}

قصائد مختارة للشاعرة الأميركية باتريشيا سميث

ضفة ثالثة- خاص 28 سبتمبر 2026
ترجمات قصائد مختارة للشاعرة الأميركية باتريشيا سميث
باتريشيا سميث في مكتبة الكونغرس عام 2013

اختارها وترجمها عن الإنكليزية: أسامة إسبر

وُلدت الشاعرة باتريشيا سميث عام 1955 في مدينة شيكاغو، ونشأت في الجانب الغربي منها في أسرة من أبناء الهجرة الكبرى، أي الذين انتقلوا من الجنوب الأميركي بحثًا عن حياة أفضل في الشمال الصناعي. هذه الجذور، جذور مدينة العمال، وتاريخ العنصرية الأميركية، وإرث العائلة المهاجرة، تشكّل التربة التي نبتت منها جلّ قصائدها.
قبل أن تتفرغ لكتابة لشعر، عملت سميث لسنوات طويلة كصحافيّة في صحيفتي "بوسطن غلوب"، و"شيكاغو صن تايمز"، وهي خلفية مهنية يمكن ملاحظة أثرها بوضوح في دقة التفاصيل ودقة الملاحظة اللتين تميّزان شعرها.
باتريشيا سميث من أبرز شعراء الأداء، أو ما يُدعى الشعر المنطوق (poetry slam)(1) في تاريخ الولايات المتحدة، فقد فازت بلقب البطولة الوطنية الفردية لهذا النمط الشعري أربع مرات، وهو رقم قياسي لم يحقّقه أي شاعر آخر في تاريخ هذه المسابقة. ترك هذا الأسلوب الأدائي، المستقى من المسرح والصوت الحيّ، بَصْمته على لغتها الشعرية: قصائدها تنبض بالإيقاع، وتستخدم المحكية وضمير الجماعة بجرأة نادرة، ولديها قدرة استثنائية على تقمّص أصوات شخصيات مختلفة، من الأمهات الثكالى، إلى ضحايا الكوارث، إلى شهود التاريخ العنصري الأميركي.
من كتبها المهمة ديوان "الدم الباهر" (2008)، الذي وصل إلى القائمة النهائية لجائزة الكتاب الوطني الأميركي. يتميز بأسلوب لغوي بديع وآسر تزداد حدّته وتأثيره مع توالي قصائد المجموعة. تقتفي سميث دقيقةً بدقيقة مسار إعصار كاترينا منذ أن كان منخفضًا استوائيًا حتى تحوّله إلى عاصفة من الفئة الخامسة، وتصف حجم الدمار المادي والعاطفي الذي لحق بمدينة نيو أورلينز، ولا سيما في المجتمعات ذات الأصول الأفريقية. تتسم كل قصيدة في هذا الديوان بطابع عفوي ومباشر، وتُبرز كلمات سميث بوضوحٍ مؤلمٍ تقصيرَ الساسة في إعادة إعمار المدينة عقب الإعصار.
نشرت الشاعرة لاحقًا ديوان "كنت أفضّل لو أنّهما أطلقا عليّ اسم جيمي سافانا" (2012)، الذي نالت عليه "جائزة لينور مارشال للشعر" من أكاديمية الشعراء الأميركيين، وهي من أرفع الجوائز التي تُمنح لأفضل ديوان شعر يُنشر في الولايات المتحدة سنويًا. وفي عام 2017، صدر ديوانها "فن حارق"، وحصد "جائزة كينغزلي تافتس للشعر"، و"جائزة لوس أنجلوس تايمز للكتاب"، وكان أيضًا ضمن القائمة النهائية لـ "جائزة بوليتزر للشعر". أما ديوانها "مفتوح" (2023) فيحتوي على مونولوجات شعرية مصحوبة بصور فوتوغرافية من القرن التاسع عشر لشخصيات أميركية من أصول أفريقية.
في عام 2025، نشرت سميث كتابها "نوايا الرعد: قصائد جديدة ومختارة"، الذي ضم لأول مرة أهم قصائدها عبر مسيرتها الطويلة، ونال "جائزة الكتاب الوطني للشعر" لعام 2025، ورُشّح لـ "جائزة بوليتزر للشعر" عام 2026.
مُنحت سميث "جائزة روث ليلي" على إنجازها الشعري مدى حياتها من مؤسسة الشعر عام 2021، وهي عضو في الأكاديمية الأميركية للفنون والعلوم، وحاصلة على زمالة جوجنهايم، وزمالة الصندوق الوطني للفنون، كما فازت بـ "جائزة بوشكارت" مرتين، واختيرت عام 2024 لتكون في "قاعة مشاهير الأدب" في شيكاغو.
قال عنها الشاعر الأميركي دانيز سميث: "باتريشيا سميث أعظم شاعرة حيّة وكل ديوان تصدره يكون أفضل من الذي سبقه". تلخِّص هذه الشهادة، الصادرة عن أحد أبرز الأصوات الشعرية اليوم، اعترافًا نقديًا واسعًا بأن سميث لا تكرر نفسها، بل تتجاوز إنجازاتها السابقة في كل ديوان جديد.
وَصَفتْها مجلة "ذا ببليشرز ويكلي" بأنها تمتلك حساسية لغوية حادة كالشفرة تمنح مشاهدها طابعًا سينمائيًا وزخمًا عاطفيًا آسرًا، فيما قالت مؤسسة الشعر إنها أدّت دور المؤدية الماهرة والشاعرة لأصواتٍ نادرًا ما سُمعت.
هذا المزيج من الأصالة الأدائية والدقة الصحافية والشجاعة في مواجهة تاريخ العنف العرقي في أميركا يجعل باتريشيا سميث اليوم من أهم الأصوات الشعرية الحيّة في اللغة الإنكليزية، وصوتًا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن الشعر الأميركي المعاصر. ولقد أصابت صحيفة "الغارديان" حين قالت: "في شعر سميث يمتزج وهج الخيال بالتمكّن الفني؛ وتجتمع نزعة الشاعر الجامحة نحو النظام مع حزن الشاعر الرثائي وغضب الناشط الساعي إلى العدالة".



1 ــ أسود، صُبّ في الجرح مباشرةً(2)

تصطخبُ رياح البراري ملتهبةً في أحشائها المضطربة،
وتأبى ليالي إيمت الحمراء المنقضية أن تُطْلق عليها أي اسم من أسماء الأمّهات.
استحال طفلها ذو الخدين الريّانين إلى رمادٍ وظلال،
بعد أن كان يُصدر أصواتًا عذبةً من فم ذاكرتها المطبق بإحكام.

اسمعوا، في ما مضى كانت جميلة.
أضفتِ الريح على بشرتها لونًا ذهبيًّا؛
كانت سمراء المحيّا وتنبض حيويّةً
تمامًا بعكس هذا الكيانِ الخامِ الصارخِ
الذي صاغتْه الفوضى. والآن،
بعد أن تزعزعتْ حياتها، سئمت
عباراتِ الأسى ونداءاتِ الاستغاثة طلبًا للرحمة؛
صارت صبغةُ الحزنِ اللعينة
تُخيّمُ في كل مكان، تُعْتم أيامًا لم تعد تدركُ كُنهَها.
إنها قصة معاناة يتناقلها الناس، تُفرَّغ من معناها بلا انقطاع،
تمتدُّ إليها الأيدي، تُداعبها، يترنّمُ الغرباء حولها،
يُقدّمون لها لحم الخنزير وحلوى التوفي كأنها قربان.
يحدّق بها صبيةُ الشارع، ثم يشيحون بأبصارهم،
كأنها قتلتهم جميعًا، ورمتْهم واحدًا واحدًا في مياه الدلتا النهمة.

تجلس على كرسيٍّ يتوازن بدقّةٍ على حافة الجحيم،
تحاول الحفاظ على اتزان عقلها بقبلاتٍ تطبعها على جبين طفلها، وهي تستحضره في خيالها.
مبتدئة بحرف الألف تتلو ــ بغضبٍ ونأْيٍ ورعب ــ أبجدية عالمٍ كلّه مضرّجٌ بالدماء.
تحرقُ القهوة حلقها، فيما تحومُ سيدات الكنيسة في أرجاء غرفتها،
يتعرّقْن، وتبين في ثيابهنّ السوداء عند أوراكهنّ الثقيلة خطوطُ العرق.

يملأن أكوابهنّ من ماء الصنبور، ويرتشفْن، بنهمٍ خفيّ،
مشاهدَ من انحدارها المفاجئ.

وفي عتمة الغرفة الخاوية،
الغرفة التي شَغَلها ذات يوم طفلٌ أسود،
يُعاد استكشاف الغياب، مرةً تلو الأخرى.

تقبض مامي على فنجانها، وعيناها محمرّتان
تفهم همساتهنّ، وما فيها من حسن نية.
تقول إحداهنّ: "تبقى أمًّا. متى ما رُزقتِ بطفلٍ، تظلّين أمًّا إلى الأبد".

تنهمر القبلات كأمطارٍ غزيرة من أفواههنّ المسيحية المعمدانية الجافة، فتُغرقها.

تفكرّ: "اجْلسي ساكنة، حتى يتذكّرْن كيف قُتل ابنك".
تتذكّر. اندفاعٌ وانفجارٌ من الداخل
سحقٌ وانزلاق ولم يعد هنالك طفلٌ بعد ذلك.

قماشُ فساتين التافتا والتراتيل، هما كلّ ما تعرفه النسوة،
لا يعرفن الابن الضائع، وقد انتُشلت جثته من مياه نهر تالاهاتشي البائسة والهادرة.

مامي، ذاتُ الرحمِ الخاوي، لم تعد أمًا لأحد. إنها مجرد
صدىً باهت، عاقر. كلُّ ما فيها يُضْفي على الصوتِ نبرةَ أسىً:
يدَا الرجل الأبيضِ على طفلها، العينُ المتدلية، وفوضى الرنينِ الحاد،
وتلك الأشياءُ التي تستندُ إليها، والأبوابُ الوحيدةُ التي تُفتحُ لتدخلها.

وفي أيامٍ تمرّ من دونه يومًا تلو الآخر،
تترك شيكاغو ــ بريحها الصرصر العاتية، وجمال شوارعها الشمالية ــ تُواسيها
بدرجات ألوانها الرمادية القاسية.

عناقٌ، ومزيدٌ من المُعزّين، وصوانٍ يتكدّس فيها اللحم الدسم.
هل ستتجاوز هذه الفترة العصيبة؟
أهكذا تُعيد صفعةُ الحزن تشكيل ملامح الأمّ؟
كل الأطفال الذين كانوا يتضاحكون تراهم الآن مضرّجين بالدماء.
بينما طفلها ايمت يدندن في أحلامها:

"أنا الذّهب المتوهج".

ويحدّثها: كم هي مقفرة تلك البراري!

2 ــ الشمس، وقد تَملَّكها الحسد لا تريد سوى القمر

كانت خارج الطريق
تعرفُ أنني أنجذبُ إلى كلّ
ما يمكن أن يتواجد في العتمة،
ولا أكون نفسي أبدًا
إلا حين يفتنني بريقُ القمر المجنون،
وتكون الشوارع خاوية إلى حدّ أنها تُنْبت أصواتًا.

نفدَ صَبْرُ الشمس من ولعي
برومانسية الليل المصنّعة على نطاق واسع،
بحكايةٍ استُهلكت من كثرة ما قُرئت،
حيث في كل زاوية فاتنة،
يتجمّع عشّاقٌ أشبه بالأشباحٍ،
تفوح منهم روائحُ نفاّذةٌ ومُغويةٌ،
ويصطفّون لافتراس ما تبقى مني.

صاخبةً ومتأجّجة، تزيح الشمسُ القمرَ من الطريق لتكشفني
مُحطمة، أقبّلُ رصيفَ الجادةِ بوجهي،
وقبضتي تشدّ على قطع نقدية لصندوق موسيقى
فقد، منذ أمدٍ بعيدٍ، نهمَه لأرباع الدولارات.

حين تعرف الشمس أنني انزلقتُ تمامًا من قبضتها المذهّبة،
أغدو قضيتها الأكثر ضياعًا وتيهًا بلا خريطة.
فتنقضّ عليّ بضوئها بعين جاحظة.

أذكّرها بأن كل شيء يموت
غير أنّ جلّ ما تستطيع أن تفعله تلك العاهرة المتألقة من أجلي
هو أنها تبصق ضوءها على الطريق
فيما أبحث عن مكان أنام فيه.

3 ــ الرئيس يحلّق فوقنا(3)

معلّقًا في الأعالي، بين السماء وبينهم،
أصفُ المشهد بسرعة:
ما أقوى هذه الأشجار، ما أشدّ صلابتها!
ما أكثر ازدحام الطّرق، وما أبطأ السيارات! هذا هو 
وطني، كما أُهْديَ إليّ: شاسعًا من غير ضحايا.
الموسيقى التصويرية تضج في الهواء حول أذنيّ
وتردّد بلا انقطاع ألحانًا عن النسور والنفط.

ما من خيارٍ عندي؛ في كل لحظة أكون فيها مستيقظًا،
تُبَثُّ مقطوعاتٌ موسيقيةٌ مثيرة بأنغام رئيسة،
تبوحُ بما أعجز عن قوله.

لستُ مضطرًا أبدًا للعودة إلى الأرض.
بوسعي البقاء معلقًا في السماء،
وأنا أصف هذا العالم الكئيب الخاوي.

طياريَّ يعرفون جميع حيل الطيران.
لكنهم لن يحلقوا أبدًا على ارتفاع منخفض، أو على مقربة كافية
لبعث الحياة في ذلك البلد الآخر.

لن يقتربوا أبدًا بما يكفي كي يسموّا
الأحلام المظلمة التي تنتشر على سطح الماء هذه الليلة.
وأعلم أنها قد أمطرت في مكان ما. 

4 ــ فنٌّ حارق: مدينة فيرغسون، 2014(4)

كان ينبغي أن يَدَعوه في مكانه،
ليكون له مذبحه الخاص به؛
حتى لو تغوّطوا عليه،
كان سيُزْهر،
يداه الخاويتان مطويتان،
وعجيزته مرفوعة
كأنه مولود جديد.

كان يمكن لشريط الدم
الطويل، المائل إلى البنيّ،
أن يصير دربًا مقدّسًا
لسيّدات الكنيسة،
ولمن ينكشونه بعصيّهم،
ولمنتهكي القانون والملتزمين به،
لذلك النوع الجديد من العبادة. 

كان ينبغي أن يغتنموا تلك
الثواني الأربعة عشر ألفًا والأربعمئة،
وأن يتدبّروا الأمر أربعة عشر ألفًا أخرى.

كم سيكون موقظًا للوعي
أن يظلّ أيقونةً تحبس الأنفاس في قلب دوّار المرور،
يومًا بعد يوم، وسيارات الشيفروليه وسيارات الأجرة
تزحف حول ”لطْخته“،
فيما الصبْية الصغار في حافلة مدرسية
يصرخون، تفوح من ثيابهم
رائحته النتنة الفوّاحة،
بعد أن أقلعوا منذ زمن بعيد
عن إحصاء الذباب.

كان ينبغي لهم أن
يدعو البخار يتصاعد من جسده فوق الإسفلت،
بينما أبواب جهة الراكب
المُنتزعة من سيارات السيدان
التي يعود طرازها إلى الثمانينيات،
وبراميل القمامة المشتعلة،
وشظايا الصيدلية المتفحّمة،
والفتيان عراة الصدور
الذين يجمعون بين الجمال
وكونهم أهدافًا مكشوفة
تندفع مسرعةً وتتلاشى صورها كتحيةِ وداع.

تكتسب حياة السود أهمية أكبر بالحركة.
فالاندفاع والصدى مهمان
والإيقاع السريع للّكْمة مهم
وارتعاش الحلق المحروق مهم.
والقوة التي تحملنا
نحو كل فجر رهيب مهمة.

كان ينبغي لهم
أن يتركوه في مكانه دليلًا.

وفي النهاية،
كانت الجمرات
ستخبو في شَعره.

5 ــ دائمًا في الرأس

رأيتُ ذلك مرات عدّة، لمجرد أنني كنت في الشارع
حين حدث الأمر.
رأيت فتيانًا يُقْتلون، رأيتُ عددًا منهم.
صديقي جولز قُتل بالرصاص.

تلك العصابة التي كان محسوبًا عليها،
لم يكن حتى منخرطًا فيها حين بدأ أعضاؤها يتشاجرون مع عصابة أخرى.
لكن في يوم كان جوّه قائظًا،
أتذكّر أن حرارته كانت خانقة
نادى أحدهم جولز، ولمّا أطلّ من النافذة،
أطلق عليه رصاصةً في الرأس.

كما تعلمون، في هذه الأيام يجب أن تصيبهم في الرأس،
يجب أن تسحق الدماغ يا رجل.
لأنك إن لم تصبْهم في الرأس فمن المرجّح أنهم لن يموتوا،
وإذا لم يموتوا، يكون من الأفضل لك أن تقتل نفسك،
إذ إنهم ما إن يتمكنوا من الوقوف على أقدامهم
حتى يطاردوك بلا هوادة، يا رجل،
وعندها سيكون من الأفضل لك أن تُنْهي حياتك بنفسك.
لا بد أن تحطّم ذلك الدماغ يا رجل.

لكن أتدري ما الغريب في الأمر؟
حتى أولئك الذين كان جولز محسوبًا عليهم
لم يعرفوا من قتلهُ،
لأنهم كانوا على خلاف مع عصاباتٍ أخرى كثيرة.

ثم هنالك قصة بيلي؛ الذي ضُربَ ضربًا مبرّحًا
حتى الموت لمجرد أنه كان ثرثارًا،
ويدّعي أنه مقرّب من أشخاص لم يكونوا يعرفونه حقًا،
ويضع ألوان العصابة بطريقة خاطئة.
أعتذر عن الضحك ــ  فأنا أعرف أن الأمر ليس مضحكًا ــ
لكنني كنت أتوقع رؤية صديقيَّ في الحي،
يتبادلان المزاح ويتأملان الفتيات
غير أنني رأيتهما بدلًا من ذلك في الجنازة،
جثّتَينِ هامدتين شديدتي الشحوب،
وقد ثُبت رأسهما بشعر مستعار
بينما كانت أمّاهما تمزّقان جسديهما بأظافرهما وتصرخان مستغيثتين بالمسيح.

حينها أدركتُ حقيقة أن جولز وبيلي لن يعودا لقضاء الوقت معنا بعد الآن.
لكنك مع مرور الوقت تعتاد على الموت؛
يتبلّد شعورك تجاهه.

يصبح الأمر على هذا النحو:
"يا رجل، قُتل شخص الليلة الماضية،
هل تعرف من هو؟
لا، لا أعرف من هو!
هذا مؤسف، لقد كان صديقًا حقيقيًا.
هل ستذهب إلى مجلس عزائه؟
لا يا رجل، لا أستطيع، لدي مباراة،
وأريد أن أهزم بعض اللاعبين في ملعب كرة السلة".

تسمع خبر موت أحدهم، وتتعامل معه ببرود.
لا يمكنك أن تدعه يباغتك ويشوّش عقلك،
لأنك إن فعلتَ ذلك، لن تكون حذرًا بما يكفي،
وكما قلتُ من قبل، قد يكون من الأفضل لك عندها أن تقتل نفسك.

أما أنا؟
أنا لا يقلقني الموت.
أرتدي ألواني المناسبة،
أعتمر قبعتي وأثبت حافتها بشكل صحيح.
أحيانًا يكون من الممتع أن أتجول
في أماكن يخشاها معظم الناس،
مثل منطقة دادلي في وقت متأخر من الليل.
اللعبة هي أنك لا تعرف ما الذي سيحدث وأنت هناك،
وغالبًا ما يحدث أمر ما.

يُصاب أحدهم بالرصاص ويهوي في الشارع،
فيقول بعض الأشخاص:
"يا رجل، هذا مؤسف".
لكن معظم الآخرين سيقولون:
"هل رأيت ذلك الرجل حين أطلقوا النار عليه؟
كان المشهد مذهلًا، يا رجل!
هل رأيته كيف ركض؟
كيف سقط؟
كيف صرخ مثل فتاة؟
أصابوه في الرأس، يا رجل.
هشّموا دماغه.
كان الأمر أشبه بفيلم سينمائي، يا رجل.
صرخ مثل فتاة!".

إنه يوم الثلاثاء. الريح تهزّ النوافذ.
لا أحد في الخارج،
على الأقل لا أحد أستطيع رؤيته.
ابني يرتدي قميصًا رياضيًا آخر،
ومعطفًا ضخمًا محشوًا بريش الإوز.
عمره خمسة عشر عامًا،
أصغر من جولز بعام،
وأكبر بعام من ذلك الطفل
الذي رأى جولز يفتح النافذة
ليرد على من نادى اسمه،
وليجدد هواء الغرفة.

في بعض الأوقات، أمقتُ مهنة الصحافة.
تخيفني هذه القصص.
الأصوات أكثر واقعية مما ينبغي،
والألوان أشد سطوعًا.
أعيد الشريط إلى الوراء،
وأفتحُ ملفًا آخر على الحاسوب،
وأسمعُ ابني يصيح مودّعًا
ثم يغلق الباب بقوة وهو في طريقه إلى الخارج.

أركض إلى النافذة.
نعم، رأسه مغطى.

هوامش المترجم:
1 ــ شعر السْلام (Slam Poetry)  : نوع من الشعر الأدائي يُلقى شفهيًا أمام جمهور حي، وغالبًا ما يُقدَّم في مسابقات تُعرف باسم أمسيات السْلام الشعرية. ظهر هذا النوع من الشعر في الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين، ويولي أهمية خاصة للإلقاء والإيقاع والانفعال والتفاعل المباشر مع الجمهور. وكثيرًا ما يتناول قضايا شخصية واجتماعية وسياسية، ويستفيد من تقاليد الشعر الشفهي ومن شعر الـ"هيب هوب" والأداء المسرحي.
2 ــ تستحضر قصيدة "أسود، صُبّ مباشرةً في الجرح" مأساة إيمت تِل، الفتى الأسود البالغ من العمر 14 عامًا الذي اختُطف وقُتل في ولاية مسيسيبي عام 1955، وما خلّفه مقتله الوحشي من أثر في أمه مامي تل موبلي، وفي الذاكرة الأميركية. بعد إعادة جثمان إيمِت إلى شيكاغو، اتخذت مامِي قرارًا شجاعًا بعرض جثمان ابنها المشوّه في تابوت مفتوح، كي يرى الناس ما تعرّض له. ونُشرت صور جثمانه على نطاق واسع، وأصبحت من العوامل المهمة التي أسهمت في تنشيط حركة الحقوق المدنية. لذلك، فإن مامي في قصيدة باتريشيا سميث ليست مجرد أم مفجوعة، بل تصبح شخصية تستكشف سميث من خلالها حزن الأم، والعنف العنصري، والذاكرة والمعاناة التاريخية للأميركيين السود.
3 ــ كُتبت قصيدة "الرئيس يحلّق فوقنا" في أعقاب إعصار كاترينا الذي ضرب نيو أورلينز وساحل الخليج الأميركي عام 2005، وتستحضر التحليق المثير للجدل للرئيس جورج دبليو بوش فوق المناطق المنكوبة في 31 آب  أغسطس 2005. تتخذ سميث من هذا المشهد رمزًا للمسافة السياسية والإنسانية بين الرئيس وضحايا الكارثة، ولا سيما السكان الفقراء والسود في نيو أورلينز.
4 ــ "فنٌّ حارق: مدينة فيرغسون، 2014"، يشير العنوان إلى مدينة فيرغسون بولاية ميزوري الأميركية، حيث قُتل الشاب الأسود مايكل براون، البالغ من العمر 18 عامًا، برصاص ضابط الشرطة دارن ويلسون في 9 آب/ أغسطس 2014. أثار مقتل براون احتجاجات واسعة في مدينة فيرغسون والولايات المتحدة، وأصبح رمزًا للاحتجاج على عنف الشرطة والتمييز العنصري، وارتبط اسمه بتصاعد حركة "حيوات السود مهمة" (Black Lives Matter) . تستحضر الشاعرة في هذا النص جثمان براون، ومشهد الاحتجاجات، وما أحاط بها من عنف وفوضى، لتحوّل موته إلى صورة عن استمرار مقاومة السود، وعنف السلطة في آنٍ واحد.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.