}
قراءات

"كقزم يتقدم ببطء داخل الأسطورة"... إصبعٌ أخير بيد المدينة

طارق إمام

28 أكتوبر 2019
يشبه تكوين الكتاب الشعري "كقزم يتقدم ببطء داخل الأسطورة" للميس سعيدي (دار العين للنشر، 2019) تشييدَ مدينة.

مدينةٌ هي هذا الكتاب، ليس فقط لأن المدينة سؤاله الحارق، ولكن لأنه نصٌ ينهض بخارطة، يحتفي في سبيلها بالقيم المكانية على مستوى علاقاته الشعرية: التجاور والتباعد، الأعلى والأسفل، والأمام والخلف. نصٌ يحاكي بنية مدينة الجزائر نفسها، يرسم حدودها شعرياً، حيث الامتداد رأسي، لمدينةٍ تتوسع من حيث ترتفع لا من حيث تتمدد، صانعاً بدوره قصائد سُلّمية، درجاتها السطور الشعرية.
"سلالم آلجي، قصائد محشورة في نصٍ طويل/ تتخلله فراغات بيضاء": سطرٌ شعري يكاد يكون في جوهره تعريةً للتقنيةٍ الشعرية كلها. مقاطع هذا النص هي السلالم، وكل سطر شعري درجة سلّم عوضاً عن الشطر، حركةٌ رأسية صعوداً ونزولاً، وهي حركةٌ سرديةٌ أيضاً، تتخللها "فراغات بيضاء" هي الفواصل/ الوقفات الوحيدة الممكنة وقد غابت العناوين والأرقام، فلا أسبقية لأحدها على الآخر، لأنه، وباستعارة بنية السّلم، فإن الدرجة الأولى لدى الصعود هي ذاتها الدرجة الأخيرة عند النزول.
عبر هذه التقنية تنهض المدينة، حثيثاً، بأبوابها الخمسة (واحد في الحاضر وأربعة في الذاكرة)، والبحر، وذوات تتحرك بين خارج وداخل، وبين السفوح والأسطح، لتُشكّل، في الأخير، "آلجي" شعرية، مادتها الكلمات.


التأريخ كنشاطٍ تخييلي

التأريخ: إنه هاجس الكتاب الشعري الصادر عن دار العين بالقاهرة، وهو معوله لإعادة تشييد المدينة شعرياً. ربما لم تلتفت قصيدة النثر العربية الجديدة كثيراً لسؤال التأريخ، بل ربما انشغلت أكثر بإنكار الهويات متململةً من قصائد القوميات التي وسمت عقوداً من المشهد الشعري العربي وصلت ذروتها مع ظهورها الأول. غير أن نص سعيدي يبدو مشغولاً بتقديم طرحٍ شعري تاريخاني، يتعرف على هويته عبر قصيدة النثر بالذات، كون الاثنتين سؤالين مراوحين وقلقيْن. ليست الهوية هنا يقين القوميات الراسخ المهدد من الآخر، بل سؤال الفرد وهو يرى الهوية تهدد نفسها من داخل شرطها دون حاجةٍ لعنصرٍ من خارجه.
المدينة ما بعد الكولونيالية؟ ربما. ترميم مكانٍ تحسباً لاندثاره؟ ربما أيضاً، فجميع المدن، حسب ميشال أجيي في كتابه "أنثروبولوجيا المدينة": "مهما كانت ضخمة، أو عملاقة، عالية أو ممتدة، كثيفة أو غير متجانسة، محكوم عليها بالتحول، وهو شكل من أشكال اختفائها".
تختلف المقاربة الجمالية "التاريخية" عن نظيرتها "التأريخية" في عنصرٍ حاسم: أن الأخيرة تقارب التاريخ بوصفه "متخيلا". من ثم، يغدو موضوعاً لكلا المخيلة والذاكرة الفرديتين، ما يتيح لكل فردٍ على حدة تأسيس تصوره عن التاريخ دون الرضوخ لشرط الذاكرة الجمعية، التي يغدو التاريخ تبعاً لاتفاقها سلطةً فوقية تُلامس المقدس.
المدينة تُشيَّد قدر ما تستعاد، كموجودٍ تجريبي وكأثرٍ في الذاكرة معاً. إنه تناقضٌ ما، حين يتعلق الأمر بنصٍ يعترف بالثنائيات، لكن نص سعيدي يحتفي بذلك الالتباس، بل ويؤكد عليه. ربما من أجل ذلك ينهضُ عناق الرصد المشهدي مع الاسترجاع، دائماً في لحمة واحدة، كأن البصر صنو الذاكرة، وحيث تحيا المدينةُ زمنين على شرف الزمن الشعري الواحد: زمن يوحّد الحضور والغياب.
ويُؤسِّس النصُ جغرافيته على مستوى البنية بالطريقة نفسها التي تُبنى بها المدينة، حيث البنى التحتية، الاستعمالية، تنهض بالبنى الفوقية، الاستعارية. نص لميس سعيدي هو نفسه الاستعارة الواقفة على أرض كنايتها، وهو الصورة كاستخلاصٍ أخيرٍ، ليس للواقع، بل للغة.
في سبيله لذلك، يرصف النص الثنائيات المرعية ليجعل التهجين سمتاً. ظاهرياً، سينتهي القسم الأول الذي تحتله المدينة لصالح قسمٍ ثانٍ بطلته الذات، لكنه يبقى فصلٌ إجرائي، إذ يبعث كلاهما الآخر ويعيد تأويله. سيُلقِّح أفقٌ سردي جل المقاطع الشعرية التي تترى ومعه سيلتبس الأسطوري بأشد اللحظات اليومية مبذولية. أفقٌ لم يخش أن يستعير عنوانه من أفق محكية، فـفعل التقدم ابن السرد وشرطه الزمن، والأسطورة حكاية كبرى لم تقع في الواقع لكن رحاها دارت في المخيلة، والقزم شخصية تتوفر على إحالاتها السردية كشخصيةٍ نبعها الحكاية.


نفي اللغة أم نفي الواقع؟
أي واقعٍ تحيل إليه اللغة؟ الأدق: أي واقعٍ بمقدور اللغة أن تدّعي أنها تطابقه أو، حتى، تحاكيه؟
من اللحظة الأولى، من السطر الأول في التوطئة الافتتاحية، تُفصح اللغة عن مأزقها: "يعيش في بلاد، لا يُجيد أبناؤها تسمية الحرب القديمة". العجز عن التسمية ليس فقط عجزاً عن خلق دال يشير لمدلول قائم، إنه عجز عن ابتعاث الواقع، فالواقع اللا مسمى لا يغدو موجوداً. بعبور التوطئة، يتأكد المأزق، مع السطر الشعري الأول: "في تلك البلاد يسمون البحر الهادئ زيتاً".
اللغة تُكذّب الواقع. إنه دخول مباشر في الاستعارة، حيث يستبدل دالٌ بآخر ليشير إلى مدلول لا يحيل إليه وفق المنظومة الاتفاقية في إنتاج المعنى.

اللغةُ سؤالٌ ملح هنا. ليس فقط لأن ذلك بديهي حين يتعلق الأمر بنشاطٍ لغوي اسمه الشعر، لكن لأن السؤال يتجاوز لغة الشعر المنزاحة غير التداولية ليشمل من يتعاطون اللغة على مستوى الاستعمال. "البلاد"، ومن بعدها "تلك البلاد"، تغريبٌ حتمي لحين العثور على تسمية مناسبة للمكان نفسه حيث تدور القصائد. حتى اسمٌ كهذا، معروفٌ سلفاً وموروث وجاهز، يغدو مأزقاً. "الجزائر" لا تساوي "دْزاير"، وكلاهما لا يساوي "آلجي". دالٌ قادمٌ من فصاحة المعجم، آخر ابن اللسان المحلي، وثالثٌ مستعار من معجم الغزاة. أيها سيكون اللافتة "المعتمدة" للمدينة الشعرية؟ وأي المدن الشعرية، بالتالي، ستكون المسمى وفقاً للاسم؟
"التسمية": إنها تتجاوز نفسها كلافتة، لتغدو موقفاً إيديولوجياً. لا يساوي الدال "حرب" نظيره "عشرية سوداء"، ولا يمكن لكلمة "غزاة" أن تُستبدل ببساطة بكلمة "مستعمرين"، حتى وهما تشيران للمرجع نفسه. كل تسميةٍ سيجري تأسيسها هنا ستظل هي، مؤكدةً على عمدية انتقائها دون أخرى. إلام يحيل اسم مثل كريم بلقاسم الآن؟ أهو شهيد، أم شارع، ممر أم نهج؟ هل تساوي أنا جريكي اسمها المستعار "كوليت"؟ أهي المُدرسة أم المناضلة أم الشاعرة؟ أي هوية من بين هوياتها يشير لها الاسم الرسمي، وأيها يحيل إليها الاسم المستعار؟
ألهذه الدرجة يمكن أن تفقد المسميات جوهرها وأن تتكاثر الهويات حد التيه؟ نعم، تحتل الآية "علّم آدم الأسماء كلها" هامة إحدى القصائد، لكن الذات الشاعرة هنا تعرف أنها لا تتوفر على تلك المعرفة، حد أنها تدين لكونها شاعرة، بهذا النقص: "حين عثر على كلمة شِعر/ كان يعرف أن العالم هو تلك الأشياء القليلة التي يعرف اسمها". هنا ذاتٌ لا تجرؤ حتى أن تحلم بأن تختصرها كلمة، قانعةً بالتفكير في نفسها كحرفٍ بالكاد، حرفٍ لا يقيم دلالة ولا يحيل لمعنى. وحتى باختيار حرفٍ كالثاء، ففقد النقاط نفسه وارد، لـ"يقضي باقي عمره، خلف متراس الأسنان المغلقة".
ماذا إذاً عن الاسم لميس، أهي امرأة لينة الملمس كما يقول المعجم، أم أميرة فرعونية لم يرغب والدها في أن يهبها للنيل كما يخبرها عابر؟ أهي قاطنة "قصر بعيد" أم ساكنة بناية في نهج كريم بلقاسم بالذات؟ أهي شاعرة عمودية لم يعد لها من وجود على محركات البحث أو أراشيف القصيدة العمودية، أم شاعرة قصيدة نثر يحمل هذا الكتاب نفسه اسمها؟
شأنها شأن المدينة، تواجَه الذات بقلق التسمية، "تشاجر أبي مع موظف البلدية، الذي رفض تسجيل اسمي بحجة أنه اسم غير عربي"، كأن لميس هو الوجه الآخر لـ"آلجي"، وكلاهما مطعونٌ في هويته بدءاً من الاسم.
ثمة مجازٍ آخر كبير يقرأ حيرة اللغة، ويمنح، ربما، قدراً من إجابة: "غير أن القرويين الذين لم يعثروا يوماً على كتالوج استعمال تلك المنازل- ولا كتالوج يساعدهم على إصلاح أعطابها/ استعادوا حيلةً قديمة من تراث الأجداد: راحوا يقتلعون تلك العيون/ عيناً، عيناً/ ويثبتون مكانها عيوناً خشبية- بلون عيونهم". هنا، ثمة "المهرب" (ولا أقول الحل) "اللغوي" القائم بالفعل: محاكاة شكلانية تعاد تعبئتها بمداليل مغايرة. أليست هذه نفسها هي فلسفة اعتماد الاسم "آلجي"، الذي تركه الغزاة؟
"آلجي"، إذاً، هي مدينة هذا النص ولميس هي ذاته الشاعرة. وبين المدينة المراوحة والذات المراوحة، ثمة النص المراوح: نص تهجين حيث قلق الهوية يحل محل يقينها.
يتجاوز سؤال اللغة الذوات الإنسانية ليشمل التساؤل عن لغة الموجودات. حسب هذه التجربة الشعرية، يملك كل موجود لغته، سواء كان علامة سيميوطيقية صاغتها الثقافة كالبنايات، أو ابناً حياً للطبيعة وللحيوان والطير والنبات.
ربما بسبب ذلك يقترن التعبير عن اللغة، دائماً، بالعلامات غير اللغوية. لا تغفل الذات الشاعرة عن ذلك، فيما يتسع طموحها، لا فقط لتسبغ اللغةُ الأسماءَ على العالم، بل لكي يتعرف العالمُ على لغته: "لا يعرف أية لغةٍ تتحدّث بها بنايات تلك المدينة/ مع أنه يكلم الجدران منذ سنواتٍ طويلة". على جانب آخر، فإن "الجدران لا تعرف سوى لغة البنائين"، مقدمةً موقفها الإيديولوجي من "السكان البرجوازيين الذين يتحدثون بلغةٍ أجنبيةٍ مع أبنائهم/ فقط لتستأنس الجدرانُ بلغة مصمّمها". لن يبتعد ذلك الانشغال عن كائنات الوجود الطبيعي: "العصفور الذي أُنقذه ليلة كل جمعة/ بمكنسة ووابل من التوبيخ بلغة أجنبية/ أحب أن أفكر أنها لغته".
شعرياً، تراوح اللغة بين الكنائي والاستعاري، في لحمة واحدة. بين كنائيةِ "يقفزون، كحبات البطاطا التي تقطعها الأمهات"، المدعومة بكاف التشبيه، كأداة بلاغية كنائية، واستعارية "لكي لا يبتلع الأطفال/ يقطعه الفقراء من حين لآخر بقوارب صغيرة وحادة الأطراف"، وهو المستوى المفارق الذي يغدو فيه البحر نفسه حبة البطاطا، والقارب السكّين. هذا مجرد نموذج، يمكن تعميم آلية اشتغاله على كافة القصائد، متأرجحةً بين أفق كنائي أقرب للتداول وفق منطق المحاكاة، وآخر استعاري يستمد وجوده من شرطه الداخلي وواقعه الخاص.


الأسطورة: محكية القمع
ما الأسطورة؟ هي، باختزال، محكية، قارة في الوعي الجمعي، تملك قوة الحقيقة رغم أنها تجافي الواقع. وهي رغم ذلك تُستعاد عبر الذاكرة رغم أنها لم تقع، لتكون إحدى الأدلة الدامغة على أن التاريخ يتسع للمتخيل.
الأسطورة أيضاً أداة تعبئة، سطت عليها الإيديولوجيات، وأعادت تعبئتها لتصبح خطاباتٍ لتمرير القمعٍ، فليس أفضل للقمع من تحويل التاريخ إلى محكية. الأسطورة هنا تسم كل شيء: الأعلام التاريخية، المدينة، وحتى الذوات الأكثر تهميشاً.

بداءةً، تشترك المدينةُ والذات الشاعرة في أسطورةٍ واحدة، أفقها الوحيد قيامي، يتجاوز الفناء للمحو الكامل. "يوماً ما، ستعود آلجي إلى البحر الذي جاءت منه/ حين علِقت بشبكة أحد الصيادين/ الذي تركها على الشاطئ/ ريثما تنشف قليلاً/ ..../ نسيها ولم يستعجل رميها في البحر". يمكن أن نعد هذا المقطع "محكية" بنفس قوة حضوره كقصيدة. إنها أسطورة المدينة كموجودٍ شعري، وهي منذورة للعودة من حيث أتت. البحر خلق المدينة، ثم خلق لها الغزاة بقدر ما منحها الأبناء. بالمقابل، أو بالتقاطع، يعلق جسد الذات الشاعرة أيضاً بصنارة صياد، يدين لها بوجوده، ويخشى أن يعود ليعلق بالصنارة نفسها، ليعود من حيث وُجد: "تأكدتُ من أنهم وضعوه تحت التراب هذه المرة/ لكي لا يعلق مجدداً بصنارة الصياد". كلا جسد المدينة وجسد الذات انتُشل من البحر بطريق الخطأ، فيما كان صيادٌ أو إله يبحث عن صيدٍ آخر. كلاهما، في الحقيقة، أصبح الموجود ذاته، فالمدينة يابسة، وكذلك الجسد.
يتجاوز البحر كونه بطلاً لأسطورة، ليصبح هو نفسه أسطورة المدينة والنص، كمطلق، كإله، يدير ظهره للمرفأ. هل ينتمي البحر للمدينة؟ إنه يمنحها الغرق، والغزاة. البحر صنو "الآخر"، صنو زرقة عينيه، فيما ينتقم من الحدود، هو العابر للقوميات والهويات، وحيث الحدود "تضع وسطاً ما، تافهاً ولا قيمة له غالباً، تحت الضغط والتوتر"، حسب ريجيس دوبريه (في مديح الحدود).
تنتقم المدينة لنفسها، هي المقموعة في أسطورة تطل عليها رغم أنفها، باختراع أسطورةٍ، تكون فيها هي القامع.
تصنع المدينة أبوابها "الأسطورية"، غير قانعةٍ بوظائفها الاستعمالية أو الجمالية حتى. أبواب قمعٍ تفقد دلالتها الجوهرية: العبور. "تلك الأبواب الأسطورية، كما يصفها المرشدُ السياحيّ/ حيث كان يُعلَّق المجرمون كما تُعلّق الفوانيس في أوَل الليل/ وفي شارع "قْطَّاع الرْجل"، كانت تُقطع أرجل المارة الذين يخترقون حظر التجول في الأوقات الحرجة". أسطورة سطت عليها الإيديولوجيا لتُدوِّر آلة قمعها، محولةً التاريخ الدموي إلى حكايةٍ خمدت قسوتها ولم يتبق منها سوى سحر تخييل: "قطاع الرجل ليس شارعاً/ قطاع الرجل زقاق طويل غير مظلم ويفضي إلى البحر/ هكذا كان يتحول المتمردون إلى عرائس بحر". القمع، بالضرورة، يفضي للبحر، ربما لأنه بحاجةٍ في كل لحظة كي يتحد بخالقه، كونه يشترك معه في المادة الفعالة نفسها.
الأسطورة في قبضة الإيديولوجيا، وهي تصنع أيقوناتها، التي تدحضها الذات الشاعرة، منتصرةً لـ"دادا" الذي غدرته الأسطورة، على "سيدي عبد الرحمان" القابع في مركزها: "الجميع ينسى صلوات دادا التي هزمت الإسبان/ وينسبون النصر إلى بركات سيده الذي رحل عقوداً قبل المعركة". إنها الأسطورة نفسها التي تحول تمثالاً (أيقونة خلود) إلى "مجنون الحي": "مجنون الحي كان سيداً في حياةٍ سابقة/ بالأحرى، كان تمثالاً لفنان أو عالِم مهم"
يفكك "كقزمٍ يتقدم ببطء داخل الأسطورة" أسطورته بلا هوادة من حيث يعيد تدويرها. وهو في سبيل ذلك يستعير بنيتها ليخلق نصوصاً شعرية مشبعة بالسردية. لكن تفكيك الأسطورة لا يقف عند هذا الحد، إذ يجري توظيف العنصر السردي نفسه في النهوض بقصائد أسطورتها هي غياب الأسطورة، ومادتها أشد تفاصيل الواقع اليومي مبذولية، تترك أثراً هو عدم التصديق وليس العكس، لا تغيب السخرية عن مسامه. هكذا تُقنع الذات الشاعرة بأن أريكةً مستعملة في سطح قد هبطت من السماء "فسلالم البناية- كالعادة- ضيقة/ والمصعد الخشبي، لا يتسع سوى لشخصين نحيلين/ لكنها، بلا شك، كعروش تلك المدينة/ تقذفها الملائكة أو الطائرات أو حتى مؤخِّرات الحمام/ ثم تعجز دائماً عن النزول".
الذاتُ الشاعرة لن تلبث أن تلتفت للأسطورة التي بات عليها جسدها، لتفككها. هكذا سيصبح الجسد موضوعاً خارجياً، يمكن استعارته بقدر ما يمكن خلعه كالرداء: "حين شرعتُ في استعماله بشكلٍ طبيعي/ أخبروني بأن مدة صلاحيته أوشكت على الانتهاء/ وأنني إذا أردت الاستمرار في الحياة/ عليّ أن أعيده إلى المصنع، لأستلم واحداً جديداً/ مقابل أن أدفع بدلاً بسيطاً: حياتي الماضية".
من المدينة إلى الذات، ومن التاريخ للجسد، ستحصل الأسطورة على تحوّلها الأفدح، كأيقونةٍ استهلاكية: أسطورة ما بعد الحداثة وسؤالها الأثير، فيما تصنع أسطورة العالم الجديد، أسطورة هدفها الزوال وليس البقاء.



القصيدةُ موضوعاً للقصيدة

يعري نص لميس سعيدي تقنيته من داخله، بطريقة الميتافيكشن، كنصٍ واعٍ بنفسه، ذاتي الانعكاس، وحيث الكتابة، وليس فقط المدينة أو الذات، موضوعاً للكتابة، واللغة موضوعاً للغة. لن يكف النص عن التساؤل حول الشعر، في غير موضع، ما يجعل هذا الكتاب الشعري في أحد أوجهه العميقة، هو المشغول بسؤال الهوية، تساؤلاً عن هوية الشعر بالذات، وهو يحاول تعريف نفسه، بالأحرى، ليدشن، بنفسه، قوانين طبيعة القصيدة الماثلة في "كقزم يتقدم داخل الأسطورة": "ليصبح الشَعرُ العالق في حوض الحمام وفي الأكل وفي الركن حيث يتكوّم مع الغبار، ليشكل كائناً صوفياً، وعلى كتف العاشق/ وفي المِشط القديم/ شِعراً". نعم، هنا شعرٌ مادته البقايا، بقايا التاريخ والحياة اليومية معاً. هنا أيضاً شعرٌ يبحث عن القصيدة في المحكية: "نحكي قصصاً طويلة عن الجنّ والأخيلة/ صار السرد جزءاً من القصيدة". هنا شعرٌ حائرٌ في لغته، عاجزٌ، ورافضٌ في الوقت ذاته أن يكون "متسقاً" أو "منسجماً": "يشبه التأتأة/ كسرنا العمود، وبنينا بقطعِهِ الصغيرة سلالم طويلة/ تقطع الأنفاس". هنا شعرٌ لا يحتفي بالمعنى المكتمل، ذلك أنه قانعٌ بأن لا وجود لمعنى نهائي أو لنصٍ تام: "القصائد بنايات غير مكتملة". هنا شعرٌ يتساءل عن جدواه، فائضٌ عن حاجة العالم الذي لم يعد يأبه، تكتبه الذات "كمن يدون عناوين أطباء وسباكين وعمال صيانة/ في آخر الأجندة، بعد أن تنتهي الحروف/ حيثُ دونّا أسماء الأصدقاء". هنا شعرٌ يبحث عن قدميه، عن طرقه من ثمّ، حيث "الشين التي انكسرت في كلمة شِعر/ لا تزال تمشي بعكازتين، وأحياناً بعكازةٍ واحدة".
ومثلما يعري النص تقنيته الشكلانية من داخله فإنه بالآلية نفسها يعري آلية عمل لغته وطبيعتها: "بعدما طردوا الغزاة/ عاش سُكان هذه المدينة، بلا كنبات في بيوتهم/ لسبب غامض، أخذوا البيوت ورموا الكنبات/ وفي غرفةٍ واسعة/ ظلوا يدعونها الصالون/ وضعوا أثاثاً هجيناً/ جنس ثالث بين الكنبة والسرير". إنه مجازٌ عميق للغة الشعرية، لقد أخذوا البيوت ورموا اللغة، أو بمعنى أدق، حولوها لجنسٍ ثالث، لتصبح هجين لغات ولهجات، هجين يسم المستوى الاستعمالي والجمالي معاً.
أليست لغة قصيدة النثر نفسها "جنساً ثالثاً" أيضاً بين "شعر" و"نثر"، أليست لغةً "بينية" يصعب ردها لجذرٍ نقي؟ ألم تحصل من تراثها الشعري على البيت لتضع فيه أثاثها الهجين؟
"كانوا يدعونه: مطرحاً". قصيدة النثر، وفق تصور هذا الكتاب، هي هذا المطرح المراوح نفسه.
في أدبيات الميتافيكشن، يمثل وعي النص بآلية عمله بل وكشفه عنها، نقضاً للإيهام الشعري، ومن ثم تعريةً للقناع. إن الذات الشاعرة، وفي سبيل ذلك، تعري آليات حضورها النصي نفسه، وهي تتأمل، بنفسها، المسافة بين الوجه والقناع. هنا تنهض التعرية الأعمق، والتي تخص طبيعة الذات الشاعرة ودورها، متصلةً بكشفها، بنفسها، عن نفسها. ثمة لميس، اسمٌ حاضر للذات الشاعرة. كم من الشعراء جازفوا بتقريب المسافة إلى هذا الحد؟ قليلون. ثمة قصيدة سابقة للميس سعيدي من مجموعتها "إلى السينما" مضمنة داخل قصيدة جديدة هنا، ليغدو التناص ذاتياً حتى. الشاعر يعلن عن هويته، مخففاً وقع "الواقع الشعري" المنفصم عن خارجه. الشاعر (وتُفضّل لميس استخدام المذكر حتى وهي تشير لنفسها شعرياً)، يكتب قصيدته، الآن وهنا.

باب المدينة.. باب الذات
خمسة أبواب للمدينة، خمس أصابع في قبضتها، تقلصت لإصبعٍ أخير، تُشهره، تهديداً أو غضباً أو تلويحاً ببذاءة.

مدينةٌ، تتجسد هنا "كرجلٍ فقد أصابع يديه الأربعة في الحرب". لماذا تضحي المدينة المؤنثة رجلاً فور استسلامها للمجاز؟ ولماذا يحدث الشيء نفسه مع الشاعرة؟
بابٌ بات مدخلاً أخيراً، تدلف منه لميس، تقريباً بطريقة بطل عنوانها نفسه، القادم من سرد الطفولة، باحثاً لنفسه عن موطئ قدم في قصيدة النضج.
تُفضل الذات الشاعرة الباب الضيق الذي منه يدخل المحررون على الباب الواسع/ البحر الذي يخرجون منه، منفيين أو موتى. البحرُ، لأبناء المدينة، باب خروجٍ فقط، وحتى "أكتب الشعر أحياناً/ كمن يدون عناوين أطباء وسباكين وعمال صيانة/ في آخر الأجندة، بعد أن تنتهي الحروف/ حيثُ دونّا أسماء الأصدقاء".
حينما يغادر الغزاة، يصبح المنفى هو الغرق. البحر، الذي يدخل عبره الغزاة، البحر الأزرق كعيونهم، والذي يسرح ككدمة، خلفوها هم بالذات، في جسد المدينة.
هنا مدينةٌ تفقد كل شيء، وليس فقط أبوابها. تفقد "بناياتها البيضاء/ الواحدة تلو الأخرى/ كما تفقد امرأةٌ عجوز أسنانها". وتفقد قاطنيها في البحر "يتركون جثثهم داخله، كالقرابين"، ولن تلبث أن تفقد نفسها كليةً. إن ذلك يحدث كما لو كان طواعيةً، هل استسلمت المدينة أم أنها، ببساطةٍ، شاخت؟
الباب الضيق هو أيضاً قصيدة النثر، المتخلّصة طوعاً من كل مجدٍ سالف، بابٌ أخير لشاعرٍ يحيا الآن، يتساءل عن دوره، عن مكانه بين الغرفة والعالم.
الباب الضيق، الباب الأخير، "باب الجديد". الجدة هنا تشير لاندثار تاريخٍ من أبوابٍ أسطورية، صارت بالكاد لغطاً في لسان مرشدٍ سياحي. إنه باب الواقع أيضاً وهو يُحل اللسان محل التدوين، ليصبح شاهداً على دارجةٍ تُحوِّل قاطنيها إلى "جيتو": "وقد تحوّلت الفتحة المبسوطة فوق حروف لغة أهلها، إلى دائرةٍ ضيقةٍ ومغلقةٍ تماماً". الدائرة المقصودة هي "السكون"، ومنه "تسكين" الحرف: "صارت القَصَبَة، قصْبة/ والسَماء، سْما/ والصَباح، صْباح/ والجَديد صار جْديد".
تقف سعيدي غالباً عند "القصبة"، نواة المدينة وجوهرها، لكنها تقف عالقةً لا لائذة أو مستقرة، حيث لن تكفي دائرةٌ فوق حرف لتسكين ذاتٍ تبحث عن معجمها. باحثةً عن تأريخٍ لمدينة الأبواب الخمسة: أصابعها التي تلوَّح بها للجميع، الأبناء والغزاة على حد سواء، والتي باتت تهدد، بما بقي منها، الأبناء فقط.
تقف سعيدي في البرزخ، ملوّحةً بدورها بما تبقى من أصابعها لمدينةٍ، لا تخشى فقط أن تفقدها، بل تدرك أن ذلك حادثٌ لا محالة. 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.