى بعضهم أنّ الأساطير ملكٌ للعالم بأسره، ولا ينبغي حصرها في أطرٍ ثقافية محدّدة. بينما يرى آخرون أنّ تنوّع طاقم التمثيل يعكس طبيعة الجمهور العالمي المعاصر أكثر من كونه يعكس الدقّة التاريخية". وأضاف كاتبو الرسالة: "نحن نتفهّم وجهات النظر هذه، لكنّ الصبغة العالمية لعملٍ ما لا تعني قطع الروابط مع الجذور".
وفي سياق التعليق على غياب الممثلين اليونانيين، أشارت وسائل الإعلام المحليّة إلى أنّ الحكومة اليونانية ساهمت في تمويل الفيلم، وقدّمت مبلغ 6.5 مليون يورو من ميزانية برنامج الدعم الذي أُطلقته الحكومة اليونانية عام 2017، والذي ينصّ على أن تقدم الحكومة جزءًا من تكاليف إنتاج أيّ عملٍ سينمائي يتمّ تصويره داخل البلاد.
حزب NIKI، وهو حزبٌ معارض صغير، يحمل توجهات دينية متشدّدة، اعترض على اختيار ممثلةٍ سوداء لتأدية دور هيلين الطروادية، كما احتجّ على تخصيص أموالٍ حكومية لإنتاج الفيلم، مشيرًا إلى أنّ دافعي الضرائب اليونانيين يجبرون على تمويل سياسة الحكومة الهادفة إلى فرض "أيديولوجية تقدمية" على التاريخ والهوية الثقافية لليونان "في حين تواصل الحكومة اليونانية (التي توصف بالوطنية) دعم أيّ توجّه تقدميّ، فإنّها تعمل على إسكات وقمع أيّ مبادرة تبرز هويتنا الوطنية"، كما صرّح ديمتريس ناتسيوس، زعيم الحزب.
يصف النقاد الفيلم الجديد، عمومًا، بأنّه "أفضل أفلام كريستوفر نولان". وينصح 90 من 100 ناقد من منصّة Rotten Tomatoes عشّاق السينما بمشاهدته. وفي حين وصفت صحيفة "الإيكونوميست" العمل بالفيلم الغبيّ، الذي حوّل بطلًا تاريخيًّا ذا تعابير كلاسيكية إلى شابٍّ معاصر، فإن الناقدة السينمائية في مجلة "فوربس"، تامارا خودوفا، ترى أنّ الفيلم سيكون الحدث السينمائي الأبرز لهذا العام: "إنّه فيلمٌ شامل ورائع، طاف مؤلفوه نصف بلدان جنوب أوروبا، وذهبوا إلى أيسلندا وبريطانيا، وقاموا ببناء مدينة كاملة وصنعوا ’حصان طروادة الخشبيّ’، وصوروا في عرض البحر مشاهد على سفنٍ خشبية حقيقية، إنّه بالفعل فيلمٌ استثنائي ورائع حقًّا"...


تحميل المقال التالي...