}

إسماعيل غزالي: أعيش الكتابة كأسلوب حياة

نجيب مبارك 10 يونيو 2020
حوارات إسماعيل غزالي: أعيش الكتابة كأسلوب حياة
"الأمكنة الأولى تسكُننا بضراوة، ولاننفكّ نحملها معنا أنّى تنقّلنا"
من مسقط رأسه في بلدة "مريرت" بين جبال الأطلس المتوسط، إلى مدينة الصويرة، جوهرة المحيط الأطلسي، التي يرتادها من حين لآخر كبوهيميٍّ، مرورًا بمدنٍ وبلدانٍ وجغرافيات بلا حدود، توزّعت حياة الروائي المغربي إسماعيل غزالي، أحد أبرز الروائيين المغاربة في السّنين الأخيرة، وفي طليعة المجدِّدين للرواية المغربية منذ ما بعد الاستقلال إلى اليوم. وعلى عكس ما يعتقد كثيرون، فإنّ إسماعيل غزالي، هذا الكاتب الموهوب والمتفرّد، المهووس بالترحال والتجريب الدائم، بدأ روائيًا، قبل أن يكتب القصة القصيرة. ويتّفق الجميع اليوم على أنّه دمغ ببصمته المتفرّدة، وصوته المختلف والمغاير، مدونتيّ الرواية والقصة المغربيتين والعربيتين على حدٍّ سواء، بينما لا تزال مغامرته السّردية تحْبَل بالكثير من المشاريع والمفاجآت.
وصلت روايته "موسم صيد الزنجور" إلى اللّائحة الطويلة للجائزة العالمية للبوكر عام 2014. وأصدر بعدها رواية "النهر يعضُّ ذيله"، سنة 2015، ليختم بذلك ما أسماه "الثلاثية الأطلسية" برواية "عزلة الثلج" سنة 2018. كما فازت مجموعته القصصية "عسل اللقالق" بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي سنة 2011. وبعدها أصدر "بستان الغزال المرقّط"، وهو كتابٌ يضمّ أربع مجموعات قصصية (عسل اللقالق، لعبة مفترق الطرق، منامات شجرة الفايكنغ، الحديقة اليابانية) 2012، ثم مجموعة "غراب، غربان، غرابيب" 2016، و"سديم زهرة الهندباء" سنة 2017. أما آخر أعماله الروائية فهو "ثلاثة أيام في كازابلانكا" الصادرة عن منشورات المتوسط 2019.
للاقتراب أكثر من عالم هذا الكاتب المُجدِّد والمتجدِّد، والمغرّد دائمًا خارج السّائد والمألوف مغربيًّا وعربيًّا، أجرينا هذا الحوار معه:




السفر الدائم والأمكنة الأولى
(*) نبدأ من الجذور ورمزية المكان. أنت من مواليد بلدة تقع بين جبال الأطلس المتوسط في المغرب، وتقيم حاليًا في مدينة الصويرة، جوهرة المحيط الأطلسي. حياتك موزعة بين هذين "الأطلسين"، إن صحّ التعبير، وهما حاضران بقوة في جلّ كتاباتك. حدّثنا عن معنى التجّذر والسفر في الأمكنة بالنسبة إليك، أنطولوجيًّا وإبداعيًّا؟
- من الطبيعي، أن تكون كتابتي القصصية والروائية معنيّة بمُتخيّل الأطلس المتوسّط، لأنّني من مواليد بلدة "مريرت" الجبليّة، المتاخمة لنهر "أم الربيع". وأمّا الصويرة التي أرتادُها مثلما يرتادُها مجمل بوهيمّي العالم الملتاعين، فلم يسبق لي أن كتبتُ عنها بالصّورة الزاخمة التي قدّمتَ، ولكن، لا أخفيك أنّ مخطوطة رواية تحتكم إلى تجربتي المتشعّبة في متاهتها أو أرخبيلها بالأحرى، جاهزة فعلًا، ربما أدفع بها إلى النشر قريبًا، قريبًا.
غير أنّ حياتي كما تفضّلتَ، ليست موزّعة بين هذين القطبين، بل مفتوحة بلا هوادة على أصقاع أخرى.
مجمل السّفر يدمغ تخييل أعمالي الروائية والقصصية، بدل أن أكتب يوميات أو رحلات، عشتُ تجاربها الصّاخبة في أكثر من مكانٍ موشوم، ولم يكن الغرض من ارتياد هكذا أمكنة فاتنة هو الكتابة عن سبق النوايا المتوثّبة، بل بغرض الامتلاء بمغامرة الوجود لا غير، إذ لاحقًا تأتي الكتابة إن كانت غرابة التّجربة تستحقّ ذلك، على سبيل التخييل دائمًا... وهذا ما فعلتُه في "منامات شجرة الفايكنغ" مثلًا، القصص القصيرة المفردة لمعايشات وهيمان "روسكيلدة" و"كوبنهاجن" الدّنماركيتين، وقِسْ على ذلك مُدنًا أخرى عربية وغير عربية، زرتُها أو عشتُ فيها، فضلًا عن أمكنة مخترعة، أو خياليّة أيضًا، على حدّ سواء.
أنحدر من سلالة الفلّاحين، الذين مارسوا نمط الترحال بين شواهق الجبال وأخامصها من السّهول المسمّاة "أزغار". قسوة الشتاء وثلوجه المطوّلة، تدفع بهؤلاء الأبطال المنسيين نحو السّهوب، هربَّا من عزلة الثلج وحصاره، وصائفةً يؤوبون إلى الجبال والغابات بعد أن يلمّ بالسّهوب القحط، ويستبدّ الجفاف. قلتُها مرارًا، فيما سبق من حوارات، ورثتُ عن أجدادي هذا النّمط في الترحال، على نحو وجوديّ وجماليّ معًا، فيما يشبه أسلوب حياة مغامر، فلا استقرار في مكان على نحو دائم ولا طمأنينة لمدينة بعينها، بل سفر دائم، هنا وهناك وهنالك.
ومع ذلك، فإنّ الأمكنة الأولى تسكُننا بضراوة، ولا ننفكّ نحملها معنا أنّى تنقّلنا، كيفما أمسينا أفّاقين، وتوارينا عن الحضور في النّصف الآخر للغياب من الجغرافيا المرئية، واللّامرئية في آن.

 

(*) كتبت ونشرتَ القصة القصيرة، بالموازاة مع خوض مغامرة الرواية، ويتّفق الجميع على أنّك أضفت بصمتك المتفرّدة، وصوتك المختلف والمغاير، إلى مدونة القصّة المغربية. لكن، حين ظنّ الجميع أنّك طلّقت القصة بلا رجعة، فاجأتنا مؤخّرًا بمجموعتين قصصيتين جديدتين. هل تعتبر القصة القصيرة هي الأصل في مشروعك السردي، أم أن المزاوجة بينها وبين الرواية أمر عاديّ ويحدث بتلقائية؟
- الأصل في مشروعي السّردي وفق توصيفك، هو الكتابة نفسها، لا الاحتكام إلى نوع أدبي، دون الآخر. أو هذا على حساب ذاك. لستُ ممّنْ يفاضلون بين الرواية والقصة القصيرة. نعم، أزاوج بين الرواية والقصة القصيرة، كتابةً بتأرجحٍ واستمرارٍ، مع الاختلاف الجذري بين النّوعين، وإن كانا ينحدران من شجرة السّرد ذاتها.
هناك من يفضّلني في القصة القصيرة، دون الرواية، وهناك من يفضّلني في الرواية دون القصة القصيرة، وهناك من يفضّلني فيهما معًا.
شقاءُ كتابةِ الرّواية ماراثونيٌّ، لا يمارسهُ إلا عدّاءُ مسافات طويلة، ولعبة القصة القصيرة لا يحترف كتابتها إلّا "من يرى عالمًا في حبّة رمل، وسماء في زهرة برية، ممسكًا باللّانهاية في راحة يد، والأبدية في ساعة"، إن جاز لي استعارة قصيدة وليام بليك.

(*) هل تتّفق مع من يقول بأنّ الرواية العربية اكتسحت المشهد نهائيًّا، من المحيط إلى الخليج، وهمّشت باقي الأجناس الأدبية الأخرى، بما فيها القصة القصيرة؟
- صحيح نشهد رجّة صاخبة للرواية، كمًّا ونوعًا، على نحو مُنْفلتٍ، لم يخطرْ على بالِ متنبّئي أحوالها المخضرمين، من بعض عرّابيها المتشائمين.
بل إنّ بعضًا ممّن شيّعوها وهجروها بعد يأسٍ واهتراء، سرعان ما آبوا إلى سباق مسافاتها الطويل، الطويل، حينما أيقظهم الصّخب من سُباتهم الحجري... فضلًا عن موسم الهجرة إلى شمالها، من طرف الشّعراء و... من يزعم أنّها حِكْرٌ على الرّوائيين، لا غير؟!؟


قد يكون الصّخب محض زوبعة جوفاء، وقد يكون فعلًا عنوانًا أمينًا لطفرة شاهقة تهزّ خرائط السّرد. وحدها المسافة الضّرورية، في الصّمت المطلوب بعد عنف الرجّة، ما سيحكم على ما يحدث في الوجود الروائيّ، هل ثمّة رواية جديدة فعلًا؟ أم مجرّد تمرينات خرقاء؟
ليتنحّ هذا التوجّس الحكيم جانبًا، على قارعة السؤال، نعم، ثمّة رواية جديدة، متحوّلة بعنف، وهاربة فيما وراء الحدود. نعم، ثمّة خروج بالنّسق الروائي عن مداره المألوف إلى سديم غير مألوف. نعم، ثمّة قطائع هائلة، طارئة في سيرورة النوع الروائي. نعم، ثمّة رواية مضادّة وغاضبة ومرعبة. نعم، ما يكتبه الروائيّون الجُدُد، يتخطّى سقف الأمس الواطئ بكثير، فاتحًا شرايين الكتابة على أقاصي المجهول، دافعا بالرّواية إلى أخطر مآلاتها.
إن كانت القصة القصيرة هامشيّة، فليس بسبب سطوة الرواية واستبدادها، بل يدخل الأمر في مسألة فلسفة جمال النّوع، إذ القصة القصيرة ذاتها، اختارت لنفسها ضمن ما تتفرّد به كوجود مستقلٍّ، ومغوٍ، وخطيرٍ، أن تكون الابنة الشّرعية للهامش، وعرّابته الفاتنة من ألف إلى ياء، بشكل متواصل، حتى لا أقول إلى الأبد.


الكتابة والمغامرة
(*) بالنسبة لتجربتك الروائية الغنيّة، يلاحظ بعض النقاد أنّ لديك ميلًا واضحًا إلى التجريب الدّائم والبحث المستمرّ عن أشكال جديدة تتجاوز الأنماط السردية المألوفة. ما أهمية التجريب في نظرك، وهل تفتقد الرواية العربية فعلًا إلى نَفَسٍ طليعي جديد، يخرجها من آفة التكرار والتقليد؟
- لا كتابة تستقيم بدون مغامرة، وإن لم تكن الكتابة مخاطرة فلا يمكن للرواية أن تحقّق شيئًا يُذكر، كيما تغنم الجديد، والمتحوّل، واللامألوف، والمدهش، والمختلف، والمغاير... بل الانحراف بالنّسق الروائي المكرّر عن فلكه المعتاد إلى ما هو أشدّ إبدالًا وريبة... إلخ
لستُ ممّن يتشدّقون بالتّجريب كما لو كان الحجر المقدّس الذي يُفلق عليه حطب الأدب. هو محض جزءٍ من كاووس الكتابة، ضمن ناموس كُلِّيَتِها، في محترف الخلق والأثر الفنّي المتعدّد والمتشعّب والغامض. ها قد أمسى من فرط التداول المجاني مستهلكًا كيفما اتّفق، أجوف حدّ الرّثاء. يعني كلّ شيء، ولا يعني شيئًا في الآن ذاته. لا أتحاشى ذكره لأنّني انقلبتُ عليه أو تنكّرتُ له، بل لأنّني مشغولٌ بما يتخطّاه، وما يضاعفه أضعافًا، في مهبّ مآلات الكتابة الكبرى.
تميل الكتابة ذاتها إلى أن تتمرّد باستمرار على النزوع الشّائع، الذي يقوّضها على سبيل الاستعراض والابتذال ولو كان من قبيل قداسات: التجريب، الفانتاستيك، ما بعد الحداثة، ما بعد السّرد، الكوسموس وما بعده... وهلمّ فذْلكات.
لائذة بالصمت، الذي منه جاءت، وإليه تؤوب كي تجدّد هويتها وأشكالها في صلةٍ حميمة بمآلاتها اللّامفكّر فيها، إثر سطوةِ هكذا زعيق.
ومع ذلك، يظلُّ مجمل عملي لعبًا، وهذا لا يعني أنّه ترفيه أبدًا، بل لعبٌ يرادفه العناء الصّلد، والشقاء الأكيد.
الرواية في حاجة دائمة إلى أن تنقلب على طمأنينتها، في سعي دائم إلى خرق عادة مألوفها، دونما ارتكانٍ بأريحيّة إلى المنجز كيفما كان لافتًا وملحميًّا. هكذا فالرّواية لكي تحافظ على ألقها الشّرس، وإغوائها العاتي، لا بدّ منْ أن تتخطّى حدودها القصوى باستمرار، متاخمة سديم محْوِها، إذ الزجُّ بها في أفُقِ موتها، يعني تجدُّدها بطريقة أفعى الأوروبورس.

(*) وصلت روايتك "موسم صيد الزنجور" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر عام 2014. كيف استقبلتَ هذا الترشيح؟ وما رأيك في الجوائز الأدبية عمومًا، في المغرب وخارجه، وهل تأثرّت فعلًا بعض التجارب الروائية العربية بحمّى التنافس على الجوائز، وصارت الكتابة تخضع لمعاييرها الغامضة، كما يدّعي البعض؟
- شئنا أم كرهنا، الكتابة تحتاج إلى تقدير، والجوائز شكل من أشكال هذا التقدير. المشكلة أنّ الجوائز أُعطيت أكثر من حجمها في حالتنا العربيّة المزمنة، وغدتْ قيمة الجوائز أهمّ من قيمة الكتابة نفسها، بل تحوّلت إلى متلازمة خرقاء، ومنها متلازمة البوكر والرواية مثلًا، وكأنّ الرواية العربية لم تخلق إلّا مع هكذا مؤسّسات رعناء لاحقة عليها.
تغدو الجوائز حماقة صرفة، عندما تتحوّل إلى سلطة توجّه الذّائقة، بل إنّ النّقد نفسه يبطل عندما يستند إلى أحادية سلطتها في الكتابة لا غير. عمومًا لا تنصف الجوائز العربية الأعمال الروائية الجديرة، إلّا فيما ندر وندر وندر. والمبتذل في الأمر أنّ نسخا ركيكة من هذه الجوائز، فضحتْ مليًّا سياسة اللجان القائمة على تحكيم القراءة والتتويج، كصورة مطابقة لسياسة أنظمتنا العربية الفاسدة.
دعنا نقول، بنزاهة صلدة، إنّ أعظم الجوائز هو تقدير القارئ.
لا شأن لي بمن يكتب للجوائز، أو من سقط في فخّها بعد أن نال إحداها وهوى نجمه. لا شأن لي بمهرّجي النّجومية وبهْلوانيِّيها المرضى بالاستعراض والنفخ في الذات الجوفاء بما استطاعوا من زيفٍ ورداءة.
ما يهمّ، هل الرّواية فعلا رواية؟ أم محض هراء؟
زمن القراءةِ طويلُ الأمدِ، هو الفيصل.

غزالي: وما قيمةُ روايةٍ إن لم تمهرْ وجودها الفعليّ بمشرط محلّيتها

 

(*) في كلّ رواياتك، ثمّة حضور بارز لحوار مع مرجعيات فنّية وثقافية من كلّ نوع. تحضر الأسطورة بأشكال مختلقة، مثلما يطلُّ الواقع بصور غير مألوفة. نجد إحالاتٍ على عوالم الكتّاب والفنّانين من مجالات مختلفة: الموسيقى، السينما، التشكيل... إلخ. هل هذا الغنى والزّخم والتنوّع يعكس حقيقة عالمنا المعاصر، أم ترى أنّ الرواية هي ذلك "الفن الشامل" الذي بإمكانه ابتلاع كلّ أشكال الثقافة؟
- ما أنفرُ منه، هو الواقع المقدَّم كشيءٍ جاهز، ثابت ومستقرّ، بل حقائق صلبة ومُطْلقة، لا يجب الخروج على عروضها الركيك وهذا الشّائع لدى الكثير... الكتابة تعيد النّظر على نحو جذريّ في هكذا رؤى مطمئنّة إلى هذه الأحادية البليدة في النّظر المبذول إلى الواقع. الكتابة هي نوع من الكشف المجازف عن لاواقعية الواقع. بالتّسلل إلى مناطق الحلم والنسيان والغياب التي تفخّخ إيقاعه اليومي، غير المدرك، اللّامُلتفت إليه. هي كذلك، مغامرة فيما وراء حدود المألوف، واستنطاقٌ جَسُورٌ للغرابة المذهلة التي ترقّط حياتنا على نحو أفعواني، دون أن ننتبه إلى ذلك...
الحياة غير ممكنة بلا تعدّد، وكذلك الرواية، الفنّ العاتي الأمثل المنفتح بلا هوادة على هذا التعدّد الهائل لكونية الأشكال، على نحو لامتناهٍ...
إن حضرت الأسطورة فيما كتبته مرّة، فبالمعنى الذي يغدّي التناغم الهارموني للعمل، لا من منطلق إثارة، بل بما تقتضيه اللّعبة السّوداء من دعابة أو مزحة لا يجب أخذها محمل جدّية. وأمّا الموسيقى فأثرُها دامغٌ، في كلّ ما كتبتُه، لا بالنّظر إلى حضورها كإيقاع، أو كموضوعة، أو الاستناد إلى شخصياتٍ متخيّلة تزاولها في وقائع النصّ الغامضة، بل لأنّني أزعم بأنّ "موسم صيد الزنجور" مثلا محض خطاطة موسيقية.
وقِسْ على ذلك لعبة السّينما في مجمل أعمالي، لا كلغة بصرية، أو تقنية، بل كفيلم فعلًا، داخل رواية، حيث يخفي الروائيّ قناع المخرج السينمائي، بالمعنى الذي تحتوي فيه الرواية السينما، لا العكس.


الرواية المغربية
(*) في عوالمك الروائية، تنكشف الهويّة المغربية بأشكال متعددة، وتفرض على القارئ الغوص في تلك الحدود الواهنة بين الواقع والخيال في أعماق هذه الشخصية. في رأيك، كيف يمكن أن تنجح الرواية المغربية في تسويق "محلّيتها" بشكلٍ أفضل، لتعانق الأفق العربي، ولما لا العالمي أيضًا، من دون أن تتخلّى عن أصالتها؟
- وما قيمةُ روايةٍ إن لم تمهرْ وجودها الفعليّ بمشرط محلّيتها، لا بالارتكان إلى تراث المحليّة كَدَاءٍ عِرْقيّ وقَبَليٍّ وعقائديٍّ، ولكن بصوغ تخييلها الإنساني على نحو جماليّ كونيّ.
عربيًّا، الرواية المغربيّة برغم الزّهد الكمي، يشفع لها الرّهان النوعيّ، كانت وما تزال ضمن ناصية التّجارب الطّليعية، المجدّدة، ذات المنحى المجازف والمغاير والمفرد... وأمّا عالميًا فما تحتاجه الأعمال المغربية فعلًا، هو التّرجمة والتّرجمة والتّرجمة، الخلّاقة تأكيدًا، بخاصّة إلى الإنكليزية.

(*) في روايتك الأخيرة "ثلاثة أيام في كازابلانكا"، تصير مدينة الدار البيضاء بوتقةً تنصهر فيها كلّ الأعراق والأجناس والحكايات والمصائر. هذا الغنى ينعكس جلّيًا على لغة ونسيج النصّ ذاته، المنفتح على تأويلات وقراءات لا حصر لها. إلى أيّ حدّ يمكن سبرُ أعماق هذا "الغول" الحضَريّ الأكثر تناقضًا وتعقيدًا على صعيد القارة الإفريقية؟  وهل ترى أنّك وُفِّقت في إشراك القارئ داخل رؤيتك الخاصة لهذه المدينة؟
- لم أكن أطمح إلى الكتابة عن الدار البيضاء، ولا خطر في بالي أنّ هذه الرواية ستكون مُفردة لهذه المدينة الضّارية، الشّعواء. كلُّ ما في الأمر، ظلّ يهاجسني أمر الخروج عن متخيّل الأطلس المتوسّط، بعد حلقة روائية ثلاثية، بحثًا عن شيء مختلف، أرغب في سلوك مغامرته اللّامألوفة، ومن ضمن الهواجس الملتاعة، كان تخييل القارة الأفريقية، دائمًا يغويني، وأتحيّن الفرص لكي تكون لي تجربة خاصة برواية تيمّم بوجهها شطر جنوب الصحراء، وهذا ما حصل إذ صادفتُ خبر موت متشرّد أفريقي، زنجيّ، سقطت عليه حاشية من أنقاض نزل لنكولن في شارع محمد الخامس، بالدار البيضاء.

ما انفكّت هذه الحادثة السوداء تلازم ذهني، فوجدتُني أتخيّل حكاية هذا الزنجي، ضمن رحلة ماراثونية، كعدّاء جمح من جنوب صحراء القارة، ركضًا على الأقدام، إلى شمال القارّة، بغية أن يهاجر صوب فردوس القارة الأوروبية، وقبل ذلك، أن يحقّق حلمًا، في اكتشاف المدينة التي تتردّد بشكل مُغْوٍ في أغنية "مع مرور الوقت"، طالما كان يردّدها أبوه الذي لقي حتفه بسبب الغناء، وهي الأغنية نفسها التي يؤدّيها الموسيقي الزنجي ديلي ويلسون عزفًا على البيانو في فيلم كازابلانكا الشّهير للمخرج مايكل كورتيز...فكانت رواية "ثلاثة أيام في كازابلانكا"، محض عمل داخل عمل فيما يشبه لعبة داخل لعبة، حاولتُ أن أستعمل فيها تكنيكًا جديدًا، بمنحى تشعبيّ يتماهى مع تشعّبات المتاهة الضّخمة للمدينة، وهكذا فتخييل كازابلانكا المضاعف، جاء مؤسّسًا بدوره على أقطاب متعدّدة، منها المعماريّ والموسيقي والسّينمائي والتشكيليّ من جهة، ومن جهة أخرى، الإفصاح عن القيعان الكابوسية للمدينة، بمنحى أسود، بالمعنى الجماليّ للنزوع البوليسيّ... إلخ.

(*) كيف تقرأ راهن الرواية العربية عمومًا، والمغربية تحديدًا، وما الذي يُميّزها عن تجارب لغات وبلدان أخرى على المستوى العالمي؟ وهل ما زلت تؤمن بأنّ أحد أهم الأسباب التي لا تساهم في انتشار الرواية العربية، خارج حدودها الإقليمية، هو محدودية وضعف ترجمتها إلى اللغة الإنكليزية بشكل خاصّ؟
- الرواية المغربية، وضمنها العربية، راكمتْ تجارب نوعيّة، تؤهّبها بلا أدنى  شكّ، كي تكون بعض أعمالها الطّليعية في الرفّ الذهبيّ المنذور للعالميّة، ونعم، الترجمة الجيدة أهمّ ما تحتاجه الأعمال الروائية العربية وضمنها المغربية، وبخاصة إلى الإنكليزية كما أسلفت القول، وأمّا إن ظلّت حبيسة لغتها الأحادية، فهي عرضة حتمًا لحشرات النّسيان.

(*) نختم بسؤال أخير، وروتيني إلى حدّ ما: ما هي طقوس الكتابة عند إسماعيل غزالي؟ كيف يكتب، وأين ومتى؟
- الكتابة نفسها محض طقسٍ مريب، بصورة من الصّور. وهي تفرض شروطها العنيفة على نحو مباغت، في زمن ومكان لا يخطران على بال أحيانًا. لستُ ممّن يمسكون بياقة عنق الكتابة، كي يخضعها قسرًا إلى برنامج يوميّ. المسألة عندي مزاجية وفوضويّة، أكثر منها منظّمة تحت سقف أجندةٍ أو مطوّقة بمواعيد مسبقة.
أعيش الكتابة كأسلوب حياة، وهذا الأهمّ.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.