}

"الانطباعية: سيمفونية الألوان"

سمير رمان سمير رمان 31 أغسطس 2026
تغطيات "الانطباعية: سيمفونية الألوان"
"نوتردام دي باريس" (ماكيسميليان لوس)

في عام 1770، أمر ملك بروسيا، فريدريش الكبير، ببناء قصر باربيريني على الطراز الباروكي في مدينة بوتسدام الألمانية، ليكون دارًا لعامّة الشعب تحتضن الأنشطة الثقافية والاجتماعات. خلال الحرب العالمية الثانية، تعرّض القصر لدمارٍ كبير، بفعل الهجمات الجوية، ولم يتبقَّ منه سوى أنقاضٍ أُزيلت بعد انتهاء الحرب. بقي مكان القصر فارغًا حتى عام 2005، حيث صدر قرارٌ حكوميّ بإعادة تشييده، لتعود الحياة من جديد إلى واحدٍ من أجمل المباني في أوروبا.
أمّا في ما يخصّ متحف باربيريني نفسه، فقد تكفّل هاسو بلانتر، أحد مؤسسي شركة البرمجة العملاقة SAP، بتأسيسه ورعايته. وبالفعل، جرى افتتاح المعرض في 23 كانون الثاني/ يناير من عام 2017  ضمن أروقة القصر. خلال عقودٍ عدّة، تمكّن عاشق الفنّ بلانتر من جمع كمية مهمة من القطع الفنيّة تعود إلى فترة ألمانيا الشرقية قبل سقوط جدار برلين، بالإضافة إلى لوحات من فترة ما بعد 1989، بالإضافة إلى عدد من الأعمال الفنيّة التاريخية الخالدة. كانت هذه الأعمال من إبداع فنانين كبار، مثل كلود مونيه، ماكس ليبرمان، غيرهارد ريشتر، وإدوارد مونش. من خلال عرض مقتنياته في متحف باربيرني، كان بلانتر يهدف إلى إتاحة الفرصة لعامّة جمهور الفنّ كي يتمكّن عشّاق الفن من الإطلاع على الكنوز الفنيّة التي في حوزته. بالإضافة إلى ذلك، سمح المالك لمتحف باربيريني بإعارتها لتعرض في مختلف المعارض في شتّى أنحاء العالم.
في السنوات الأخيرة، استطاع هذا المتحف ترسيخ مكانته كمركزٍ رئيسيّ لدراسة الفنّ الانطباعي: فهو يضمّ مجموعة هاسو بلانتر الرائعة التي تحتوي على 115 تحفة فنيّة لرسامين مشهورين، مثل مونيه، ورينوار، وغيرهما من كبار فناني تلك الحقبة، بمن فيهم الفنان بول سينياك. لم يقتصر نشاط المتحف على عرض مقتنياته، بل عمل بشكلٍ دائم على استضافة معارض فنيّة مبتكرة، كما هي الحال مع المعرض الحالي الذي انطلق تحت عنوان "الانطباعية: سيمفونية الألوان"، ويضم بشكلٍ رئيس أعمال الفنان بول سينياك، وكذلك بعضًا من أعمال فناني المدرسة الانطباعية الجديدة.
وكان بول سينياك، بالاشتراك مع جورج سورا، قد ابتكر، في منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشر، أسلوبًا جديدًا في الرسم، وبرز كقائدٍ ومحرّك رئيس للحركة الانطباعية الجديدة. لم يقتصر دور بول سينياك على الممارسة الفعلية الفنيّة فحسب، بل امتدّ نشاطه إلى مجال تنظيم المعارض، وتدريس الفنّ، وتأليف الكتب.  
في كتابه المرجعيّ الهامّ بعنوان "من الفنان الفرنسي أوجين ديلاكروا (توفي عام 1863) إلى الإنطباعيّة الجديدة"، اقترح سينياك استبدال أيّ مزيج ماديّ للألوان المتباينة بمزيجٍ بصريّ. بالإضافة إلى ذلك، تعمّق الفنان في استكشاف ودراسة الروابط بين الرسم والموسيقى، فأطلق على بعض أعماله عناوين موسيقية، مثل "أداجيو/ Adagio"، أو "لارغيتو/ Largetto"، ولتبدو وكأنّها تخاطب الأُذن بقدر ما تخاطب العين.
في المرحلة الأولى، قدّم رواد المدرسة الانطباعية فنّهم في صورةٍ كلاسيكية، تميّزت بعفوية اللحظة الملتقطة، وبالأجواء الهوائية الخفيفة، وتحقّقت من خلال المزج المبهر للألوان. أمّا الحركة الانطباعية الجديدة فقد استلهمت أفكارها من الاكتشافات العلمية في مجال علم البصريات، واعتمدت على مبدأ تفكيك الألوان وعلى تقنية التنقيط (poitillism)، ليجد الناظر إليها نفسه أمام تناغمٍ جديد يجمع بين الخطوط الرأسية والشاقولية، وبين سطح اللوحة والعمق المكاني. وقد اتسمت المناظر الطبيعية والبورتريهات ومشاهد الحياة اليومية التي ابتكرها فنانو الانطباعية الجديدة بإضاءةٍ نقيّة تبدو وكأنّها تنبعث من عمق اللوحات ذاتها، وهو ما يمكن اعتباره، بمعنىً ما، تمهيدًا لظهور تقنية "البيكسل" المستخدمة حاليًّا في أجهزة التلفاز والكمبيوتر والهاتف النقّال، وسواها.





يتحدّى معرض بارنبيري هذا العام النظرة الشائعة التي تحصر اهتمام فناني هذه الحركة في الأهداف الجماليّة فقط، مما جعل فيليكس فينيون، الناقد الفنيّ والمعجب بأعمال سينياك، يصف تلك الأعمال بأنّها "نماذج مثاليّة لفنّ زخرفيّ متطوّر للغاية، تضحّي بالموضوع لصالح النمط الخطي". من الناحية الأيديولوجيّة، ارتبط أسلوب المدرسة الانطباعية الجديد بأفكار الحركة السياسية والفلسفية المسمّاة بـ"الأناركية ــ اللاسلطوية"(التي يطلق عليها بعضهم خطأ الفوضوية)، التي ترفض كلّ أشكال الدولة والسلطة، وتنادي بالحريّة والمساواة الاجتماعيّة.
بالنسبة لسينياك، فقد استلهم أعماله من أسلوب عمل صيادي سمك السردين الجماعي في منطقتي بريتاني وسان تروبيه: ولأنّه كان شغوفًا بالبحر والمراكب، فإنّ سينياك قد أحبّ رسم القوارب وسفن القطر، وغالبًا ما كان يتّخذ من قاربه الخاصّ نقطة انطلاق تحدّد منظور رؤيته للأشياء. يضمّ  معرض باربيري واحدةً من أكثر أعمال سينياك تميّزًا وأصالةً، وهي لوحة "يوم الأحد/ Sunday"، المعارة من مجموعة خاصّة، والتي تقدّم لمحةً ساخرة عن حياة عائلةٍ من الطبقة البرجوازية: الزوج والزوجة يجلسان في حالةٍ من الملل، وقد أدار كلّ منهما ظهره للآخر، وكانت المرأة تحدّق عبر النافذة، وتحلم بالهروب من هذا "القفص". في وسط اللوحة فراغٌ تملأ جزءًا منه قطّة انتصب وبرها، وكأنّه نقش سجادة.
لا شكّ في أنّ بول سينياك كان الشخصية المحورية في الحركة التي أطلقها بنفسه. ولكنّ دوره لم يقتصر عليها وحدها، بل كان أيضًا مشاركًا نشطًا في حركاتٍ أُخرى غيرها، واقترن شغفه بالحياة بصفاتٍ شخصيّة مثيرة للإعجاب، يرافقه حسّ قويّ بالتضامن المهنيّ. ومن خلال توليه رئاسة "جمعية الفنانين المستقلين/ Indépendants Société des Artistes"، منذ عام 1908، وحتى وفاته عام 1935، وقف سينياك مدافعًا بقوة عن الفنانين الشباب، وعمل على توفير فرصٍ يستطيعون من خلالها عرض أعمال فناني المدرسة الوحشية والتكعيبيّة، وكان أوّل زبون يشتري لوحةً من أعمال الفنان هنري ماتيس.
يضمّ المعرض ما يقارب 100 عملٍ فنيّ، تشكّل أعمال سينياك نفسه أكثر من ثلثها. في حين تضمّنت بقية المعروضات إبداعاتٍ لكلٍّ من لوسي كوستورييه، هنري إدموند كروس، كاميل بيساريو، ثيو فان ريسلبرغ، جان سيلمرشيم ــ ديجرانج، جورج سورا، يان توروب، وغيرهم.
من بين هؤلاء الفنانين، يبرز اسم ماكيسميليان لوس (1858 ــ 1941)، الذي ترك وراءه رصيدًا فنيًّا هائلًا يضم 4200 لوحة، وما يزيد على 300 رسم. ومن أبرز تلك اللوحات، لوحته بعنوان "نوتردام دي باريس" (1900) التي بيعت عام 2011 بمبلع 4.2 مليون دولار. كان الفنان ماكسيميليان لوس سياسيًّا نشطًا، فقد كان يرسم رسومًا توضيحية لمجلة تتبنّى الفكر اللاسلطوي (الأناركي)، وعقب حادثة اغتيالٍ بارزة، أُلقي القبض عليه وعلى ناشطين لاسلطويين آخرين، وقضى أشهرًا في السجن، وهي تجارب تحوّلت لاحقًا موضوعاتٍ لأعماله الفنيّة.
وُلد ماكسيميليان لوس في حيّ مونبارناس الباريسي، الذي كان يعدّ حيًّا للطبقة العاملة في ذلك الوقت. ومن تجربته ونشأته في هذا الحيّ، ومن معرفته المباشرة والواقعية، استلهم لوس فكرة  تصوير مشاهد أعمال البناء في حيّ مونمارتر، حيث أقام عدّة سنوات. وبذلك، أصبح واحدًا من رسامين قلائل وثّقوا عملية تشييد "باريس الجديدة"، والذين جعلوا من رافعات البناء العملاقة جزءًا لا يتجزأ من مشهد المدينة الحضاري، لتكون على قدم المساواة مع أبراج مشهورة شيّدت بأسلوب الهندسة المعمارية القوطية، وليكشف استخدام أسلوب  تقنية "البيكسل في رسمها"، عن جمالها وشاعريّتها الفريدة.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.