}

ما لا يُشترى: ساندل بين مجتمع السوق ومجتمع البيانات

يوسف يونس 8 أغسطس 2026
تغطيات ما لا يُشترى: ساندل بين مجتمع السوق ومجتمع البيانات
لا يدعو ساندل إلى إبقاء كل شيء خارج السوق(Getty)

ناقشت مكتبة "رقائم" في بيروت كتابًا للفيلسوف السياسي مايكل ساندل بعنوان "ما لا يستطيع المال شراءه". يورد ساندل في الصفحات الأولى من الكتاب مثالًا بسيطًا، لكنه يضيء مشكلة تستحق إعادة التفكير فيها. فعندما ينتهي اليوم الدراسي ويغادر معظم الأطفال المدرسة، يبقى أحيانًا عدد قليل منهم في انتظار أهل تأخروا عن موعد الحضور، فتضطر بعض المعلمات إلى البقاء معهم حتى يصل ذووهم. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مجرد مخالفة بسيطة لجدول زمني، لكنه في حقيقته يتضمن علاقة التزام أخلاقي واضحة؛ فالأب أو الأم اللذان يتأخران لا يسببان إزعاجًا إداريًا فحسب، بل يحملان شخصًا آخر عبئًا لم يكن من واجبه تحمله.
لهذا قررت إحدى المدارس معالجة المشكلة عبر فرض غرامة مالية على كل من يتأخر في استلام طفله، على أساس أن جعل التأخير أكثر كلفة سيؤدي إلى تقليصه. لكن النتيجة جاءت معاكسة تمامًا؛ إذ ازداد عدد المتأخرين. لا لأن الغرامة كانت منخفضة، بل لأن معنى الفعل نفسه تغيّر. فقبل الغرامة كان التأخير يفهم بوصفه إخلالًا بالمسؤولية يستدعي الاعتذار، في حين أصبح بعدها خدمة إضافية لها ثمن معلوم.
تكشف هذه الحادثة البسيطة الفكرة المركزية التي ينطلق منها ساندل. فالسؤال عنده ليس ما إذا كانت الأسواق مفيدة أم لا، بل ما إذا كان دخول منطق السوق إلى مجال معين يترك ذلك المجال على حاله؟ هل تظل الأشياء هي نفسها بعد أن تصبح قابلة للبيع والشراء، أم يتغير معناها بمجرد إخضاعها إلى منطق السوق؟
ولا يدعو ساندل إلى إبقاء كل شيء خارج السوق. فالسوق أداة فعالة لتنسيق كثير من الأنشطة الإنسانية، لكنها ليست محايدة دائمًا. فهي لا تكتفي بتوزيع الخيرات، بل قد تعيد تعريفها وتغيّر معناها أيضًا.
غير أن نقد ساندل للمجتمع السوقي لا يقوم على فكرة إفساد المعنى أو القيمة وحدهما، بل يستند كذلك إلى اعتبارات العدالة. فهو يميز بين اعتراضين مختلفين على توسيع نطاق السوق. الأول يتعلق بالإنصاف في توزيع الفرص والخيرات؛ إذ إن تحويل مزيد من الأمور إلى سلع قابلة للشراء يمنح أصحاب الثروة قدرة أكبر على الوصول إليها مقارنة بغيرهم. فإذا كان الأثرياء يستطيعون شراء مواقع في الطوابير، أو الحصول على فرص تعليمية أو صحية أو سياسية لا تتاح لغيرهم، يكون السوق حينها وسيلة لتحويل التفاوت الاقتصادي إلى تفاوت في فرص الحياة نفسها. أما الاعتراض الثاني فيتعلق بما يحدث للشيء ذاته عندما يدخل السوق.



فبعض الخيرات تستمد قيمتها من معانٍ لا تنفصل عنها، وعندما تصبح موضوعًا للبيع والشراء لا تبقى كما كانت. ولهذا فإن السؤال عن حدود السوق هو في آن واحد سؤال عن العدالة وسؤال عن طبيعة القيم التي نريد المحافظة عليها.
والتصويت مثال واضح على ذلك. فصوت المواطن مرتبط بفكرة المواطنة، وليس أصلًا يمتلكه ويبيعه كما تباع أي سلعة أخرى. وكذلك الجوائز والأوسمة والشهادات، فهي تستمد معناها من العلاقة بين الجهد والاستحقاق والاعتراف الاجتماعي. وعندما يصبح بالإمكان شراؤها لا نحصل على الشيء نفسه، بل على شيء يشبهه ظاهريًا بينما فقد جوهره.
وتنبهنا هذه الأمثلة إلى أن الحوافز الاقتصادية لا تضيف دائمًا دافعًا جديدًا إلى دوافع موجودة، بل قد تزيح دوافع سابقة وتحل محلها. فالمجالات الإنسانية لا تبنى كلها على المنفعة وحدها. هناك أفعال تستمد معناها من الواجب أو الثقة أو التضامن أو الاعتراف المتبادل، وعندما يدخل المال إليها يبدل المعنى الذي كانت تقوم عليه. وفي المثال الذي يسوقه عن قبول سكان إحدى المناطق في سويسرا أن تقوم الحكومة بدفن نفايات نووية في منطقتهم بدافع من الإحساس بالانتماء للبلد القائم على الطاقة النووية، ورفضهم القبول بذلك بعدما فكرت الحكومة بتقديم تعويضات مالية للأفراد، خير معبّر عن أن دافع الإحساس بالمواطنة لا يُشترى.
تنتمي أطروحة ساندل، على أهميتها، إلى سياق تاريخي واجتماعي معين، هو المجتمعات الليبرالية الغربية التي نجحت خلال القرنين الماضيين في بناء مؤسسات مستقلة نسبيًا، لكل منها قواعدها الخاصة ومعاييرها الداخلية. فهناك مجال سياسي له منطقه، وقضاء يتمتع باستقلال نسبي، وإدارة عامة لا تختزل بالكامل إلى المصالح الخاصة. ومن داخل هذا العالم يبدو تمدد السوق تهديدًا واضحًا، لأنه يأتي من خارج هذه المجالات ليعيد تشكيلها بلغته الخاصة.
أما في كثير من المجتمعات العربية فالصورة أكثر تعقيدًا. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في أن السوق اخترقت مجالات مستقلة، بل في أن هذه الاستقلالية نفسها ظلت ناقصة أو هشة. فالعلاقات الاقتصادية تتداخل مع النفوذ السياسي، والنفوذ السياسي يتداخل بدوره مع الانتماءات الطائفية أو العائلية، والفرص العامة كثيرًا ما تمر عبر شبكات الولاء والعلاقات الشخصية. ولهذا قد لا يكون السؤال الأكثر إلحاحًا هنا: ما الذي لا ينبغي أن يباع؟ بل كيف نبني أصلًا هذا المجال المستقل الذي لا يشترى ولا يورث ولا يحتكر؟




فنحن نجد في العالم العربي بلدانًا ليست بالمجتمعات التقليدية المغلقة، ولا هي مجتمعات ليبرالية مستقرة بالمعنى الذي نجده في الغرب. إن مجتمعًا كهذا هو فضاء تتجاور فيه السوق الحديثة مع شبكات الانتماء الأولية، وتتداخل فيه الثروة مع النفوذ، والاعتبارات الاقتصادية مع الطائفية والسياسة. ولذلك تبدو حدود المجالات الاجتماعية أقل وضوحًا وأكثر هشاشة مما تفترضه كثير من أمثلة ساندل.
ومع ذلك فإن هذه الملاحظة لا تبطل نقده، بل تدفعه خطوة أبعد. فالمشكلة ليست فقط أن المال قد يشتري ما لا ينبغي شراؤه، بل أن أي مبدأ واحد قد يسعى إلى الهيمنة على بقية مجالات الحياة. وقد أشار بيير بورديو إلى جانب من هذه الظاهرة حين بيّن أن المجتمع لا تحكمه الثروة الاقتصادية وحدها، بل تتوزع فيه أشكال متعددة من القوة والموارد، من رأس المال الاقتصادي إلى رأس المال الثقافي والاجتماعي والرمزي. ويكمن الخطر الحقيقي في تحوّل أي شكل من أشكال القوة إلى معيار وحيد للحكم على البشر والمؤسسات والعلاقات.
لكن من المهم التمييز بين ملاحظة نظرية عامة وتشخيص تاريخي ملموس. فمن الناحية النظرية يمكن أن تهيمن السلطة أو الهوية أو السوق أو غيرها. أما من الناحية التاريخية فإن المنطق السوقي امتلك خلال العقود الأخيرة قدرة استثنائية على التوسع. فهو لا يكتفي بالعمل داخل الاقتصاد، بل يميل إلى إعادة صياغة مجالات أخرى بلغته الخاصة. ولذلك لم يكن قلق ساندل وهمًا فكريًا أو مبالغة أخلاقية، بل استجابة لتحول حقيقي جعل مفردات الكفاءة والعائد والحافز والمنفعة تتجاوز المجال الاقتصادي لتصبح جزءًا من الطريقة التي نفكر بها في التعليم
والسياسة والصحة والثقافة وحتى العلاقات الإنسانية.

بيير بورديو (Getty)


غير أن التحول الأخطر اليوم لم يعد في تحول الأشياء والعلاقات إلى سلع للتداول، بل في تحول الإنسان نفسه إلى موضوع للقياس والحساب. فبينما كانت السلعة في المجتمع السوقي شيئًا خارج الإنسان في الغالب، أصبح الإنسان ذاته في اقتصاد البيانات موردًا دائمًا للمعلومات؛ تتحول اهتماماته وعلاقاته وتفضيلاته إلى بيانات قابلة للتجميع والتحليل والتنبؤ. وتزداد خطورة الأمر عندما لا تبقى أنظمة الذكاء الاصطناعي أدوات لوصف السلوك، بل تصبح جزءًا من القوى التي تشارك في تشكيله وتوجيهه. وإذا كان الخطر المركزي في المجتمع السوقي يتمثل في تحويل بعض القيم إلى سلع، فإن الخطر الناشئ في مجتمع البيانات يتمثل في اختزال الإنسان إلى ما يمكن قياسه منه. غير أن التجربة الإنسانية تتضمن دائمًا أبعادًا لا يمكن استنفادها في المؤشرات والاحتمالات، لا لأنها غامضة فحسب، بل لأنها ترتبط بما يجعل الإنسان كائنًا حرًا قادرًا على تجاوز ما يمكن توقعه عنه.
وبعد، فإن السؤال الذي أثاره ساندل ما يزال يحتفظ بقوته، لكنه لم يعد السؤال الوحيد. فبعد أن كان التحدي هو حماية بعض الأشياء من أن تصبح سلعًا، وحماية المجتمع نفسه من التحول من مجتمع قائم على اقتصاد السوق إلى مجتمع سوقي، أصبح التحدي اليوم هو حماية بعض جوانب الإنسان من أن تصبح قابلة للاختزال الكامل إلى الحساب. وما يجمع بين التحديين معًا حقيقة واحدة: أن المجتمع لا يفقد إنسانيته عندما يملك الأسواق أو التكنولوجيا، بل عندما لا يعود يعرف لغة أخرى غير لغتهما.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.