}

سنابل قمح ترويها دماء فلسطينية

مها عبد الله مها عبد الله 24 أكتوبر 2023
لأنها دفاتر تخص شابًا فلسطينيًا خطّ نصوصها خلف القضبان، فهي توحي للوهلة الأولى بأنها تصف نضالًا أودع إثره أحد سجون الاحتلال، إلا أنها مع نضاله تسجلّ موقفه كمعتنق للشيوعية، حين اعتقلته السلطات المصرية في سجونها في أعقاب مظاهرات منتصف القرن الماضي! يتنفس إهداءه الروح الفلسطينية الحرة وهو يهبه بخط يده "إلى شعبنا الفلسطيني في زنازين الأرض المحتلة الذي يرفض أن يستنكر فلسطينيته"، وتشهد دفاتره كذلك على نضال رفقائه السجناء وقد "كتبوا إحدى السيمفونيات الهامة في تاريخ شعبهم"، رغم الحصار والاعتقال والعنف والتشريد والتقتيل، لا سيما حين عملت سيوف الفاشية في رقابهم مع أحداث عام 1959، بعد أن هاجمت مواقعهم ومدارسهم ومراكز نشاطهم، يؤيدها فرمان إباحة سفك دمائهم "فما استنكروا فلسطينيتهم، وما عضّوا الشيوعية"، بل واتفقوا مع رفاقهم المصريين من أتباع الحزب على شنّ الاستنكار بأقلامهم! وعليه، أتت هذه الدفاتر.

يقدّم الشاعر سميح القاسم للدفاتر الذي يعتبرها جاءت في الزمان والمكان المناسبين بغية التصدي لدعاة النكوص والتخاذل والتسليم المذل، حيث "لا الوطن تحرر ولا الشعب استقل ولا الدول ذات السيادة تحققت، وما زالت القدس عاصمة روحنا وتاريخنا وحلمنا، عرضة يوميًا لمشروع التهويد الهمجي".

ومن كتاب "دفاتر فلسطينية" لمارد السنابل معين بسيسو (1928 - 1984) في طبعته الثانية الصادرة عام 2014 عن "دار الفارابي للنشر والتوزيع"، والذي تزيّن غلافه لوحة زيتية له وهو يشتمل بكوفية جاءت تخليدًا لذكراه بعد وفاته في مدينة لندن إثر نوبة قلبية، أعرض صفحات من زنازين العذاب وصفحات أخرى من عذب الذكريات، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر).

صفحات من زنازين العذاب

في البداية، كان الدخان يتصاعد في جو القاهرة كالحجارة التي كان البوليس يتصدى لها بالقصف، ويبحث عن الشاعر الذي لم يكن حينها سوى طالب في الجامعة الأميركية، متخفيًا جائعًا في اللحظة التي كان خاطره يقرض شعرًا يتساءل فيه: "لمن الشارع ومن يملكه؟ نحن أم من يملك الجيش الكبير؟ طردت منه الجماهير التي زرعت من قلبها في القصور... لم تعد تدوي به صيحاتها وهي في ثورتها الكبرى تسير... حاكموها... عاقبوا كل فم صارخ في وجه حفار القبور... هذه أرضي ولن أزرعها جثثًا... بل سنبلات وزهور".

أي شرف يبقى لرجل عمل في القوة البوليسية؟ يكيل معين في الدفتر الرابع سيلًا من ذم في حق من ماتت ذمته، وقد شهد على ما شهد من سوأة الأخلاق: "حينما يتحول أحدهم إلى شرطي مباحث أو مخابرات فهو على استعداد لكي يحلب ثدي أمه ويقدم حليبه كأس عرق". يأتي أبو نحل - وهو أحد عراة الشرف- إلى بيت أم بسيسو التي ربته صغيرًا ليعتقله وأخوته، في خيانة سافرة لكرم المأوى والزاد الذي حظي به وأفراد عائلته حين لجأوا إليهم مشرّدين! يمسك بمعين، فتصرخ آمنة مستنكرة: "جئت تعتقله... لماذا؟ لقد كان يدافع عن أطفالك. لم يبق إلا أن يسلخ جلده ويقدمه له لحافًا". يصوّر معين الموقف بعينه التي كانت تراقب أبو نحل، والذي: "كان يريد أن يخبئ عينيه فنظر إلى قدميه دون أن يدري. دائمًا المباحث ينظرون إلى أقدامهم الكبيرة... الأقدام التي كبرت من فرط متابعة وملاحقة الأيدي التي تكتب". وفي نفس الدفتر، يسطّر معين الغصص التي تجرّعها جرّاء تلك الخيانة... خيانة بني جلدته الذين اقتحموا الدار التي آوتهم يومًا، يعضون الأيدي التي أطعمتهم خبزًا وآمنت روعتهم، فيقول: "سيلقون بي في الظلام الرهيب... سيلقون بي في جحيم القيود... لقد فتشوا غرفتي يا أخي... فما وجدوا غير بعض الكتب وأكوام عظم همو... إخوتي يئنون ما بين أم وأب... لقد أيقظوهم بركلاتهم... لقد أشعلوا في العيون الغضب".

وعن حفاوة الاستقبال التي استهلت فيها المطارق جماجم الرفاق في الزنزانة، تأخذ الحمية أحدهم عندما شاهدها تنهال على معين، إذ أنه "الرفيق القائد". يصف معين تلك اللحظات الجارحة قائلًا: "وعرفوا أنني الكبش، رأس هذا الطابور من المعتقلين الفلسطينيين. وأغمي عليّ من هول الضرب وصحوت، وإذا برأسي بين يدي، ممنوع عليّ أن ألتفت إلى اليمين أو إلى اليسار، إلى الأمام أو إلى الخلف. كان على الرأس الفلسطيني أن يدخل ثقب الإبرة... تحس كأن محراثًا يدور في رأسك... ماكينة الحلاقة تدور ويسقط شعرك، هذا الصوف الفلسطيني المطلوب دائمًا". فيما بعد، تنفلت هراوة على فم أحد الرفاق فيفقد أسنانه، في الوقت الذي يضحك فيه ضابط العنبر ويطمئنه بعدم حاجته للأسنان، فإنه حتمًا "ذاهب للموت". يشتد الوضع سوءًا كما يصفه معين وهو ينتقل بمذكراته إلى الدفتر الخامس، ويقرن ما يجري على الأرض الفلسطينية من مسح مذل، بما يجري عليه وعلى كل فلسطيني معتقل، فيقول: "ماذا فعلوا بالوجه الفلسطيني؟ لقد حلقوا شعر الرأس وحلقوا الحاجبين. ماكينة الحلاقة التي دارت في الرأس الفلسطيني، كانت تدور كالمحراث في الأرض الفلسطينية. لم أكد أعرف أولئك المحكومين معي في الزنزانة، ولكن حينما استيقظنا في السادسة صباحًا على مفتاح وكرباج السجان عرفنا أننا لا يمكن أن نكون غير فلسطينيين".

ليس بالضرورة أن تلسع الكرابيج الظهور العارية حتى تتعالى الصرخات، إذ تتكفل صرخات الرفاق بنقل العدوى، فيصرخ بقية الرفاق للسعات لم تحدثها كرابيج! يلوّن معين هكذا مشهد وحشي بريشته قائلًا: "حينما تخلط لونين يخرج لون ثالث. فماذا كان يحدث حينما كان السجان يخلط بكرباجه مائة صرخة لمعتقل؟ العذاب دائمًا يأتي من خارج الزنزانة، فحينما يبدؤون تعذيب جارك في الزنزانة المجاورة يبدأ العذاب بالنسبة إليك، إنك تنتظر دورك وهم يعرفون كيف يطيلون عذابك في الانتظار، فقد لا يأتي دورك في هذه الليلة ولكن ألسنة النيران قد بدأت تشتعل في عظمك. كل صرخة تأتي إليك من خارج الزنزانة لسان نار، دخان النيران يتسرب من جسد جارك المعتقل، إنهم يذبحونه بالنار ويخنقونك بالدخان".


ثم يطيب الوقت للسجانين حين يلهبون أظهر الفلسطينيين وهم يعانقون العروس! لم تكن تلك العروس التي كان يضاجعها كل الرفاق في اليوم والليلة سوى أداة تعذيب خشبية، تقيّد أحدهم من يديه وتربط رأسها برأسه، وقد سُمح له بخلع قميصه فقط. تبدو كل جلدة في أولها وكأنها تقتلع ضلعًا، لتصبح بعد قليل سيخًا من نار، حتى تترك المغدور في العاشرة كمن سقط في "بركة من النمل". وبلغة شجية لا تخلو من ألم يعلّق معين قائلًا: "كشجرة مضروبة بفأس في ظهرها يخرجك السجان من العروسة ويرغمك على ارتداء قميص السجن وظهرك مسلوخ. لقد تمت حراثة الظهر الفلسطيني". وفي الزنزانة التي وسعت ثلاثة وعشرين رفيقًا، رغم أنها مصممة لتسع جسدًا بشريًّا واحدًا، يتناوبون على الوقوف، وتلتصق بهم قمصانهم لتصبح عملية نزعها في الصباح أشبه بعملية سلخ جلدي. يعترف لهم أحد الجلادين سرًا قائلًا: "كنتم أشجع من رأيته يتزوج تلك العروس الخشبية"، وقد كان من بين (العرسان) شاب في السابعة عشرة من عمره. يتنبأ أحد الرفاق بطول أمد القضاء فيقول: "سوف يطول نومنا في سجن مصر العمومي" لكن معين لم يكن يراه سوى قدر، فيقول: "والزنزانة هي حجرة نوم الفلسطيني".

يُصبح الكلب أداة من أدوات التعذيب والذي كان يأكل اللحم يوميًا في بداية توظيفه، حيث أصبح بعد أربعة أشهر "يمضغ قطعة اللحم فقط ويبصقها إلى جوار القروانة، وعليك أن تمد يدك وتتناولها وتأكلها أمام السجّان". وفي سجن القناطر الذي تختلط فيه أطياف المساجين، والذي كان يضم بين جدرانه عددًا من اليهود الذين تم احتجازهم أثناء العدوان الثلاثي، يحمل الصدى المتردد - مصريًا خالصًا- من زنزانة ما، رجاءً يخص الفلسطينيين وحدهم. يقول معين: "في الصيف يأخذك القطار إلى البحر، وفي الشتاء يأخذك المطر إلى الشجر، ومن بعيد كان يأتي إلينا صوت أحد المسجونين العاديين وهو يصرخ في الليل يحمل البشارة: عنبر فلسطينيين... كله يسمع! ما سجن انبنى على سجين... ولا مستشفى انبنت على مريض... أخوكم المعلم عبد الباسط عبد العال... طالع من عشرين سنة أشغال... عقبال عندنا وعندكم يا حبايب".

ثم يقرر الرفاق مع السجناء المصريين فلاحة مزرعة بزعامة المهندس الزراعي المعتقل بينهم، فالسماد أمكن تصنيعه طبيعيًا من دورات المياه في الواحات، والبذور أمكن تهريبها مع السجين المراسل، أما الماء فكان بالإمكان استدراجه من النبع البعيد. بعد استغراب وضحك مأمور السجن ومن معه، تتم الموافقة ويتم استحضار ثور للحرث، الذي ما أن أتم عدة أيام حتى خرّ فأصبح طعامًا دسمًا للمساجين الذين نسوا طعم اللحم. يصف معين ثمرة جهدهم بعد ذلك قائلًا: "الماء بدأ يسيل من النبع يجري في قناة، والقناة كانت تتحول إلى شرايين والرفاق يصيحون: الماء الماء". يصرّ السجناء المصريون على تخصيص مزرعة للفلسطينيين يفلحونها كما شاءوا، وقد زودوهم بالماء والبذور من غير شرط، أطلقوا عليها "مزرعة غزة".

يهرّب أحد الرفاق راديو ترانزستور يعتبره البقية بمثابة "إله عجيب"، يسمعون من خلاله سيل من أكاذيب يبثها المذيع أحمد سعيد الناعق من ميكروفون "صوت العرب" ينفي بها وجود معتقلين فلسطينيين في سجون مصر الحربية، وكان يصدح هامزًا لامزًا: "يا إذاعة 14 تموز 1958، يا إذاعة عبد الكريم قاسم، اسمعوا أيها العرب". كانت المؤثرات الموسيقية كفيلة بإقناع العرب بهذه الكذبة "إلا أننا كنا في زنزانة ونعرف جيدًا أننا معتقلون". هكذا كان يعلق معين مع رفاقه الذين كانوا يهتفون "كذاب كذاب... لا بد أن يقدم للمحاكمة... نحن هنا".

ليس كل من يقع في براثن السجن ظالمًا، بل منهم الشرفاء ممن يدفع الثمن رصيدًا من عمره! كانت حصص الماء في زنزانة الرفاق شحيحة وقد كانت ترافقهم جرادل البول لأيام حتى يحين وقت إفراغها، غير أن هذا الوضع شهد تحسنًا لاحقًا بفضل اثنين من قطاع غزة. كان الأول تاجر حشيش سابق قد تاب من مهنته التي حاول بعض رجال المخابرات إعادته لها، فاعتقلوه حين رفض. أما الآخر فكان رئيس ميناء غزة الذي كشف تلاعب بعض رجال المباحث والضباط والتجار وعمليات التهريب، والذين اعتقلوه حين فضح. لكن معين - في مفارقة- يعقّب لحظة خروجه من السجن وهو ينظر إلى المشاة قائلًا: "وما أكثر المعتقلين في الشوارع ولكنهم يمشون".

يُفرج عن الرفاق أخيرًا، وأولئك السجّانين - الذين لا يترددون في اعتقال الجنين وهو في رحم أمه- يصافحونهم الآن بعناق، أولئك الذين ما برحوا يصورون فلسطين في "الكلبش والزنزانة والكرباج"، غير أن شجرة الزيتون تبقى خير ما تمثل شموخ الأرض. يقول معين عن هذه اللحظة في خاطرة أكثر شموخًا: "وعليك أن تتذكر أن عليك أن تعتذر إلى الزيتونة حينما تسألها قطعة صابون لكي تغتسل". ومن بعيد، ينهب القطار الأرض في طريق العودة بعد الإفراج، وبعيدًا عن أبراج السجن الحربي التي توارت عن الأنظار "يصبح شباك القطار أجمل ورقة" لدى مارد السنابل الذي ثارت قريحته فجادت شعرًا: "سرتك زهرة عباد شمس... ذراعاك ضفيرتان... يدك هدهد... مشطك في شعرك سفينة وكل خاتم في إصبعك طائر بجع... مخدة سليمان حشوها بالفراشات... وأنا أضع رأسي فوق مجدافك".

صفحات من عذب الذكريات

ومن الصفحات التي ضمت ذكريات عذبة، تبدو لموسم الحصاد ذكرى شاعرية لدى معين... عن سنابل قمح تتنشق شعاع الشموس، وتسكن مع سكون الليل البهيم. يقول: "وكان أبي يأخذني معه دائمًا في موسم الحصاد، وفوق كومة من سنابل القمح كان يضع فروة خروف ويغطيني بفروة أخرى. وهكذا كنت أنام وتحت رأسي سنبلة وفوق رأسي نجمة". ويمضي به والده إلى جانب قناة ماء تفصل بين غزة وبئر السبع حين كان يعلمه الصيد. يقول: "وعلمني كيف أحب الماء الذي تخرج منه الطيور". وبعد طول فراق وفي دفتره السابع، يزوره والده... يبدو حينها كالشجر الذي يموت واقفًا، ويبدو هو كالشبل من ذاك الأسد. يقول: "فلقد كان هو... هو! المتشرد العظيم الواقف أبدًا وغير القابل للسقوط".

أما عن كيف يورق الماء على سبورة العلم أشجارًا بأصابع المعلم الفلاح!؟ فيقول معين وقد تحدث عن معلمه الذي كان يشبه قطرة المطر: "وحينما يتحوّل الفلاح إلى مدرس تتحول الأشجار كلها إلى أصابع طباشير". لكن فلاح غزة لا يأبه بسياج أحاط بأرضه، حيث تأخذه شمس الحقل نهارًا ليحصد قوته، حتى يحمله ليله فوق نعش: "الفلاح من غزة يقصّ بأصابع يديه الأسلاك الشائكة ويذهب لزرعه، يعود بحزمة سنابل ويسقط مثقوبًا بالرصاص... وفي صباح اليوم التالي يعلنون قتل متسلل".

ختامًا، نقول مع معين بسيسو الذي قال في "النزول إلى الماء" ممتنًا لزنزانته: "علمتني الزنزانة السفر إلى مسافات بعيدة، وعلمتني أيضًا الكتابة لمسافات بعيدة"... ومع كل هذا الوجع الذي جاء فلسطينيًا بامتياز ولم يكن يحمل ذنبًا، فقد جادت قريحة الإمام الشافعي من ذي قبل فأطرب إذ قال: "وإني لمشتاق إلى أرض غزة... وإن خانني بعد التفرق كتماني/ سقى الله أرضًا لو ظفرت بتربتها... كحلت به من شدة الشوق أجفاني". 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.