ترجمة وتقديم: عماد فؤاد
تقديم
مَن هو "ميكي ماوس" الحقيقي؟ وإلى ماذا ترمز شخصيته؟ هل ترمز إلى البراءة الطفولية أم إلى اندفاع الشباب؟ إلى الرأسمالية الفاسدة أم إلى الجشع التجاري؟ إلى الغرب المتحضّر أم إلى الماضي العريق؟
في ذكرى مرور 100 عام على ميلاد أشهر ابتكارات والت ديزني (1901 - 1966)، تقدّم الناقدة والباحثة الهولندية شارلوت ريمارك، في مقالها التالي، تأمّلًا نقديًا عميقًا في شخصية ميكي ماوس، متجاوزة بذلك السطح البريء لأشهر فأر في الثقافة العالمية، لكنه ليس أي فأر، إنه فأر "أميركي بامتياز".!
ترصد الكاتبة مسار ميكي ماوس منذ ولادته الغامضة في قطار يعبر سهوب الغرب الأوسط الأميركي، مرورًا بلحظته الفارقة في فيلم Steamboat Willie (1928)، والذي غيّر وجه السينما المتحركة تمامًا، وصولًا إلى تحوّل ميكي ماوس إلى رمز تجاري عالمي، يتربّع على مملكة ترفيهية تهيمن على الخيال الجماعي في جميع أنحاء العالم. مشيرة إلى أن ميكي ولد في لحظة تاريخية فاصلة من الثقافة الأميركية، ولم يعد اليوم مجرد شخصية كرتونية يتسلّى بها الأطفال، بل تحوّل إلى أيقونة ثقافية متعدّدة الأوجه، تحمل في طياتها تناقضات الحلم الأميركي نفسه. لذلك تطرح ريمارك سؤالها المحوري: من هو ميكي الحقيقي؟ هل هو ذلك المخلوق البريء الذي يرمز إلى الطفولة والمرح، أم أنه وجه آخر للرأسمالية الجشعة، ورمز للإفراط الاستهلاكي الذي يحياه إنسان العصر الحديث؟
تكشف ريمارك عن المفارقة الأساسية في شخصية ميكي؛ فهو مخلوق يعيش في حالة من الجمود الأبدي؛ لا يشيخ ولا يموت، في حين أن مبتكره والت ديزني رحل منذ عقود. هذا "الخلود المصطنع" جعل من ميكي أداة مرنة يمكن توظيفها لأغراض متباينة: فهو في أميركا رمز للتفاؤل والإرادة الأميركية، وفي ألمانيا الوجودية صار شخصية تتساءل عن هويتها وسط بحر من المقلّدين والناسخين، وفي الشرق الأوسط تحول إلى أداة دعائية سياسية، توظّف في برامج الأطفال التابعة لحركة حماس. إن قدرة ميكي على التكيف مع السياقات المختلفة تثير تساؤلات حول طبيعة الرموز الثقافية وكيفية إنتاجها للمعاني.
كذلك يتعمّق المقال في الجانب البصري لميكي، وتحديدًا في تلك الأذنين المستديرتين اللتين أصبحتا توقيعه المميز. فبينما تتبع أذناه قوانين المنظور الواقعي، إلّا أنهما تظلان دائريّتين من أي زاوية. هذه المفارقة البصرية، كما تشير الكاتبة، تعكس طبيعة ميكي الرمزية التي تتجاوز الواقع إلى أفق من الخيال النقي. لكن هذا التجريد البصري نفسه هو ما جعل منه سلعة قابلة للتكرار والاستنساخ غير المحدود.
"ميكي ماوس" يبلغ الـ 100: فنّ صناعة الأيقونة (2-2)
كان آخر ظهور لميكي كشخصية متعددة الأبعاد في فيلم "فانتازيا"، تراجع بعده إلى الخلفية بوصفه نجمًا سينمائيًّا "مشاغبًا"، وأصبح دونالد داك، الشخصية المقاتلة، هو الوجه الحربي لاستوديو ديزني، سواء في المواد الدعائية أو في الفيلم القصير "دونالد يُجنّد" Donald Gets Drafted، وحتى القصة الشهيرة التي تقول إن القوات الغازية استخدمت اسم "ميكي" خلال سنوات الحرب كـ"كلمة سر" في يوم النصر D-Day، هي أيضًا محض خرافة. بل إن الفيلم الروائي الطويل الذي أُنتج بعد الحرب بعنوان "المرح والخيال" Fun and Fancy Free (1947)، والذي لعب فيه ميكي دوره الرئيسي الأخير، كان قد فقد بريقه بالفعل عند صدوره.
حسنًا، قد يبقى نجم شاب مثل ميكي، حتى ولو فقد بعضًا من بريقه، ذا قيمة لا تنكر بالنسبة لرجل أعمال ماهر مثل والت ديزني، شريطة أن يتم تسويقه بوصفه شخصية رمزية موثوقة. في عام 1955، عاد ميكي وبقوة؛ ظهر "نادي ميكي ماوس" على شاشة التلفزيون، وافتتح متنزه "ديزني لاند" (كان اسمه المؤقت "ميكي ماوس لاند") أبوابه للزائرين، وهو متنزه ترفيهي غيّر معايير جميع المتنزهات الترفيهية في جميع بلدان العالم، إذ كان تجربة غامرة تمامًا جعلت الواقع خارجها غير مرئي، واستشعر الزائرون قوة إمبراطورية ديزني من خلال حواسهم مجتمعة، تلك القوة التي تكمن في الحنين إلى الماضي، إذ تستحضر الشوارع والأزقة القديمة والألعاب، وحتى الإشارات إلى مسقط رأس ديزني وبلدة مارسيلين، عصورًا أميركية انقضت منذ زمن بعيد.
تجذب المتنزهات، تلك "اليوتوبيات المحاطة بالأسوار" التي تشكل تباينًا صارخًا مع العالم الخارجي، (بدءًا من الواقع القاسي لمواقف سياراتها، التي أطلق عليها الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في تحليله لديزني اسم "معسكرات اعتقال") ملايين الزوار يوميًا، وتستحوذ منذ عام 1955 على خيال المثقفين القلقين، رأى أومبرتو إيكو فيها تمساحًا إلكترونيًّا، ثم زار مستنقعًا حقيقيًّا حيث لم يتمكن من رؤية التماسيح إلّا بصعوبة، وخلص متأملًا إلى أنه كاد يشعر بالحنين إلى ديزني، حيث "يمكن للتكنولوجيا أن تمنحنا واقعًا أكثر مصداقية أحيانًا من الطبيعة".
من يزور اليوم متنزهات ميكي حول العالم سيصاب بالدوار من كثرة صور ميكي الموجودة في كل مكان؛ فالمناشف على أسرة الفنادق ملفوفة على شكل ثلاث دوائر، وأحواض السباحة لها أذنان دائريتان، وبلاطات الأرصفة والنوافذ تبتسم لك أيضا من خلال دوائر ثلاث. وعندما تجلس لتناول الطعام، تشعر فجأة بيد محشوة تربت على كتفك بحنو يزيدك ارتباكًا. لكن الحكمة تقول إن من يضع نفسه في بؤرة السلطة والاهتمام طويلًا يتعرض تلقائيًا للنقد والغيرة، ومع نجاح ديزني كشركة، لم يتحول ميكي إلى رمز للجشع التجاري فحسب، بل وأيضًا للانحراف العسكري.
مقالب ميكي... سياسيًا
انتقد الكاتب الأميركي جيمس أ. ميشنر ديزني في الستينيات بشدة قائلًا: "ميكي ماوس هو أحد أكثر التأثيرات الثقافية كارثية التي أصابت أميركا على الإطلاق، ذلك المتفائل الأحمق الذي كان يخرج أسبوعًا بعد أسبوع في أفلام ملونة لخوض معركة ضد كتيبة من القطط، ويهزمهم دائمًا بخدعة ذكية تلو الأخرى. أظن أن الضرر الذي ألحقه هذا الفأر الأحمق بالنفس الأميركية لن يتم تقييمه بدقة إلا بعد خمسين عامًا، لكنني حتى الآن ألقي بجزء كبير من اللوم في حرب فيتنام على الموقف السطحي من الحياة الذي شجعته رسومنا المتحركة".
بعد أكثر من خمسين عامًا على قول ميشنر عبارته هذه، يمكننا اليوم ربط المواقف الترامبية من الحياة بأكملها بسلوك ميكي ماوس، لا سيما الاعتقاد الأميركي بأن كل شيء في العالم في متناول اليد. على الرغم من أنني آمل أن يكون العكس هو الصحيح، وأن يكون ميكي انعكاسًا للروح الأميركية، وليس العكس، وإلا ستكون فكرة مخيفة إلى حد ما.
أصبح اسم ميكي مرتبطًا إلى الأبد بكل ما هو غبي أو تافه منذ حرب فيتنام. وبعد جيل واحد من انتهائها، انتقد الممثل الأميركي كورت فونيجت حكومة جورج دبليو بوش، ووصفها بأنها "الأشخاص الذين استولوا على حكومتنا الفيدرالية، وبالتالي على العالم، من خلال انقلاب على غرار مقالب ميكي ماوس". وفي فرنسا، وصفت الصحف اليسارية الرئيس نيكولا ساركوزي، الذي كان قد تولى منصبه للتو، بأنه خائن لمُثُله العليا، بعد أن ظهر مرتديًا أذني ميكي ماوس خلال زيارة إلى ديزني لاند باريس. وبعد النتيجة الغامضة للانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2000، نشرت إحدى الصحف الشعبية اللندنية على صفحتها الأولى العنوان التالي بأحرف كبيرة: "يا لها من طريقة ميكي ماوس في إدارة البلاد"!
ولكن بالرغم مما ذكرته آنفًا، لم يتمكن أحد قط من دحض حقيقة أن شخصية ميكي هي صورة ناجحة تمامًا وخالدة. وقد استلهمت الأذنان المستديرتان البارزتان في عام 1965 من شخصية ميكي السوفياتي، وهو المتفائل "تشيبوراشكا" Cheburashka برفقة صديقه "التمساح جينا" Krokodil Gena الذي يعزف على الأكورديون. وفي عام 2007، بثت قناة تلفزيونية مرتبطة بحماس برنامج الأطفال "رواد الغد". وعلى مدار خمس حلقات، لعب دور البطولة حيوان يُدعى "فرفور" وكان من الواضح تمامًا أنه ميكي ماوس. وعندما علمت ديزني بالأمر، مارست ضغوطًا على البرنامج لاستبدال "فرفور". ونجحت في ذلك؛ ولكن بعد أن ظهرت حلقة من البرنامج نفسه يموت فيها "فرفور" شهيدًا من أجل فلسطين: "لا تتخلّى عن الأرض يا فرفور!" ليحل محله ابن أخيه النحلة "ناهول".
تجميد الطفولة
تكمن أيقونية ميكي كأقوى ما تكون في مدى اتساع الرموز التي تشير إليها شخصيته المسطحة، أقوى حتى من كونه نجمًا سينمائيًّا نشطًا. إذ ترمز شخصيته إلى كل شيء، وإلى كل ما تشاء. ترمز إلى البراءة كما هي الحال في فيلم "رواد الغد". كما إلى الشباب والمرح والبساطة، وأيضًا إلى الرأسمالية الفاسدة، وجشع الغرب، والماضي المثالي.
يعزف عازف التشيلو الروسي الشهير مستيسلاف ليوبولدوفيتش روستروبوفيتش (1927 –2007) عند نقطة تفتيش "شارلي"([1])، ومن خلفه صورة لميكي مرسومة بالرش على جدار برلين المهدم. وتقف مادونا في وضع أنيق على السرير وهي ترتدي أذني ميكي، بينما يقوم فنانون مثل آندي وارهول وروي ليختنشتاين بإعادة إنتاج صورة ميكي وتفكيكها مرة تلو المرة. وقد خلدت خدمة البريد الأميركية الفأر الشهير على خمسة طوابع بريدية. أما روبرت لانغدون، بطل رواية "شيفرة دافنشي"، فيرتدي في معصمه ساعة ميكي ماوس "كتذكير يومي بإبقاء قلبك شابًا".
ما الذي نشعر به الآن تجاه ميكي؟ لم ينشأ جيلي على اعتبار ميكي بطلًا أو حتى رمزًا للحنين إلى الماضي، بل كوجه لإحدى أقوى الشركات والمحركات الثقافية في عصرنا. النجوم الصغار الذين كانوا يرقصون قبل بضع سنوات في "نادي ميكي ماوس"، ينهارون اليوم تحت ضغط العمل الذي تفرضه ديزني. تفوز ديزني في قضية تلو الأخرى. أما الصورة الأكثر ثباتًا في عصرنا هذا فتأتي من مسلسل "ساوث بارك" South Park، حيث يظهر ميكي كرئيس لشركة والت ديزني، ليهدد فرقة موسيقية من الفتيان غير المنضبطين بمنشار كهربائي قائلًا: "هل تظن أن الله هو من يدير الأمور هنا؟ أنا من يدير الأمور هنا! وأنا كذلك منذ الخمسينيات، في حال لم تكن قد لاحظت ذلك بعد".
بدأ وجه ميكي المعروف يكتسب طابعًا مخيفًا، كصورة متداعية لإله يزداد قوةً باستمرار، خاصة مع الانتشار الواسع لصورته، بعينيه الفارغتين وصوته الحاد العالي، والقفازات التي تثير ارتباطات لا إرادية بالخنق، وزاد الأمر حقيقة أن وجه ميكي غالبًا ما يُستخدم على شكل قناع لتغطية الوجه الحقيقي، أضف إلى ذلك كله تلك البراءة العنيدة لابتسامته الساذجة التي توحي بذنب خفي. وأخيرًا حقيقة أن ميكي لا يحتاج حتى إلى وجه أو صوت ليُعرف بهما، بل تكفيه أذنيه الدائريتين.
ومع ذلك، لا يزال هناك أتباع مخلصون جدًا لـ"الفأر ميكي". نشرت مجلة "ذا نيويوركر" مؤخرًا مقالًا يسلط الضوء على عدد مذهل من محبي ديزني البالغين الذين يعانون من ديون مالية هائلة. إنهم ينفقون أموالًا لا يملكونها للذهاب إلى المتنزهات باهظة الثمن، ويغرقون أنفسهم في الديون أكثر فأكثر لتكملة مجموعاتهم من الأقنعة والقمصان والدبابيس وأطقم الأواني وبالأخص الأذنين، أذني ميكي المتوفرتين بجميع أشكالهما، وكلما كانت نادرة كلما كانت مرغوبة. وهذا يخلق صورة يسهل السخرية منها لشخص بالغ تمامًا، لكنه يتعامل مع أمواله كطفل، وليس أي طفل، بل هذا الذي يرتدي أذنين ويقضي وقته في عالم من الخيال الناعم.
ومن المقارنات التي قد تنطبق جيدًا هنا أن "بالغي ديزني" هؤلاء قد تجمدوا تمامًا في حالة من عدم النضج، التجمّد نفسه الذي يشاع أن جسد والت ديزني قد خضع له بعد وفاته في غرفة سرية تحت لعبة "قراصنة الكاريبي" في متنزه أناهايم بفلوريدا، لأنه كان يأمل أن نكتشف الحياة الأبدية يومًا ما ونقوم بإذابة جثته. ولكن للأسف، هذه شائعة تنفيها ابنته بشدة، من بين آخرين.
بين الأصل والنسخ
من المهم هنا مقاومة إغراء السخرية، وترك المقارنات "المجمدة" مع مرحلة الطفولة جانبًا. ودعنا نتساءل: ما هي حاجة "بالغي ديزني" الحقيقية؟ عن ماذا يبحثون؟ ربما عن عالم يبدو أكثر وضوحًا وأمانًا وعمقًا من العالم الحقيقي الذي لا يستطيعون فهمه. إن استعداد ملايين الأشخاص حول العالم لدفع آلاف الدولارات في مقابل التمتع الوهمي بهذا الشعور، ربما لا يعبر عن طفولتهم بقدر ما يعبر عن ندرة مثل هذه المشاعر في حيواتهم - وحيواتنا - اليومية. ربما يكون الأمر ببساطة هو الاحتياج إلى مكان يمكنك فيه المشي على الأقدام إلى متاجر أصحاب الأعمال الصغيرة الودودين، وهو أمر لا يحظى به الأميركي العادي اليوم، ناهيك عن الحاجة إلى مجتمع يتفهم مثل هذه المتع الصغيرة. ولكن... ما الفرق إذًا بين أن تستبدل رأسك بزوج من الآذان الكبيرة، أو بعت روحك لميكي؟
هل لا زلنا نتذكر صرخة ميكي في القصة الألمانية المصورة حين قال: "يا للهول! لا شيء سوى ميكي ماوس! كيف سأثبت الآن أنني الحقيقي الوحيد؟".
يتبين في النهاية أن هذا السؤال ليس صحيحًا. فميكي باق على قيد الحياة حتى يومنا هذا للسبب نفسه الذي جعله يصرخ صرخته هذه؛ بالضبط لأنه لم يعد هناك أصل له، بل صار نسخة من ملايين النسخ حول العالم، وفي حين أن نجوم السينما يموتون، ويُستبدل السياسيون بسياسيين أسوأ منهم، يظل الفأر ميكي يتكاثر بدون إرادة منه. ومع ذلك، يظل السؤال يراودني: ها! من هو ميكي الحقيقي؟
انظرْ إلى الثقوب السوداء في أذنيه وستتساءل معي: من هو ميكي الحقيقي؟
من يريد أن يتعرف على شخص ما، فعليه أن يسأله عن أحلامه.
هناك فيلمان قصيران من ثلاثينيات القرن الماضي، أحدهما يرى فيه ميكي كابوسًا، والآخر يرى فيه حلمًا. فيلم "كابوس ميكي" معبّر جدًا: يمتلأ بيت ميكي بعشرات الأطفال الرضع، الذين أصبح مسؤولًا عنهم فجأة، وهي مسؤولية لا يستطيع تحملها على الإطلاق. وينتهي الفيلم بشعور من الراحة؛ فقد كان كل ذلك مجرد حلم. وفي فيلم "حفل العرض الأول لميكي" Mickey’s Gala Premier، يحلم ميكي بما يريده حقًا: يُعرض فيلمه لأول مرة، ويحضر جميع نجوم السينما البارزين في ذلك الوقت، ويهتفون له.
هل أنت بهذه البساطة يا ميكي؟
هل أصبح "الفأر"، الذي كان يومًا ما تجسيدًا للمثابرة والحلم الأميركي، رمزًا الآن لبلوغ الأحلام المؤجلة، والشباب الأبدي، وانعدام المسؤولية، واللمعان والمتعة السطحية على حساب السعادة الحقيقية في الحياة؟
ميكي ماوس بسيط بقدر بساطة أميركا. دعوني أعبّر عن ذلك بطريقة أخرى: إنه بسيط بقدر ما نرى نحن أميركا. أو كما كتب جون أبدايك لاحقًا، نما ميكي ليصبح "أكثر إبداعات الثقافة الجماهيرية الأميركية ديمومةً وانتشارًا في القرن العشرين".
والآن، مع انتهاء القرن العشرين الطويل، يُزعم أننا نقف على أعتاب نهاية عصر الثقافة الجماهيرية. في الوقت الذي أصبحنا فيه جميعًا أميركيين! منذ ظهوره الأول، وطوال القرن العشرين كله تقريبًا، ظل ميكي يركب الموجة العملاقة التي لا مفر من قوتها، وهي موجة الترفيه الشعبي. فقد الفأر هويته، لكنه كسب بذلك شيئًا أكثر قيمة بكثير: الحياة الأبدية. لقد نجا من القرن العشرين بكل حروبه ومجازره وصراعاته، ولا يزال معروفًا بنفس القدر الذي كان عليه بالنسبة لطفل من عام 1930 أو جندي في فيتنام. نحن لا ننظر إلى ميكي نفسه الذي كانوا ينظرون إليه آنذاك، ومع ذلك نتعرف عليه على الفور. والسر... يكمن في أذنيه.
هوامش:


تحميل المقال التالي...