}
عروض

محمود محارب يكشف عمق التوغل الصهيوني بسورية في الثلاثينيات

ضفة ثالثة ـ خاص

6 أبريل 2021

يعالج كتاب "العلاقات السرية بين الوكالة اليهودية وقيادات سورية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى"، للدكتور محمود محارب، الصادر حديثًا عن "جسور للترجمة والنشر" في 496 صفحة، موضوع العلاقات السرّية التي أقامتها الوكالة اليهودية مع قيادات ونخب سورية، ولا سيما السياسية والإعلامية، في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى (1936 ـ 1939). وهو يكشف التاريخ الآخر لهذه العلاقات في هذه الفترة، والمتناقض مع الروايتين السورية والإسرائيلية عن العلاقات بين الطرفين. ويبحث في عمق التوغل الصهيوني في سورية في هذه الفترة، ويتابع سعي الوكالة اليهودية لخلق مصالح مشتركة مع القيادات والنخب السورية المتناقضة مع المصالح الوطنية السورية والقومية العربية والحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني.

ويقول محارب في مقدمة الكتاب: جرت في عشرينيات القرن الماضي وثلاثينياته وأربعينياته، وبخاصة في أعوام الثورة الفلسطينية الكبرى، اتصالات واجتماعات ومفاوضات سرّية كثيرة، بين قيادة الوكالة اليهودية وممثليها، وبين قادة من الدول العربية المجاورة لفلسطين، وكثير من النخب السياسية والإعلامية في هذه البلدان. وقد عالجت كتب ودراسات كثيرة، ولا سيما الإسرائيلية والأجنبية، علاقات الوكالة اليهودية بقيادات أردنية ولبنانية ومصرية في تلك الفترة، ولكن لم تتم معالجة علاقات الوكالة اليهودية بقيادات ونخب سورية في الفترة ذاتها. على النقيض من الاعتقاد السائد المتمثل بعدم حدوث علاقات بين الوكالة اليهودية والقيادات والنخب السورية المختلفة، جرت اتصالات واجتماعات سرية كثيرة جدًا بين الوكالة اليهودية وقيادات ونخب سورية، وفي مقدمتها الكتلة الوطنية السورية، والمعارضة الشهبندرية، وقادة جبل الدروز، في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، ولا سيما أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى.



أرض بكر
ويشير محارب إلى أنه، على الرغم من أهمية موضوع علاقات الحركة الصهيونية بالنخب العربية في العقود الثلاثة التي سبقت حرب 1948، أَكان ذلك من الناحية الأكاديمية والتاريخية، أو لجهة تأثير هذه العلاقات في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وخاصة في سير ثورة (1936 ـ 1939)، وحرب 1948، ونتائجهما، فإن هذا الموضوع لم يُبحث عربيًا بصفته موضوعًا قائمًا في حد ذاته. أما موضوع نشاط الحركة الصهيونية في سورية، والعلاقات المتشعبة والمتنوعة التي أقامتها الدائرة السياسية للوكالة اليهودية مع القيادات والنخب السورية في المرحلة المذكورة، فلم يتم بحثه بطريقة منهجية بوصفه موضوعًا قائمًا في حد ذاته أيضًا، لا عربيًا، ولا إسرائيليًا. ويسير بحث هذا الموضوع في هذا الكتاب في أرض بكرٍ، في كثير من الأحيان. ولقد أشارت بعض الدراسات والكتب إلى عدد من الاتصالات والاجتماعات والمفاوضات بين الوكالة اليهودية والكتلة الوطنية، وكذلك بين الوكالة اليهودية، وجبل الدروز في سورية، وأفردت لها صفحات، أو فصولًا في كتب، بيد أنها لم تبحث في هذا الأمر بوصفه موضوعًا قائمًا في حد ذاته، ولم تضعه في سياقه التاريخي في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولم تقف على أهداف الوكالة اليهودية الحقيقية من هذه العلاقات.
وخلافًا للكتابات الإسرائيلية التي تطرقت إلى علاقات الوكالة اليهودية بقيادات الدول العربية المجاورة لفلسطين، وادعى معظمها أن هدفها كان تحقيق السلام بين العرب واليهود، فإن هدف الوكالة اليهودية كان في حقيقة الأمر على النقيض من ذلك تمامًا. فقد هدفت الوكالة اليهودية من هذه العلاقات، كما يتبين من وثائق مداولات قادة الوكالة اليهودية، ومن تقاريرهم وقراراتهم في تلك الفترة، أولًا وقبل كل شيء، إلى ضرب الحركة الوطنية الفلسطينية وإضعافها وعزلها عن عمقها العربي، ونفي الحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني، ومحاولة الحصول على موافقة الأطراف العربية لتأييد المشروع الصهيوني في إنشاء وطن قومي؛ ومن ثم دولة لليهود في فلسطين، وإبقاء الأقطار العربية ضعيفة ومفككة، وإذكاء الخلافات والصراعات بينها، وعرقلة قيام جبهة عربية موحدة ضد الحركة الصهيونية، وإضعاف العمل العربي المشترك والحركة القومية العربية، وضرب الوحدة العربية فكرةً ومشروعًا، وتغذية الخلافات والصراعات في المجتمعات العربية على أسس طائفية وإثنية وعشائرية وجهوية.

ولقد أدركت الوكالة اليهودية، ولا سيما في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي، مدى أهمية سورية بالنسبة إلى نضال الحركة الوطنية الفلسطينية، ورأت أن الساحة السورية باتت تشكل منذ انطلاق الثورة العربية الفلسطينية الكبرى مركزًا أساسيًا وقاعدة إسناد مهمة جدًا للثورة العربية الفلسطينية على الصُعد المختلفة. لذلك اهتمت الوكالة اليهودية بسورية اهتمامًا بالغًا في تلك الفترة، وأخذت تحتل الأولوية العليا في نشاط جهاز المخابرات التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية في مرحلة تأزم العلاقات السورية ـ الفرنسية إثر رفض البرلمان الفرنسي والحكومة الفرنسية إبرام المعاهدة الفرنسية ـ السورية (1936). وفي هذا السياق، جاءت هذه الاتصالات والاجتماعات والمفاوضات التي أجراها القسم العربي في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية مع قيادات ونخب سورية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى لتحقيق الأهداف التالية: وقف الدعم المتنوع والمهم جدًا الذي كان يقدمه الشعب السوري، وقواه الوطنية، للثورة الفلسطينية، وإحداث شرخ بين القيادات والنخب السورية، وخاصةً الكتلة الوطنية، والمعارضة الشهبندرية، وقادة جبل الدروز من ناحية، والحركة الوطنية الفلسطينية، من ناحية أخرى، والحصول على تأييد هذه القيادات والنخب في إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين، وتكوين مصالح مشتركة بين الوكالة اليهودية وهذه القيادات والنخب، على حساب الحقوق القومية للشعب العربي الفلسطيني، ونفي هذه الحقوق وتهميشها، ووسم الحركة الوطنية للشعب العربي الفلسطيني بالتطرف والإرهاب، وحل القضية الفلسطينية في إطار اتفاق يهودي ـ عربي شامل بين الوكالة اليهودية، ومن كانوا يدّعون أنهم يمثلون الحركة القومية العربية.



مصادر أولية
تؤكد مقدمة الكتاب أنه يستند أساسًا إلى المصادر الأولية، خاصة تقارير قادة القسم العربي التابع للدائرة السياسية للوكالة اليهودية، عن هذه الاجتماعات والاتصالات؛ وإلى محاضر الاجتماعات الرسمية، وغير الرسمية، بين الطرفين، التي كتبها مندوبو الوكالة اليهودية الذين حضروا الاجتماعات، وإلى تقارير عملاء سوريين استقطبتهم الوكالة اليهودية للعمل لمصلحتها، كُتب أغلبها باللغة العربية، وبخط اليد، وكتب بعضها على أوراق رسمية يظهر فيها اسم الكاتب وعنوانه بأحرف مطبوعة. هذه التقارير محفوظة في الأرشيفات الإسرائيلية، ولا سيما في الأرشيف الصهيوني المركزي، وفي أرشيف الهاغاناه.
وإن هذه الوثائق التي كانت سرّية جدًا في حينه، ولم يتيسر لجمهور الباحثين الاطلاع عليها إلا بعد مرور عقود طويلة، وفرت فرصة مهمة للولوج إلى داخل ذهنية قيادة الوكالة في تلك الفترة، كما أنها فتحت الباب للإطلال مباشرة على الأهداف التي سعت الدائرة السياسية للوكالة اليهودية لتحقيقها، وعلى الوسائل التي اتبعتها، وعلى النقاشات الداخلية التي كانت تجري بين قادتها بشأن أنجع الطرق لتحقيق الأهداف الصهيونية، وعلى مدى الجهود التي بذلتها من أجل تحقيق أهدافها.

تشمل المصادر الأولية مذكرات وأوراقًا لقادة الحركة الصهيونية، وفي مقدمتهم دافيد بن غوريون، وموشيه شرتوك (شاريت)، وحاييم وايزمان، فضلًا عن مذكرات قادة القسم العربي في الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، وسير حياتهم، وكذلك مذكرات القادة السوريين في تلك الفترة، وسير حياتهم، ولا سيما بعض أولئك الذين أجرت الوكالة اليهودية اتصالات بهم. وإلى جانب هذه المراجع الأولية، يستند الكتاب إلى الأدبيات والمراجع الصادرة باللغة العربية والعبرية والإنكليزية، التي عالجت تلك الفترة.
وخلافًا لمذكرات القادة الصهيونيين الذين أشاروا فيها إلى هذه الاتصالات والاجتماعات، فإن القادة السوريين الذين أجروا هذه الاتصالات لم يشيروا إليها في مذكراتهم، أو في كتب سيرهم الذاتية، لأنها كانت حينئذ منبوذة في أقل تقدير، ومن يقوم بها يوصف بالخروج على الصف الوطني، أو بالعمالة. ومما لا شك فيه أن زاوية نظر معدي التقارير تتحكم بعرض المعلومات، وسرد اللقاءات، الأمر الذي لن يمكن من إجراء مقارنة بين مضامينها، وبين زوايا النظر الأخرى، إلا إذا نشرت أوراق بعض النخب السورية الذين أجرت معهم الوكالة اتصالاتها.
وعلى الرغم من أن الاتصالات والاجتماعات بالوكالة اليهودية كانت منبوذة ومرفوضة من الشعب السوري، فليس كل من قام بها كان متعاونًا، أو يريد التعاون مع الوكالة اليهودية. ويتضح في الكتاب أن العديد من الذين عقدوا اجتماعات مع الوكالة اليهودية كانوا وظلوا وطنيين، ولم يتعاونوا معها البتّة، بل طرحوا الموقف الوطني السوري في الاجتماعات القليلة التي عقدوها مع الوكالة اليهودية، وكانوا من أشدّ من قاومها، كما يتضح ذلك في الكتاب، مثل شكري القوتلي، الذي خططت الوكالة اليهودية لاغتياله في عام 1941، وكذلك فخري البارودي، الذي شارك في الاتصالات والمفاوضات الأولية، ولكنه سرعان ما نشط ضدها. ويتضح، أيضًا، في الكتاب، أن القوتلي والبارودي، وكثيرًا من القادة الوطنيين السوريين الذين لم يلتقوا الوكالة اليهودية، أمثال الأخوين نبيه وعادل العظمة، ومنير الريس، وغيرهم، قد أعطوا الثورة الفلسطينية الأولوية، وقدموا لها الدعم بكل طاقاتهم.
في مقابل ذلك، تمكنت الوكالة اليهودية من اختراق الحركة الوطنية السورية واستقطاب عدد من القادة السوريين المهمين في تلك الفترة، الذين تعاونوا مع الوكالة اليهودية. وكانت هناك مسافة واسعة بين الموقف الوطني والعمالة السافرة القائمة على تقاضي راتب، أو دفعات مالية، والتي تورط فيها العديد من القادة السوريين الذين أقامت الوكالة اليهودية علاقات بهم، وأجرت اتصالات وعقدت اجتماعات معهم، وهو ما يعالجه الكتاب بدقة متناهية.



فصول الكتاب
يعالج الفصل الأول من الكتاب بدايات العمل المخابراتي الصهيوني ضد العرب، عندما أقامت الحركة الصهيونية في أواخر عام 1918 في فلسطين أول مؤسسة مخابرات صهيونية متخصصة في التجسس على العرب. ويتابع هذا الفصل التطور المؤسساتي للمخابرات الصهيونية في فلسطين ونشاطها ضد العرب، منذ تأسيسها حتى أواسط الثلاثينيات. ويكشف، أيضًا، عن سعي المنظمة الصهيونية مبكرًا لإقامة علاقات سياسية مع حكومة الملك فيصل في دمشق في عامَي 1919 و1920.
ويتابع الفصل الثاني بداية الاتصالات بين الكتلة الوطنية السورية والوكالة اليهودية، ويقف على الاجتماعين الرسميين اللذين عقدتهما الوكالة اليهودية مع الكتلة الوطنية السورية. أما الفصل الثالث، فيعالج ويتابع الجهد الذي بذلته الوكالة اليهودية للتأثير في النخب، والرأي العام السوري واللبناني على الخصوص، والدول العربية على العموم، في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى، من خلال دسّ المقالات الصهيونية في الصحف السورية واللبنانية، وشراء بعض هذه الصحف. وحرص هذا الفصل على متابعة العلاقات التي أقامتها الدائرة السياسية للوكالة اليهودية مع مالكي كثير من الصحف السورية واللبنانية ومحرريها، وعرض الموضوعات التي طرحتها وعالجتها المقالات الصهيونية المدسوسة في الصحف السورية واللبنانية، والتي أظهرت أن الوكالة اليهودية لم تكتفِ بطرح وجهة النظر الصهيونية وترويجها، ولا بتشويه النضال الوطني الفلسطيني، وإنما شوهت الحقائق، وزرعت الأخبار الملفقة.

ويعالج الفصل الرابع مختلف العلاقات والاتصالات السرّية التي أجرتها الوكالة اليهودية مع قادة الكتلة الوطنية السورية، والمعارضة الشهبندرية، أثناء الثورة العربية الفلسطينية الكبرى. ويتابع ماهية العلاقات السرّية التي أقامتها الدائرة السياسية للوكالة اليهودية، من خلال جهاز مخابراتها، مع أبرز قادة الكتلة الوطنية، مثل جميل مردم، ولطفي الحفار، ونسيب البكري، ومع قادة المعارضة الشهبندرية، مثل عبدالرحمن الشهبندر، ومحمد الأشمر، ونصوح بابيل. ويعرض هذا الفصل محاولة قادة في المعارضة الشهبندرية الاستعانة بالوكالة اليهودية ضد الكتلة الوطنية السورية، بغرض الوصول إلى السلطة. ويتابع الفصل اختراق الوكالة اليهودية للعديد من أبرز قادة الكتلة الوطنية، مثل نسيب البكري، ويقف بالتفصيل على الخدمات المهمة التي قدمها البكري لها في تلك الفترة، ويتابع دعم الوكالة اليهودية له في سعيه للوصول إلى رئاسة الحكومة السورية في ربيع 1939.
أما الفصل الخامس، فيعالج العلاقات والاتصالات السرّية التي أجرتها الوكالة اليهودية مع عدد من أبرز قادة جبل الدروز في سورية، لتحييدهم، ووقف مشاركة الدروز في سورية في الثورة في فلسطين، ولعقد حلف بين الحركة الصهيونية، وجبل الدروز، ونقل دروز فلسطين إلى جبل الدروز. ويتابع هذا الفصل الاتصالات غير المباشرة التي أجرتها الوكالة اليهودية مع سلطان الأطرش، في أثناء وجوده في شرق الأردن، ثم يقف بالتفصيل على هذه الاتصالات، ولا سيما الاجتماعين اللذين عقدتهما معه الوكالة اليهودية في أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى بغرض تحقيق أهدافها، ومحاولة التأثير في موقفه وثنيه عنه. وكذلك يتابع العلاقات التي أقامها يوسف العيسمي مع الوكالة اليهودية، والذي عمل لمصلحتها أعوامًا طويلة لقاء راتب شهري، من دون إغفال اتصالات الوكالة اليهودية وعلاقاتها بقادة آخرين في جبل الدروز، أمثال أسعد كنج، وزيد الأطرش، وعلي الأطرش، الذين كسبتهم للعمل لمصلحتها.
وأكد المؤلف أنه حرص على أن يرفق بالكتاب كثيرًا من الوثائق ذات الصلة المباشرة بموضوع البحث؛ ليطلع القراء على هذه الوثائق كاملة، ولتقديم خدمة للباحثين المعنيين بهذا الموضوع. وحرص على الدقة عندما ترجم الوثائق إلى العربية، والتي كُتبت في الأصل باللغة العبرية، وأرفقها هي، أيضًا، بالملحق.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.