}
عروض

"سير الشعراء".. ما بين السيرة الذاتية والتخييل الذاتي

عمر شبانة

25 يوليه 2022


ما السّيرة الذاتيّة؟ وما السيرة الذاتيّة للشاعر تحديدًا؟ وما السّيرة الشعرية؟ وبمَ تختلف عن سيرة الناثر، وعن السيرة النثرية؟ من يضع الحدود الفاصلة بين هذه كلّها؟
كتاب الشاعر والناقد المغربي، د. عبد اللطيف الوراري، "سِيَر الشّعراء.. من بحث المعنى إلى ابتكار الهويّة" (دار فضاءات ـ عمّان)، يشتغل على موضوع السيرة الذاتية و(الشعرية) لدى الشعراء تحديدًا، فبعد مقدمة نظرية معمّقة وموسّعة، يختار عددًا من الشعراء العرب، ضمن تجارب الشعر العربي المعاصر، فيضعهم قيد الدراسة، التفكيك والتحليل والخلاصات، ويوزّعهم في "ثيمات" وعناوين يجمع عددًا منهم في ثيمة، أو باب، أو يفرد لواحد منهم بابًا خاصًّا.


في الجانب النظريّ
في تقديمه النظريّ للكتاب، يشير الوراري إلى البُعد السّير ـ ذاتي في القصائد والبيانات والمقدمات التنظيريّة لدواوين عدد من الشعراء، ويقوم ضمن جهده النظريّ، كما التطبيقيّ، بالبحث في تعريفات لمفهوم السيرة الذاتية أساسًا، ومفهوم السيرة الذاتية الشعرية أيضًا، ويقوده بحثه إلى تعريف السيرة الذاتيّة الذي وضعه فيليب لوجون، الذي عرّفها بأنّها "حكيٌ استعاديّ نثريّ يقوم به شخص حقيقيّ عن وجوده الخاصّ، عندما يركز أساسًا على حياته الفردية، ولا سيّما على تاريخ شخصيته". وفي التفاصيل، يضيف الناقد ما تنطوي عليه السيرة من شكل اللغة من خلال الحكي نثرًا، وموضوع الحياة الفردية، ووضعية المؤلف التي تتمثل في تطابقه مع السارد والشخصية، عدا المنظور الاسترجاعيّ للحكي.
كثيرة هي المحاور والأسئلة التي يخوض فيها الوراري، ومن ذلك، وفي باب "تخييل الهوية"، يعرض سؤال الهوية في العبور من السيرة الذاتية إلى التخييل الذاتي، حيث الهوية ستصبح سيرورة ضدية تنجم عن هويّات متعدّدة، والسيرة بدورها تبحث بشكل استرجاعي عن هوية موحدة، أما مؤلّف التخييل الذاتي فهو يخترع ذواتٍ ممكنة. ويستعير الوراري مقولة سيرج دوبروفسكي عن العلاقة بين السيرة الذاتية والتخييل الذاتي "ما يميز السيرة الذاتية أساسًا من خلال معارضتها بالتخييل الذاتي هو أن الأمر يتعلق بنوع يكتب دائمًا في الماضي.."، ويستنتج أن الهوية ليست كيانًا مستقرًّا، بل سيرورة وضدية، ويرى أن مجد الهوية كامن في أنها متغيرة.


قراءات تطبيقيّة
ضمن هذا النطاق لمفهوم السيرة، والاستعانة بمفاهيم مكرّسة أخرى، يتحرك الناقد تطبيقيًّا، من دون أن يفارقه الجانب النظريّ، ويتصدّى لقراءة سيَر ذاتية وشعرية لشعراء عرب معروفين، بينهم شاعرة واحدة هي الفلسطينية فدوى طوقان، فربّما كانت أو تكون، في اعتقاده، الشاعرة العربيّة الوحيدة التي كتبت سيرتها الذاتية، وفي فصل حول "شفافية اللغة، عمل الذات"، والبحث عن الحافز لكتابة السيرة الذاتية؛ بين النوستالجيا والبحث عن القارئ.




يكتب الوراري عن كتاب فدوى طوقان وسيرتها "رحلة جبلية، رحلة صعبة"، مقترحًا عنوان "البوح الأسير"، ومستعينًا بكتابات عن السيرة الذاتية النسائية، مثل كتاب لطيفة بصير "سيَرهنّ الذاتية: الجنس الملتبس"، وتحليل الناقد حاتم الصكر لما يسمّيه "الصراع السيزيفي في سيرة فدوى"، وحديث الناقد محسن جاسم الموسوي عمّا يسمّيه "أخوة نسويّة شعرية". والتفاصيل كثيرة في هذه السيرة وقراءتها.
ولكثرة المحاور التي يكتب فيها الناقد وعنها، سنشير فقط إلى أبرزها. وفي البداية، يقدم تحت عنوان "السيرة الشعريّة بوصفها كتابة مضاعفة"، والسيرة الذاتية الشعرية، بعض الكتب/ السيَر لعدد ممّن كتبوا سيرة شعريّة، بدءًا من غازي القصيبي وسيرته "سيرة شعرية"، ومحمد بنطلحة وسيرته "الجسر والهاوية"، ومحمد الريشة وسيرته "قلب العقرب". وتحت عنوان "عمل اللغة بلا ميثاق" يقرأ الناقد "الجندب الحديديّ" لسليم بركات، حيث اللغة تقابل عنف المجتمع وبِنياتِه السوسيوثقافية بعنف مجازيّ أقسى يطلق الطاقات الإبداعية، ويكسر الحدود بين الشعري والسردي، ويهتك كل ميثاق خارج هذه اللغة بمنأى عن القول الناجز المكتمل نصيًّا. وفي أبواب لاحقة، يتناول تجربة العُماني سيف الرحبي مع الجبال، ووديع سعادة مع البؤس والفقر والمنفى.
وينتقل الناقد إلى ما يسمّيه "جماليّات محكي الطفولة"، بمثابته من جنس السيرة الذاتية، حيث الملفوظات الذاتية التي "لها معنى بالنسبة لنا، وهي قابلة للتشبّع بعواطف قوية"، و"الصعود من دون أي قطيعة مع الحاضر المعاش إلى الأحداث الأبعد في طفولتي"، حسب بول ريكور، بحيث تتحول الذكريات إلى التخييل "واختلاق صوت طفوليّ" بحسب لوجون. وفي الفقرة الأولى، من هذا الفصل، حول "البئر الأولى" لجبرا إبراهيم جبرا، وبعنوان "هندسة الخيال النّاشئ"، يتناول الناقد كيفية التصرّف بذكريات الطفولة البعيدة اختصارًا وحذفًا، واستعادة البراءة المفقودة بإعادة بنائها عن طريق الخيال.
ومن العناوين/ المحاور البارزة في الكتاب "الطفولة بوصفها تجربة"، وفيه يتوقف الوراري عند كتاب "فراشات هاربة"، وهو سيرة للشاعر المغربي، عبد الكريم الطبّال، ليكشف عن الطفولة بوصفها بؤرة للسيرة، وعن ذكريات الطفولة ما بين السيرة والخيال، مع الاحتفاظ بروح الطفولة، عبر استعادة مكان الطفولة وتفاصيله (الأم، السينما والنزوع البطوليّ الحالم والمخلّص، المجاهدون المغاربة، وأعطاب الحرب الأهلية الإسبانية)، وذلك كله ضمن روح تميل إلى الصوفية.
ومن بين كتب السيرة المؤثرة التي يتناولها الوراري، كتاب "رأيت رام الله" للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، ويسمّي هذه السيرة "سياسات العين اللاقطة"، ومن بين تفاصيل كثيرة يلتقطها الناقد، نشير إلى رؤية البرغوثي لوطنه/ مسقط رأسه بعد منفى طويل "غبش شامل يغلّل ما أراه وما أتوقّعه وما أتذكّره"، ويعتبر الوراري أن المفارقة هنا "تصدر عن ذهن متوقّد ووعي شديد للذات بما حولها"، وقد جعل مريد منها "استراتيجية خطابية"، خصوصًا في رسمه مشهد الجسر والعلاقة مع الجندي الإسرائيلي، الشهداء، وصولًا إلى تسمية العدو بـ"الجانب الآخر".
وفي معالجته لكتاب "متاهة الإسكافي"، وهو سيرة للشاعر عبد المنعم رمضان، يتناوله الناقد باستفاضة لم يُولِها لسواه، في ثيمة "ابتكار الهويّة"، حيث أن الشاعر، صاحب السيرة هنا، يتحرك بين وقائع حقيقية، أو الإحالة على الواقع، وبين السارد المفتون بتخيّلاته واستيهاماته وهلاوسه ومجازاته، فنحن حيال حياة أخرى يُعاد تأويلها واستنطاق تواريخ صمتها. هي سيرة الأب صاحب الكرامات والأم والجدة والأخت والصبايا والأصحاب، وسيرة الشعر والجسد، وسيرة الهوية المتبدلة في شرائطها الاجتماعية والثقافية والأخلاقية. الطفولة ومصادر التأثير المتعددة والمتناقضة، الدينية والفنية والاجتماعية المحيطة وبطلات الأفلام بأجسادهن "السينما فنّ الإيهام بالواقع، والحياة فن الإيهام بالخيال"، حيوات سرية واستيهامات، والمكتبة هي الملجأ، وأولى محاولات الكتابة. هي باختصار سيرة لابتكار الهوية المشتّتة.


سيرة الشعر والذات
من بين السيَر التي تتناول التجربة الشعرية، أكثر من التجربة الحياتية/ المعيشية، وتحظى باهتمام الناقد الوراري أكثر من سواها أيضًا، كتاب "شطحات لمنتصف النهار"، وهو سيرة شعرية للشاعر محمد بنيس، ويكتب عنه الناقد في باب "كتابة المحو وما تنقاد إليه"، فنرى القصيدة والتصور النظري لشاعرها عنها، حيث شذرات من حالة كتابية شخصية لا تتنكر لمآزقها. وهنا، في سيرة بنّيس تحديدًا، تبرز الثنائيات: المغرب والمشرق، المركز والمحيط، القديم والحديث، الذات والآخر. ومن فاس الطفولة والمراهقة والأم (السيدة محمولةً في صندوق..) حتى باريس ومدريد وبينهما مدن كثيرة، و"مشروع لا يكبر إلا بالقلق والمعاناة ومقاومة أهوال الطريق، بحثًا عن حرية مفتقدة"، و"عبور اللغات" من العربية المغربية الدارجة الى عربية القرآن الى الفرنسية، وعبور الثقافات والأيديولوجيات الكبرى، وسؤال "ما معنى أن تكتب الشعر بالعربية في المغرب؟" مثلًا.




هؤلاء هم أبرز من أدخلهم الناقد في "مختبره" النقديّ، وكشف عن "خطاب" السيرة الذاتية والشعريّة لكل منهم. ولعلّ واحدة من الخلاصات المهمّة التي يستخلصها قارئ الكتاب هي أن الشعراء لم يقدّموا في سيَرهم الذاتية ما يمكن عَدَّهُ "اعترافات عميقة ومدهشة" بالمؤثّرات التي وجّهت تجاربهم، فليست لدينا إطلالات معمّقة على عالم الطفولة الخصب بالتصوّرات والممارسات. وهو ما يفسّر "الهروب" إلى المخيّلة والتخييل كما يرصده الوراري.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.