}

رشيدة براكني: شرفي هو المبادئ التي تربيت في كنفها

بوعلام رمضاني 30 أغسطس 2026
تغطيات رشيدة براكني: شرفي هو المبادئ التي تربيت في كنفها
رشيدة براكني وزوجها إيريك كانتونا

كما يحدث منذ عقود، وبعد أن أصبحت العنصرية خبز الذين يطعنون في الجمهورية التي خانت ماضيها، وباعت روحها للظالمين والأقوياء داخليًا وخارجيًا، ومن بينهم إسرائيل، لم يعالج الإعلام الباريسي رفض الفنانة الكبيرة والكاتبة الجزائرية الأصل رشيدة براكني وسام جوقة الشرف في العيد الوطني الفرنسي. رفض زوجة إيريك كانتونا المناصر لنضال الشعب الفلسطيني، نجم كرة القدم السابق، والممثل الشهير، وسام جوقة الشرف، لم يُحدث الضجة التي كان يفترض أن يتباهى بها المدافعون عن المهاجرين العرب والمسلمين وغير المسلمين، باعتبارهم مصدر تنمية حقيقية طاولت المجالات المهنية كافة، وليسوا أقلية شبانية منحرفة تسرق وتنهب وتتاجر بالمخدرات فقط كما يتحدث عنها العنصريون الذين يلتزمون الصمت حيال النموذج المبهر الذي تمثله رشيدة براكني. مر رفض رشيدة براكني مرور الكرام في ظل تعتيم إعلامي ممنهج، ولم يسمع كثير من أبناء جلدتها بموقفها الناتج عن تربية غرسها فيها والدها قدور، الذي ألفت عنه كتابًا مؤثرًا خصص غلافه كاملًا لاسمه.

رمز الشهامة والكرامة
رشيدة التي قضت حياتها الشخصية والفنية والأدبية والفكرية ــ قبل وبعد زواجها بالنجم إريك كانتونا تُطّبق قيم الشهامة والكرامة والأنفة ــ، راحت مباشرة عشية العيد الوطني الفرنسي تعلن عبر حسابها على منصة "إنستغرام" رفضها وسام جوقة الشرف الوطني(1) مبدية تعجبها من تكريم يتناقض مع القيم والمبادئ التي تؤمن بها بقولها من دون لف ولا دوران تجسيدًا لمزاجها وأخلاقها: "إن شرفي يتواجد في مكان آخر، ويكمن في التربية التي تلقيتها. وأرفض وسامًا يعطى لمن يستحقه ولمن لا يستحقه، والشرف هو واجب أخلاقي يمارس يوميًا". انطلاقًا من الرفض المبدئي، رأت رشيدة، رمز الشهامة والكرامة، أن الوسام فقد معناه وروحه، وأن شرفها التزام لصيق بعملها وبخياراتها البعيدة كل البعد عن المكافأة الرسمية. قبولها ــ أاافت تقول ــ "لا يضيف شيئًا لمساري مقارنة بالتقدير الذي تحظى به من الأشخاص الذين يحتلون موقعًا وجوديًا في حياتي المهنية الموزعة بين التمثيل والغناء والكتابة والإخراج".

الرافضون من صاند إلى سارتر
الرافضون لوسام جوقة الشرف كثر، وسبقوا رشيدة براكني، من بينهم الكاتبة الشهيرة جورج صاند، التي رفضت أشهر أنواع التكريمات بقولها مازحة: "حتى لا أبدو كعاملة في مطعم عسكري متنقل"، والزوج العلمي الشهير ماري وبيار كوري الذي رفض الوسام من منطلق مبدأي التواضع، والفيلسوف جان بول سارتر: "حتى لا أفقد حريتي"، ورفيق دربه وعدوه اللدود ألبير كامو الذي قبل جائزة نوبل خلافًا لسارتر، والكاتبة المعروفة سيمون دي بوفوار، والممثلة صوفي مارسو، والممثلة الراحلة الشهيرة بريجيت باردو، والممثل الراحل جان بيار باكري، والخبير والكاتب الاقتصادي الكبير توما بيكيتي: "ليس من شأن الحكومة أن تقرر من هو الجدير بالتكريم". شخصيات إبداعية أخرى رفضت وسام جوقة الشرف، من بينها ألبير قصير، الذي كتب باللغة الفرنسية في باريس، والشاعر الكبير لويس أراغون، وساترابي مرجان، المخرجة الفرنسية المنحدرة من أصل إيراني، وحسين عليزاده، الموسيقار والملحن الإيراني الكبير، والمغني الشهير جورج براسنس، والرسام جاك طاردي، والنحات والرسام أونوريه دامييه، وأحمد بمبا الزعيم الصوفي السنغالي ومؤسس الطريقة المريدية، رفض هو الآخر وسام جوقة الشرف مناهضًا التكريم الفرنسي الاستعماري.

ابنة عائلة أميّة وكادحة
رشيدة براكني التي ولدت في الخامس عشر من شهر فبراير/ شباط عام 1977 في باريس، ابنة والد لا يقرأ ولا يكتب مثل زوجته، وسائق شاحنة وتوصيل، ووالدة عملت مدبرة منزل. أمضت رشيدة طفولتها منذ سن العاشرة "إدارية" لعائلتها الأمية والكادحة على حد تعبيرها، وشعرت بموهبتها الفنية والأدبية في وقت مبكر، بالتزامن مع دراستها في الثانوية التي مارست فيها التمثيل بضاحية "أتيس مؤنس".




بعد نيلها شهادة البكالوريا، كاشفة عن موهبتها الأدبية، التحقت بجامعة بانتيون (السوربون) لدراسة التاريخ، وليس القانون الذي كانت تميل إليه. قامت بتسجيل نفسها لاحقًا في المعهد العالي للفن الدرامي (1998) لتأكيد نزوعها نحو التمثيل المسرحي، وهو المعهد الذي تخرجت فيه بتفوق، الأمر الذي أعجب به الصحافي الثقافي الكبير الراحل برنار بيفو، الذي حاورها في برنامجه الشهير "حساء ثقافي" إلى جانب الراحل الكبير الآخر الممثل جان بول بلمندو.

اقتحام السينما بعد المسرح
كان عام 2001 منعرجًا حاسمًا في مسار رشيدة الفني، وذلك بعد دخولها مسرح "الكوميدي فرانسيز" الشهير قبل أن تقتحم الشاشة الفضية بمشاركتها في فيلم "فوضى" لكولين سيرو. يومها، دخلت رشيدة عالم الشهرة من بابه الواسع بحصولها عام 2002 على جائزة سيزار لأحسن ممثلة جديدة، وتأكدت شهرتها بسرعة قياسية بعد شهر من نيلها الجائزة السينمائية إثر ظفرها بجائزة موليير المخصصة للاكتشافات الأنثوية. اختلطت حياتها الفنية بمثيلتها الشخصية انطلاقًا من عام 2003 تاريخ تمثيلها في فيلم "المفرط في تناول الطعام" إلى جانب إيريك كانتونا، الذي أصبح زوجها، ورفيق دربها الفني. ولا أدل على ذلك من شروعها في الغناء اعتمادًا على الكلمات التي كتبها. تكريسًا لموهبة شاملة تقريبًا، أصبحت رشيدة لاحقًا ملحنة لبعض أغانيها، واستمرت في التمثيل عبر مشاركتها في المسلسل السياسي "البارون الأسود" الذي بثته قناة "كانال بلوس"، وفي القناة نفسها، أدت دور نعيمة مزياني المستشارة في الاتصال إلى جانب الممثل الشهير كاد مراد (اسمه الحقيقي الأول قدور، وهو من أصل جزائري مثلها). و"قدور" هو عنوان كتابها الذي ألفته عن والدها عام 2024 بعد أربعة أعوام من تاريخ وفاته. إنه الأب الذي "لقنها معنى الشرف" على حد تعبيرها بتأثر لافت في حوار أجرته معها القناة التلفزيونية العمومية الخامسة. رفض والدها أن يدفن في فرنسا، وأوصى بأن يوارى التراب في الجزائر مسقط رأسه الذي اضطر لأن يغادره بحثًا عن لقمة عيش، شأنه شأن الملايين من الجزائريين الذين امتهنوا أصعب المهن وأشقاها مشاركين في تنمية وطن أصبحوا فيه عبئًا لا يطاق استنادًا لخطاب معظم السياسيين الفرنسيين الذين يستعدون لحكم فرنسا العام القادم. ورشيدة أم منذ عام 2009 لطفل اسمه "أمير"، ولطفلة اسمها "سلمى" منذ عام 2013. إلى جانب كتابها "قدور"، أصدرت هذه السنة رواية "الجزء الغائب" عن دار نشر "ستوك".

هامش:
1
 ــ جائزة تأسست على يد نابليون بونابرت عام 1802. وهي تكافئ الأفراد العسكريين والمدنيين الذين قدموا خدمات بارزة للأمة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.