}

جديد السينما

ضفة ثالثة 23 يونيو 2022


فيلم Trees of Peace

من زاوية مغايرة، يعاين الفيلم الرواندي الأميركي الروائي الطويل Trees of Peace "أشجار السلام"، تأليف وإخراج ألانا براون Alanna Brown، المأساة الدموية الرواندية، في تسعينيات القرن الماضي، بين قبيلتيّ التوتسي والهوتو.

براون التي ترجع ببشرتها السوداء، على ما يبدو، إلى أصول رواندية، لم تكن تريد لفيلمها المنتج عام 2021، والمتاح عام 2022، أن يتحوّل، فقط، إلى مرافعة عدلية جنائية ضد من ارتكب المذابح من قبيلة الهوتو في تلك الشهور المنقوعة بدم زهاء مليون رواندي من قبيلة التوتسي، رغم احتواء الفيلم على شكل من أشكال الإدانة. هي أرادته، بغض النظر عن وقوع أحداثه من عدم وقوعها، مرافقة وجدانية نفسية قيمية، لمعاناة أربع نساء يجدن أنفسهن دون سابق إنذار داخل قبو يُغلق من الأعلى، ولا يفتح إلا من الخارج، وضعهن زوج واحدة منهن هناك لحمايتهن من المقتلة الكبرى الجارية في شوارع رواندا على آلاف أقدام وسيقان القبيلة التي فقدت في لحظة غرائزية همجية عقلها وضيعت صوابها، فصارت تقتل على الهوية.

ليس مصادفة، إذًا، أن الزوج فرانكوس (أدى دوره تونجاي كيريسا) ينتمي إلى قبيلة الهوتو ممن لا يؤيدون ما يجري ويرفضون الذبح الذي أدمى روح الوطن. وليس مصادفة أن أقاربه من القبيلة المتهمة بدم مئات آلاف الروانديين يطلقون على أمثاله من المعتدلين العقلانيين، لقب المتقاعسين، ويعدمونهم بعد منحهم فرصة (التوبة) والانخراط في القتل بمختلف أدواته الممكنة حتى لو كانت سيفًا غير حاد يحزّ الجلد بقسوة بشعة مثقلة بالقبح، في حالة رفضوا فرصة (التوبة) تلك. فكل هذا وذاك، ووضع براون امرأة من نساء القبو تنتمي إلى قبيلة التوتسي، وواحدة أميركية جاءت للتغطية الصحافية، والرابعة قسيسة لم توضح لنا المخرجة/ الكاتبة لأي قبيلة تنتمي، كله ليس مصادفة، بقدر ما شكّل، بمجمله، ولضمه إلى بعضه، مفردات ضمن السردية الكليّة للفيلم، القائمة على إدانة القتل، وكذلك إدانة التخندق الجمعيّ الغرائزيّ غير المحتكم إلى العقل، كما حدث مع موتيزي (بولا كوليووشو) المنتمية إلى التوتسي عندما استنفر معرفتها بأصل Annick (إليانا يوموهيرا) كل مجسات الكراهية داخل وعيها ولا وعيها، وتمنّت لو أنها بقيت في الشارع وذبحت بسكين حافية على أن تقبع لزمن مجهول إلى جوار امرأة من قبيلة من قتلوا كل أسرتها، دون أن تحاول إدراك اختلاف Annick عن الهيجان السائد، ورفضها دوامة القتل المسعور.

في عالم القبو كل شيء مختلف، هذا ما تركز عليه المخرجة/ الكاتبة، وما تترك موسيقى الفيلم تشير إليه، وكذلك إضاءته وألوان تأثيره، ونبض القلوب الموجوعة داخله.

81 يومًا قضتها النساء الأربع داخل قبو صغير مظلم بأقل الماء وأقل الطعام (واظب فرانكوس على تأمينهن ببعض الماء والطعام كلما وجد دربًأ آمنًا، فقبيلته لن تسامحه، حتى لو كان منها، إن عرفت ميليشيات القتل فيها، أنه يرسل الماء والطعام لمختبئات من المجزرة، ومن بينهن واحدة من التوتسي)، وبلا تلبية لحاجات بيولوجية من مثل الذهاب إلى الحمّام: "في القبو لم نعد نحيض، ولم نعد نتبوّل"، ولكنهن وجدن، بعدما نجون، الشفاء، ووجدن أنفسهن، أو بالأحرى أعدن اكتشاف أنفسهن، وأنقذن أرواحهن، قبل أن ينقذن أجسادهن، إضافة إلى إنقاذهن الجنين في رحم Annick، وهو الحمل الرابع لها بعد ثلاثة إجهاضات. منحن الجنين اسم إيلايجا، وتناوبن على إحاطته، حيث يقبع في قبوه الخاص، بالحب والحدب والأمل.

هذا ما أرادت براون أن تقوله في 97 دقيقة، ولعل رواندا بمجملها كانت بحاجة إلى اختبارٍ قاسٍ إلى كل هذا الحد، كي تتعافى وتنهض من جديد.

فيلم عن متوالية الليل والنهار داخل مربع صغير لا تعود هذه المتوالية تعني فيه شيئًا. عن كتابة الأيام وتعدادها، كما في السجون، على جدران الروح. عن الزحف عند حواف الانغلاق بلا أي أفق. فيلم ينبغي تجربته، تجرّعه زفرة.. زفرة، وليس، فقط، مشاهدته.

الناجيات من الإبادة الجماعية، قدن في رواندا، بحسب ما كتبت المخرجة على شاشة الفيلم بعد نهايته، إعادة تأهيل قائمة على التعافي عبر التسامح، وعددهن اليوم في حكومة بلادهن، أكثر من أي دولة أخرى في العالم.
 

لقطة من فيلم  Trees of Peace



فيلم 
Downton Abbey: A New Era

بنفسٍ كلاسيكيٍّ فاخر، يتحرك الفيلم الإنكليزيّ الروائي الطويل Downton Abbey: A New Era "دير داونتون: عصر جديد" تأليف سيمون كيرتس وإخراج جوليان فولويز.

ورغم أن الفيلم هو، بشكلٍ من الأشكال، متابعة لفيلم روائي طويل تلقّت فيه عائلة كراولي وموظفو داونتون زيارة ملكية من ملك وملكة بريطانيا العظمى، إلا أن الفيلم الجديد (2022)، مكتفٍ بدقائقه الـ(124) بذاته، تتصاعد مشاهده لتحكي عبر الصورة والموسيقى والأداء الإنكليزي الرزين الثقيل، حدوتة الفيلم الذي يعاين مآلات طبقة النبلاء، ويجوب الأسرار المتوارية خلف ستارة مخملية.

ما يسمى في الفيلم ديرًا هو في الواقع قصر مهيب، يعرض منتج أفلام استئجاره لتصوير فيلم صامت، وهي الحبكة الرئيسية الثانية داخل أحداث الفيلم، إضافة للحبكة الأكثر إثارة والمتعلقة بماضي سيدة القصر الجدة العجوز Isobel Merton  إيزوبيل ميرتون (أدت دورها المخضرمة بينيلوب ويلتون Penelope Wilton)، التي يتبيّن أنها كانت قبل 60 عامًا من تاريخ أحداثه، على علاقة بماركيز فرنسي، أهداها، تعبيرًا عن امتنانه لأسبوع قضاه معها، قصرًا في الجنوب الفرنسي.

العائلة بأسرها، أبناء إيزوبيل وبناتها وأحفادها وحفيداتها، يعيشون جميعهم في داونتون بطوابقه ومفرداته الفيكتورية القوطية العريقة، وغرفه الكثيرة، وقبو الخدم الذين يشكلون، في سردية الفيلم، حبكة موازية لها أحلامها وخصوصياتها وتطلعاتها وهمومها، وحتى اقتراحاتها التي يستمع إليها، أحيانًا، سادة القصر.

فيلم مرح، مشبع بالأحداث، مزدحم بالشخصيات، ممتلئ بالزمن الذي اختاره (تدور أحداث الفيلم في عام 1928)، غير بخيل ببهارات الكوميديا الناعمة داخل حواراته ومواقفه. فيلم عن أسرار المرأة التي لا يعلم خزائنها إلا الرب في علاه. عن دهشة الأمكنة، وظلال الطبقية التي سكنت أوروبا زمنًا طويلًا. إلى ذلك، يرصد الفيلم التحوّل من السينما الصامتة إلى الناطقة، ويوجّه كاميرته نحو مفهوم النجومية، ويريدنا أن نصبر على حوارات الإنكليز عندما تخرج الكلمات حرفًا.. حرفًا.. بكامل امتلاء الشفاه بتلك الحروف، وبالقدر المهيب من الجزالة التي يريد الإنكليز أن نؤمن باحتفاظهم بها. عن الحب من غير موعد، والكياسة في غير موضعها. عن كبير الخدم الذي لا يريد ولا مرّة، أن يتريّث، ويعترف أنه لن يكون في يوم من الأيام واحدًا من النبلاء.
 

لقطة من فيلم Luzifer



فيلم 
Luzifer

يصعّب الفيلم الألمانيّ الروائيّ الطويل Luzifer "إبليس" تأليف وإخراج بيتر برونر Peter Brunner، على نفسه وعلينا، ممكنات التعاطف مع حدوتته.

يسوقنا من كلاليب فضولنا إلى غابة طلاسمه، وزواريب طقوسه، ووحشية تفاصيله، وانزوائها في الزاوية الضيقة لدلالات الشيطان والرحمن في وجدان أمٍّ وابنها الأقرب لشخص من ذوي الإعاقة، أو هكذا فعلت به سنون الغابة المسكونة بالطواطم والذاكرة الأليمة والغضب الإنسانيّ المريض من التعاليم، ومن مدوّنات الكتب المقدّسة.

يسوقنا إلى عرج الإيمان البرّي، واختلال التعاطي المنفلت من عقاله مع التعاليم، ومتى نتطهر من دنس، ومتى نتوقف عن ممكنات الغرق فيه حتى الثمالة.

رجل بعقل طفل، مطلوب منه أن ينقذ أمّه من أوهامها، واعتلالاتها، وغضبها من زوج تركها رغم أنها مَن قتلته استجابة لإبليسها المقدس. هذا الرجل، وبقدراته العقلية تلك، يصبح، رغم إرادته، إلهًا وشيطانًا في الوقت نفسه.

فيلم عن اكتشاف الإيمان وتحسّس أطيافه من خلال السينما، وموسيقى البداءة الأولى، عن الوساطة المظلمة، والحماسة الدينية، والعزلة، وسوء معاملة الطبيعة. الأداء تشرّب مختلف تعقيدات الحالة التي تمثلها الشخصيتان الرئيسيتان داخل أحداث الفيلم. عبّر عن الإثم، وموبقات الجسد، والإرث الثقيل من المحافظة على شجر الغابة، وفي الوقت نفسه، المحافظة على رماد الراحلين، وفق أدائية طقسية تجلّى فيها التفاني لحظة التمثيل. هذا ما أجاده الابن جوهانيس (أدى الدور فرانز روغويسكي Franz Rogowski)، وما تفوّقت به على نفسها الأم ماريا (سوزانا جينسن Susanne Jensen).

 

[إعداد: م. جميل خضر]

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.