}

تشاو تينغيانغ: الحرب فشل للسياسة والديمقراطية ليست مفهومًا مغلقًا

ساري حنفي ساري حنفي 20 مارس 2024
حوارات تشاو تينغيانغ: الحرب فشل للسياسة والديمقراطية ليست مفهومًا مغلقًا
(تشاو تينغيانغ)
ترجمة: فطيمة الرضواني


تشاو تينغيانغ (Zhao Tingyang) فيلسوف صيني متميز ومفكر بارز تخرّج من جامعة رينمين والأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية (CASS). وهو زميل أكاديمي وأستاذ متميز في معهد CASS للفلسفة. شغل تشاو تينغيانغ عدّة مناصب في العديد من المؤسسات الصينية والأجنبية الأخرى، بما في ذلك تشجيانغ العادية Zhejiang Normal، ومعهد بيرغروين Berggruen، والمعهد الدولي للثقافات العابرة للحدود The International TRANSCULTURA Institute.
من منشوراته العديدة الصادرة باللغتين الصينية والإنكليزية وبلغات أخرى كتابه الموسوم بـ "الكلّ تحت السّماء: نظام تانسيا من أجل نظام عالمي ممكن" (مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2021) وكتابه الذي شارك في تحريره بعنوان "القاموس عبر الثقافي لإساءة الفهم: الآفاق الأوروبية والصينية" (Cent mille milliards 2022).

في آب/ أغسطس 2023 أجرى ساري حنفي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت- لبنان، والرئيس السابق للجمعية الدولية لعلم الاجتماع، معه هذه المقابلة:

ساري حنفي (س. ح): أستاذ تشاو تينغيانغ، لقد سعدت بقراءة آخر إصداراتك، كتاب "الكلّ تحت السماء: نظام تانسيا من أجل نظام عالمي ممكن" والذي تنتقدون فيه تضاعف الصراعات السياسيّة الحاليّة على الصعيد العالمي ومنطق الدولة الوطنية (nation-state) للعلاقات الدوليّة حيث تطرح بدلًا من ذلك فكرة "تانسيا"، وهي عبارة بارزة في اللغة الصينية (تيان خا) تمثل مفهومًا ثقافيًا في الصين وتعني ''الكلّ تحت السماء'' أو ''كلّ ما تحت السماء'' كونها مترابطة ومتماسكة وتضمن سيادة العالم على حساب الدول الأمّة. هلّا أوجزت لنا مفهوم "تانسيا" في عدة كلمات؟ 

تشاو تينغيانغ (ت. ت): دعني أقول إنّ تصوّري لنظام تانسيا في العالم يتخيّل عالمًا أفضل ممكنًا بمفهوم ''التوافق'' (compatibility)، والذي يترجم عادة بـ''الانسجام'' (harmony)، رغم اعتقادي بأن مصطلح ''التوافق'' يؤدّي المعنى الأفضل في الترجمة، على النحو المماثل لشرح لايبنيز Leibniz لما سماه ''أفضل العوالم الممكنة'' من خلق الله بمفهوم ''القدرة على التّوافق'' (compossibility) بين أغنى مجموعة من الكائنات. من المثير للاهتمام، تبدو أنطولوجيا لايبنيز قريبة فعلًا من أنطولوجيا الـ آي تشينغ I Ching، الكتاب المقدس الصيني الذي يؤكد على ''توافق'' جميع الكائنات. يتوجّب أن يتوخّى نظام تانسيا المفاهيمية الموسومة بـ''الجميع تحت السّماء'' عالمًا شاملًا كلّيًّا يحضن الجميع ''دون أحد خارجَه'' في ''تناغم رائع'' لجميع الشعوب أو ''انسجام'' جميع الحضارات. يظلّ الآتي سؤالًا مفتوحًا لماذا بدأت الصين سياستها بمفهوم عالم منهجي مثل تانسيا بينما اخترعت اليونان الدولة المواطنة Polis ولعلّهما يمثّلان أهم نقطتي انطلاق للسياسة.

زيادة عن كونها نظامًا عالميًّا، تطرح فكرة تانسيا مصطلحًا بديلًا لما هو سياسي؛ بديلٌ بوصفه نهجًا أو فنّ تغيير العداوة إلى كرم الضيافة خلافًا لطرح كارل شميت Carl Schmitt "الاعتراف بالعدوّ"، ومفهوم النضال الطبقي للماركسيين، والصراع على السلطة لمورغن ثاو Morgenthau أو صدام الحضارات لهنتنغتون Huntington، والسبب بسيط. فإن تعذّر على السياسة إيقاف العداوات أو الحدّ منها فهي لا تعتبر سياسة على الإطلاق، وهي لا تعد شيئًا آخر غير ضرب من ضروب الحرب. وليست الحرب إلّا فشلًا للسياسة عوضًا عن كونها استمرارية لها كما يعتقد كارل فون كلوزفيتش Carl Von Clausewitz. فلماذا السياسة إن كنّا نرغب في الصراع؟

يجادل تصوّري المتجدّد لفكرة تانسيا وهو تصوّر معقول وعمليّ، في تباين مع الفكرة القديمة، ثلاثة مفاهيم أساسيّة: (1) استيعاب العالم بوصفه منظومة كونيّة مشتركة حاضنة لكلّ الأمم مما يجعل العالم خاليًا من مزيد العوامل الخارجية السلبية، (2) العقلانيّة العلائقية التي تؤكّد على أولوية التقليل المتبادل من العداوات والخصومات إلى الحدّ الأدنى الممكن فوق تحقيق أقصى قدر من المصالح الشخصيّة، و(3) تحسين القيم الكونفوشيوسية، وهو النهوض غير الحصري بكلّ فرد والذي يعدّ تصوّرًا أفضل من التّحسين الذي طرحة باريتو Pareto، وهو يتحدّد بتحسّن الفرد فقط حين يتحسّن الآخرون جميعهم. يحتمل التحسين الكونفوشيوسي أنّ الكلّ يبلغ تحسّنًا بالمعنى الذي طرحة باريتو حين تَمَتُّعِ الفرد به. نأمل أن يحلّ مفهوم تانسيا الجديد المشكلات الكونيّة مثال المخاطر التكنولوجيّة، ومشكلات المالية العالميّة، ومشكلة التغيّر المناخي، ومشكلات الأوبئة والجوائح، وصدام الحضارات.

يتوجّب أن تستند الأخلاقيات الكونيّة وفي اتّساق مع نظام تانسيا إلى ''قاعدة ذهبية'' محسّنة أكثر تماسكًا من المسيحية أو الكونفوشيوسية. تفيد القاعدة القديمة :''لا تأتي أبدًا أفعالا للآخرين ما لا تريد أن يأتيك الآخرون به''. وهذا ممتاز تقريبًا باستثناء ذاتيتها الانفرادية التي تنطوي ضمنًا على إشكاليّة امتلاك ''الأنا'' لسلطة أحادية الجانب في تقرير المفاهيم العالمية لما هو جيّد أو صواب. ويمكنني إعادة صياغة القاعدة الذهبيّة على النحو التالي: ''لا تأتي أبدًا بفعل للآخرين ما لا يودّ الآخرون منك أن تفعله بهم''. أجادل هنا أنّ هذه القاعدة تغدو وبتحويل الذاتيّة إلى ذاتية عابرة Trans-subjectivity متناظرة ومتبادلة بشكل أدقّ وبالتالي قاعدة كونية حقّا.

كما ينبغي كذلك تحقيق نظام تانسيا الجديد في المجال الإبستمي، وهو بذلك يتصوّر مفهومًا لموسوعة جديدة مستلهمة من المشروع الفرنسي للموسوعة في القرن الثامن عشر. ومن المرجح راهنًا أن تحظى بدعم الإنترنت والذكاء الاصطناعي. هذا ينطوي على مفهوم للمعرفة عوضًا عن كتاب مطبوع ويهدف إلى تضمين جميع المعارف التي تكتنز بها جميع الحضارات بنفس القدر من الاحترام وبالاعتراف المتبادل. ولسوف يتمّ تطوير الموسوعة الجديدة بناء على البحوث حول الاهتمامات العالمية أو على المشكلات التي تواجه جلّ البشر أو على بروز التفاعلات، كما تُفهم في الكُلّانيّة Holism أو في منهجيات التعقيد بدلًا من التصنيف المنضبط التقليدي والنظرة الاختزالية للمعرفة، الأجندة أحادية الجانب التي رسمتها المعارف الغربية، بما يجعل منها مكتبة ميتافيرس Metaverse ينفذ إليها جميع الناس.


س. ح: كيف تقيّمون الصين راهنًا من حيث بارادايم تانسيا؟ تشير في إحدى مقابلاتك إلى هزيمة الشيوعية لمنافسيها الغربيين في الصين واستبعادهم كما أنّها قلّلت من القيمة الثقافية والموروث الثقافي للصين. حيث مسألة وجود الصين مهمّة أكثر من هُويّتها، وبعبارة أخرى، تحظى حقيقة الوجود أكثر أهمّية مما يبدو عليه الأمر. هلّا وضّحتم لنا هذه الفكرة بأمثلة ملموسة؟

ت. ت: يعدّ تانسيا مفهومًا يستنير به العالم بأسره. وهو ينتظر مستقبلًا ممكنًا في ميعاده. من المثير للاهتمام أنّه تمّ تنفيذه في الصين لرؤيته بوصفه "دولة ذات نمط عالمي''، أصغرَ من العالم بأسره، وبالتالي فهو بعيد كلّ البعد عن أفضل إمكاناته المفاهيمية. ولست متأكّدًا أنه يمكن اعتبار الصين منوالًا (نموذجًا) لتانسيا، ولكن يمكن اعتباره مثالًا له. الصين ذات النمط العالمي بالغة الأهميّة في ابتكارها بنظام ''بلد واحد، عدّة منظومات'' والذي انطلق خلال السلالة الحاكمة هان Han Dynasty (220-202 قيل الميلاد) بموجب مبدأ أولوية التوافق أو التناغم إن أردتّ، ونجحت في التقليص من مجالات الصراع بين مختلف الثقافات ومختلف الأديان. وهذا جزء من الموروث الحيّ في الصين الحديثة.

يجب ألا تكون مسألة أنّ الصين الحديثة تستخف بقيمة الجوانب التقليدية أمرًا مفاجئًا بأنّ الصين المعاصرة أبدت الكثير من الحماس لتكون حديثة. يعدُّ التحديث مسألة بقاء لأمّة تشهد ضغطًا يحيط بها من بقية العالم. إذ ينتهج التفكير الصيني دائمًا مبدأ ''البقاء رغم كلّ التغيّرات'' أو ''الحياة عبر التغيير''. و لا يعدّ هذا التفكير ديانة ولا هو قيمة أخلاقية بل يمكن إيجاد منهجية ''أنطولوجية'' للوجود. بالطبع، تلمس الأثر العميق لمحافظة الصين على هوياتها الثقافية أو التقليدية، والتي تعتبر أقل تأثيرًا من مجرد وجودها حين يتعلق الأمر بمرحلة حرجة من البقاء، أو باللحظة المناسبة أو فرصة للانتزاع  Kairos لتكون أفضل. فالصين في وضع ''الممارسة'' والعمل لا في مجرّد ''الكينونة'' وتحتلّ منهجيتها مكانة أبلغ من تصوّرها. وهي تحاول أن تضفي سمة الارتجال منذ إقرارها بكتاب التغيّر آي تشينغ I Ching بوصفه ''الإنجيل'' المنهجي كما استمرّ جوهرها منذ سالف العصور. نحن هنا أمام منهجيّة تسعى إلى البحث عن الفرصة المثلى للبقاء والوجود والاستمرار والنمو القوي إن أمكن. تبدو الكونفوشيوسية، باعتبارها الصورة النمطية للصين، أقل قوّة مما يُعتقد عادةً. لقد شهدت تقلبات على مدى التاريخ وهي تتوقّف على تاريخانيتها. أتردد في القول إن الصين لا تزال مجتمعًا كونفوشيوسيًا الآن. لكنني متأكد من أن المنهجية الصينية المتمثلة في "الكينونة في خضمّ التغييرات" تظل قويّة، وستظلّ أطول عمرًا من أي قيمة أو عقيدة أو (ism) محدّدة.

ويمكن أن توضّح هذه الفكرة المشهد المربكَ لـ''الديانات الصينيّة''. فلا دين للصين من منظور توحيدي. أمّا من جهة منظر أنثروبولوجي فهي خزّان لجميع الأديان أو وحدة الوجود من نوع ما أو تعدّد الآلهة كما يبدو. وتحديدًا لا يكنّ النّاس في المجتمعات الشعبيّة وفي أغلب المناطق (باستثناء المنطقة المسلمة) الكراهيّة لآلهة الآخرين. بل يفضّلون على خلاف ذلك، تقبّل قصص الآلهة الأخرى واستساغتها وكأنّها قصصهم، وحتى الاعتقاد فيها أو على الأقل احترامها. فلدى العديد من الأشخاص قائمة طويلة من الآلهة والديانة أو المعتقد، عادة من البوذية والطاوية والمسيحية، فضلًا عن العديد من الآلهة المحلية. أمّا للمثقفين الذين لا يأخذون الأديان على محمل الجد ثمّة بدلًا من ذلك مجموعة متنوعة من ''الوائيّات'' (isms) سواء يساريّة أو يمينيّة، أو تقدميّة أو محافظة. لا أرى الكثير من الإيمان أو الولاء في اختياراتهم إذ سوف يتحول معظمهم إلى الإختيار الذي يعمل بشكل أفضل.

س. ح: لقد قمت بتشخيص أزمة نظام الديمقراطية الليبرالي بدقة وكيف تقوم القوى ذات النفوذ التي تسيطر على رأس المال ووسائل الإعلام بتدمير الديمقراطية، وكأنّه ''حصان طروادة'' الذي دمّر الديمقراطية على نحو يجعل التهديد الذي تواجهه الديمقراطية يأتي من داخلها ذاتها. أيمكنكم توضيح ذلك؟

ت. ت: تتمثّل أضعف حلقة في الديمقراطية في تصوّرها الغامض الذي لم يكن محدّد المعالم بأسلوب صريح وبالتالي يظلّ عرضة للتأويلات. تسمح هذه السمة الغامضة لكل شيء بالظهور في عباءة الديمقراطية وتطالب بالتالي بتبريرها وهكذا، تبرز العديد من ''خيول طروادة'' الديمقراطية. إنّ أسوأ ما في الأمر هو صعوبة إخبارهم بالديمقراطية الحقّ بسبب تماثلهم في المظهر وفي الممارسة. ليس ثمّة ما يؤكد وجود ديمقراطية حقّ، لأننا لم نشهد أبدًا مفهومًا مثاليًّا أو شكلًا للديمقراطية (An Eidos) رغم معرفتنا بأصل الديمقراطية وجيناتها المحدّدة. وراهنًا والأسوأ من هذا كلّه، تبدو الديمقراطية الزائفة توأمًا حقيقيًا للديمقراطية وبنفس الجينة. حيث كانت الأغورا (Agora) أين تطوّرت الديمقراطية تعدّ سوقًا كذلك. فسوق الآراء لَصِقةٌ بسوق السلع، وعليه لا مندوحة أن يزداد الإقبال على التّفاح أكثر فأكثر إن اختار جلّ النّاس فاكهة التفاح.

وبالمثل، إن كان المزيد من الناخبين يؤّيّدون ترامب، فإنّ ترامب يبدو مقنعًا. يعدّ هذا الأمر محرجًا ولن يدركه أكثرُ الناس بسبب غياب منطق ديمقراطي فعّال. تتقاسم السّوق والديمقراطية القواعد الأساسية ذاتها. وإنّه لمن سوء الحظ ألا يصدح مبدأ الأغلبية بقول الحق أو الخير دائمًا. ومن سوء الحظ، ثمّة العديد من الأساليب والفرص للقوى السياسية والمالية والإعلامية لتضليل خيارات الناس والتلاعب بها. فالقوى ذات النفوذ بارعة وتدرك أفضل الاستراتيجيات. تُطوّرُ قوى أخرى- في الحالة الحديثة لسيادة القانون وفي ظل حكم السوق- استراتيجية إعادة تشكيل أو إعادة صياغة فكر العامّة من خلال بيع الأوهام للشعب وبالتالي، رسمها لفكر واحد وإخضاع الجميع لهذا الفكر المشترك. لذلك، نشهد ''حكم العمومي'' (Publicracy) عوضًا عن حكم الشّعب: الديمقراطية أو حكم العمومي في ثوب الديمقراطية أو الديمقراطية المشوهة متراكبةً على حكم العمومي. وهذا في اعتقادي هو ''حصان طروادة'' الذي يقوض الديمقراطية.

ليس من الغريب أن تفشل الديمقراطيّة في حماية نفسها من حكم العمومي لجهلها بالإقرار بحصان طروادة لحكم العمومي وذلك لتماهي الديمقراطية الصارخ مع حكم العمومي. تكمن المشكلة في خُلوّ الديمقراطية القائمة، وخلافًا للقوى ذات النفوذ، من الذكاء، بينما تبدو القوى الكامنة وراء الدّعاية أكثر ذكاءً. فالديمقراطية أسلوب عمليّ لاتخاذ الخيارات العامة، ولأنّها لا تمتلك فكرًا في حدّ ذاتها، تعجز عن الدفاع عن نفسها ضد القوى الخارجية. فالديمقراطية أساسًا لا تحدّد ما هو جيّد أو تبرر ما هو صواب بل إنها لم تبرر نفسها قطّ. وتستمرّ الديمقراطية نتيجة غياب أفضل البدائل. بعبارة أخرى، تعدّ الديمقراطية وسيلة لاتخاذ القرارات بشأن توزيع الحقوق والسلطة، بعيدة كلّ البعد عن مسألة تحديد الخير أو الحقيقة أو العدالة. وعليه، تحتاج الديمقراطية إلى فكر خاصّ بها.

"الديمقراطية الذكيّة"

س. ح: وهل تتصوّر أي بديل
؟

ت. ت: توقّعاتي أن تحدث ''ديمقراطيّة ذكيّة''، ديمقراطية قائمة على المعارف، وآمل أن تتّسم بنفس الذكاء الذي تحظى به القوى ذات النفوذ اللاهفة وراء السيطرة على الديمقراطية، على الأقل أفضل من تجمّع رأي عام مضلّل.

دعني أوضّح. تنطوي الديمقراطية الذكيّة على نظام الإقتراع بصوتين (لكل ناخب صوتان في الانتخابات) ونظام انتخابات على مستويين. ويعني هذا الإدلاء بصوتين في الإنتخابات ''ناخب واحد، وصوتان''، أي المحاسن والمساوئ في أيّ من الانتخابات وهي تمثّل إعجاب الناخب أو كرهه للمترشّح. ويعدّ هذا الكُرهُ متغيّرًا ضروريًّا وهو أبلغ أهمّية من ''الإعجاب'' وعليه يشكّل ''نظام الصوتين'' تمثيليّة كاملة لفكر النّاخب، أمر أفضل بكثير من النظام السائد المتمثّل في مبدأ ' شخص واحد، صوت واحد''. تتمثّل القواعد الأساسية التي تضبط نظام الاقتراع بصوتين في ما يلي: (1) صافي قاعدة المؤيّدين وهي: صافي المؤيدين يساوي نسبة المؤيدين ناقص نسبة المعارضين. فلنفترض أنّ المترشّح ألف تحصّل على 51% من الأصوات المؤيّدة و31% من الأصوات المعارضة ، ثمّ نخصم 31% من 51% نحصل على نتيجة 20% صافي المؤيدين. ولنفترض أنّ المترشّح باء تحصّل على 41% من الأصوات المؤيّدة و11% من الأصوات المعارضة المدلى بها. نخصم 11% من 41% نتحصّل على نسبة 30% صافي المؤيّدين. إذًا يجب اعتبار المترشّح باء الفائز. قاعدة (2) بوصفها قاعدة للحسم الانتخابي قاعدة الأغلبية المشروطة/ وتتمثّل في التالي: إن كانت نسبة صافي المؤيدين للمترشّحين متماثلة يكون المترشّح الحاصل على أكثر نسب التأييد هو الفائز.

يعني نظام انتخابات على مستويين ضرورة خطوتين لاستكمال الانتخابات. أولًا، يدلي الجميع بأصواتهم لمن يرغبون. ثانيًا، تحصي اللجنة العلمية وتفرز عدد الأصوات ذات الثقل النيابي للموافقة على خيارات الناس من عدمها. لذلك، تحدّد نظام انتخابات على مستويين السلطات المنفصلة حيث يقرر الناخبون من هو مرغوب فيه، وتقرر اللجنة العلمية ما هو ملائم باعتمادها لنتائج الانتخابات والتصديق عليها. وإن تمّ إعداد الانتخابات على النحو، يمكن أن نجعل من الديمقراطية ذكية مؤسسيًا بحيث تكون بارعة في ذاتها، وتعتمد على نفسها دون تدخّل وهذا يحتمل استقلاليتها عن الخيارات غير العقلانية. أخلص هنا بالجدال أنّ الديمقراطية ستكون قائمة على المعارف. إذ يقتصر جهدي راهنًا على تحسين نظام الاقتراع. من المؤكد أن الديمقراطية الذكية تحتاج إلى مزيد من الذكاء والمفاهيم الأكثر ذكاءً. وهذه مهمة يتعين مواصلة متابعتها.

س. ح: أنت تدعو إلى ''ديمقراطية قائمة على المعارف'' ولكن من يرشح الخبراء الذين سيكونون جزءًا من اللجان أو الهيئات الفرعية؟ يبدو أن ''الخبراء'' لا يقدمون حلولًا علمية فقط، بل إنهم منقسمون في كثير من الأحيان على أسس سياسية.

ت. ت: تثير مسألة الترشّح مشكلات دومًا. وأخشى أنه لا يوجد أي حلّ مثالي. فالسياسة القائمة على الأحزاب هي بالضرورة سياسة حزبيّة. قد لا يكون الأسلوب الممكن عمليًا هو الأفضل، لكن لا وجود لمثل أعلى، لذلك يتعيّن علينا أن نتصالح مع الواقع. وهذا هو السبب في أنّي أحدّ مجال خيالي في التحسينات المقبولة عوضًا عن تصوّر الإصلاحات الجذريّة للديمقراطيّة. لكن كيف نقوم بترشيح الخبراء للجان العلميّة لإدراة الديمقراطيّة الذكيّة؟ تتبنّى فكرتي مبدأ ''السمعة'' التقليدية في إشارة إلى مكانة المترشّحين المرموقة والمعترف بها. فسمعة المرء حقيقة اجتماعيّة واضحة. أسوق هنا مثال العلماء البارزين الذين تمّ تكريمهم وفازوا بجوائز كبيرة وبالتالي من المفترض أنهم يعرفون المزيد عن إمكانات أو مخاطر ما يرغب الناس في القيام به. بالطبع، قد تكون السمعة في غير محلّها، لكن تكون المعرفة بالتأكيد أفضل من الجهل. للخبراء ميولاتهم السياسية، وأفضل شيء يمكن أن نتوقعه هو النزاهة والصدق في عملهم. ثمّة أساليب لوقف الروابط المالية السرية مع الخبراء وقطع شريانها.

لا تعدو نظريّتي في الديمقراطية الذكيّة -كما ترى- أن تكون منوال مزيج متواضع من ''الجينات السياسيّة'' المختلطة ألا وهي 50 في المئة من الديمقراطيّة الحديثة، و30 في المئة من الارتقاء بعملية صنع القرار إلى مستوى أعلى كما في عهد دجيزي Jizi (الإمبراطور الصيني الحكيم- المترجمة) و20 في المئة من مفهوم ''الملك الفيلسوف'' لأفلاطون. يكمن مسعاي في محاولة التوازن بين التقاليد الأكثر حكمة للتعامل مع الشؤون العامة والشؤون المشتركة. فالأمر متعلّق بما هو أكثر معقولية ولم يرق بعد إلى المستوى الأمثل. 

لا يأتي العفو المبرّر من أحد سوى من الضحايا أو من عائلاتهم، ولا من أي شخص آخر بالتأكيد (يروي فيلم كوري المعنون بـ شـروق الشـمس الخـفيّ Secret Sunshine، قصة عن ذلك). يحق لنا إنصاف الضحايا لكن لا يحقّ لنا القيام بالعفو بدل الضحية...


س. ح:
في قراءة لأعمالك، يبدو أن انتقادك القاسي للنظام الديمقراطي لا يمكن أن يفسر سبب وجود حركات اجتماعية لدينا اليوم. إذ لا يمثّل النظام الديمقراطي نظامًا مغلقًا حتى في سمة ''حصان طروادة''، فهو قادر على إنتاج بدائل (إيكولوجية واجتماعية - اقتصادية وسياسية).

ت. ت: أوافقك الرأي تمامًا. ليست الديمقراطية مفهومًا مغلقًا. ويمكن اعتبار البدائل للديمقراطية المؤسّسية والحركات الإجتماعيّة ديمقراطيّة عفويّة رغم دعم بعض المنظّمات لها ورعايتها. لكن لا تمثّل هذه البدائل ''خيول طروادة'' وأكنّ لها احترامًا. أعتقد أنّه يمكنك القول إنّ الحركات الإجتماعيّة هي أفضل جوانب الديمقراطيّة. من المؤكد أن الحركات الاجتماعية أقرب إلى الديمقراطية المباشرة. وهذا أمر جيّد. ومع ذلك، ثمّة مشكلة خطيرة في اعتقادي وهي اعتبار مواجهة السعي وراء الحركات الاجتماعية أيضًا تضليلًا بعاطفة لا تحتمل حيث تكون المطالبات التي تتجاوز قدرة دولة أو العالم على الاحتمال والإيفاء بها أحيانًا مدمّرة وغير بناءة. يذكّرني هذا بالمثل القديم القائل: ''ربة المنزل أدرى بنفقات إدارة الأسرة''. وبدلًا من ذلك، أودّ هنا التأكيد على ديمقراطية قائمة على المعرفة العقلانية ومُرتّبةٌ مؤسسيًا حتّى تكون أكثر ذكاءً بذاتها. إذ تعدّ ''الديمقراطية الهادئة'' أكثر حكمة وموثوقية من النوع الأكثر انفعالًا. دعني أسألك: إن نحن أردنا تغيّرات في مجتمعاتنا، كيف نتأكّد أيّ التغييرات هي الأفضل للمجتمع؟ وقد تغض الديمقراطية الطرف في معظم الحالات عمّا هو جيّد ومفيد. من المضحك، أو ليس مضحكًا للدرجة، أن يظلّ فلاسفتنا دون مفهوم واضح لما هو ''جيد''. بيد أنّ الديمقراطية ذاتها تخلو راهنًا من أيّ قيمة. ولكنها بدلًا من ذلك تعدّ مسألة يتوجّب تثمينها. 

س. ح: أنت تشكّك في الديمقراطية باعتبارها قيمة ولكن ما يشكل القيمة هو معرّف الديمقراطية أي الصفة التي نلحقها بها. وعليه، نتحدث اليوم عن الديمقراطية الليبرالية. لقد نشأتُ في سورية حيث كان حزب البعث الحزب القائد يستخدم ''الشعبية'' لوسم الديمقراطية. وحين تقرن الليبرالية بالديمقراطية، فهذا يعني حرية الدّين وحريّة التعبير والصحافة والتجمع، وحرّية تكوين الجمعيات والأحزاب السياسية، وقبول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بطريقة مجرّدة (وليست تفصيلية). وهل يتوجّب علينا انتقاد هذه القيم؟ ففي الديمقراطية "الشعبية" في سورية، بالكاد شهدنا أي حرية تعبير أو إمكانية تأسيس جمعيات وأحزاب سياسية دون القبول بأيديولوجية النخب الحاكمة والانصياع لها. إضافة إلى تعقّد النظام الانتخابي للبرلمان، حيث تم تخصيص مقاعد خاصة للطبقة العاملة والفلاحين، وأعتقد أنّ هذا أمر جيد رغم أنّ هاتين الفئتين ذاتيهما محرومتان من حرّية التنظيم. ومن هذا المنطلق، تكتنز لفظة ''شعبية'' بالقيم المعادية لليبرالية رغم سعيها إلى تحقيق بعضٍ من العدالة الاجتماعية. وبالتالي، لا تستطيع مناقشة الديمقراطية دون وصفها. أنت تستخدم المعرّف ''الذكي'' في وسم الديمقراطية للانتقال من شكلها الحالي ''القائم على الرأي'' إلى شكل جديد ''قائم على المعرفة''. ومع ذلك، كيف يتموقع الذكاء ذاته مقابل التقاليد (الشعبية والليبرالية)؟

ت. ت: شكرًا على استفسارك الأنيق. ففي بيته يؤتى الحَكَمُ. أودّ القول، قبل الخوض في جدال كيفية أن تغدو الديمقراطيّة ''ذكيّة''، إنّه لا وجود لديمقراطية محضة وهو ما يجعل من الديمقراطيّة الحقّ مفهومًا يعدّ من الأمور الإشكالية. أنت على صواب عند القول بارتباط الديمقراطية ببعض القيم حين انتسابها إلى معرّف. وهذا يحتمل أنّ الديمقراطية ذاتها، هذا المفهوم بعينه، ليست إلّا أداة أو إجراء. ويعني أيضًا أنّه لن نتفق على ديمقراطيّة ملتزمة بقيم ليست قيمنا. وعلى هذا الأساس يحتلّ المعرّف أهمّية أبلغ من الديمقراطية. حيث تكشف المعرّفات عن أكثر المشكلات والصراعات عمقًا. وقد يخفي صوت الديمقراطية المدوّي السعيَ الفعلي وراء قيم ومصالح وسلطة محدّدة.

إن مفهومك عن المعرّف نيّر، فهو يذكرني بالمشكلة الأساسيّة في مسألة تصنيف القيم. ولكلٍّ تصنيفُه من حيث القيم وإلا فإنهم يجدون أنفسهم عالقين في شرك معضلة محاولة فعل كل شيء. ويشير تصنيف القيم إلى التمييز، وبالتالي إلى الصراعات أينما كانت. فالتمييز كلمة مرعبة، لكنها تشير إلى حقيقة انخراط الجميع في أعمال التمييز رغم تفضيل معظمهم اتخاذ موقف معاد لأي تمييز. من غير المرجح أن يؤدي وسم أو تسمية جزئية للديمقراطية، سواء كانت ليبرالية أو شعبية، أو حرية فردية أو عدالة اجتماعية، إلى الحدّ من النزاعات أو الخلافات بل وقد يؤدي حتى إلى زيادة توسّع مدى النظام الاجتماعي الأنتروبي (Social Entropy) أو التفكّك الاجتماعي. لذلك سأعتمد شيئا آخر غير القيم المزعومة، بغض النظر عن مدى جاذبيتها وأنتقل بدلًا من ذلك إلى تطوير ''إعدادات الذكاء'' (Settings) في النظام التشغيلي للديمقراطية، توقعًا لديمقراطية متأصلة في الذكاء - وهو ما أسميه ''الديمقراطية الذكية''- حيث سيسمح الترتيب المنهجي للمعرفة بالتحكّم لاتخاذ القرار النهائي. وبالمعنى القائم على رؤية مستنيرة قد يساعد الذكاء الاصطناعي الفائق مستقبلًا، ليعمل بوصفه إضافة نوعية إلى العقول البشرية أو حتى العمل جنبًا إلى جنب مع العقول البشرية لتحقيق- في نهاية المطاف- الذاتية العابرة للذكاء الاصطناعي، على أمل أن تكون أكثر ذكاءً وأقل أيديولوجية. تهدف الديمقراطية إلى اتخاذ خيارات عامة لخدمة مجتمع بأكمله بدلًا من خدمة القوى السياسية المتنافسة. 

ضمن محاولة بناء مفهوم بديل للكوجيتو الديكارتي أودّ القول: أنا أبتدع إذًا أنا موجود...


نحتاج إلى تطوير معارف جديدة وأفضل

س. ح:
سؤال قد يثير اهتمامًا بالغا لدى القرّاء. لقد كنت شاركتَ في الآونة الأخيرة في تحرير القاموس الأوروبي الصيني لسوء الفهم الثقافي مع العلماء الأوروبيين. وهذه الفكرة رائعة لأنك تموقعتَ خارج نموذج ما بعد الكولونياليّة حيث النظر إلى معارف مختلفة (جنوبية) والعمل ضمن أقرانك الأوروبيين لتخطّي مشكلات سوء الفهم، على النحو الذي تنتهجه مجموعات البحث الصينية الفرنسية الداعيّة إلى علم الاجتماع ما بعد الغربي والعمل معًا. 

ت. ت: نحتاج إلى تطوير معارف جديدة وأفضل، بدلًا من أن نطلق العنان إلى منافسة عدائيّة ضدّ المعارف التقليديّة. أنا لا أعتبر وجهة نظر ما بعد الكولونياليّة خير وسيلة للخروج من الاستعمار أو بشكل أكثر تحديدًا، الاستشراق. ستكون عقولنا مقيّدة ومحاصرة ومضللة بالمفاهيم والأنماط الاستعمارية حين نقوم بتجربتنا لطريقة ما بعد الكولونياليّة للتحدث مجدّدًا أو ''عدم إثبات'' ما جرى القول عنا، بمعنى الصورة المستشرقة التي فرضها المستعمرون ''علينا''. أعني إن عارضتُ الاستعمار، ستكون بنية فكرية مقولبة بالمفاهيم الاستعمارية وستكون ممتثلة ومضبوطة بخطابات كولونياليّة ولن ينطقَ لساني بما يخالج فكري. أو، إن أنت قلت، ''أنا غيرُ ما تعتقدُ''، يتقيّد نظرك ونطاق خطابك بشكل لا إرادي بآفاق استعماريّة أو استشراقيّة، وحينها تفقد حريّة الفكر. أجادل هنا بأنّ معاداة المعارف ضعيفة وسلبية. سأستأنف بدلًا من ذلك تناول المشكلات الأساسية والعامة التي تواجه جميع البشر، وقد نتقاسم ونتبادل مفاهيم مختلفة، أو نجادل حججًا أفضل، أو سوء فهم متبادل مثير للاهتمام وقد نستفيد جميعًا. أسمّي هذا ''مضاعفة عبر الثقافات'' (Transcultural Multiplication) وهي استعارة أولية قبل التوصّل إلى استعارة أفضل.

ومن الطبيعي أن يسيء أي شخص فهم الآخرين. فلدى الفكر الآخر وعلى الدوام سبب ما لإساءة فهمنا. وقد نحدّ من سوء الفهم المتبادل هذا من خلال توضيح المفاهيم الأساسية، ومعرفة ما إذا كانت نظرياتنا أو نظرياتهم والافتراضات المسبقة الكامنة وراء مفاهيمنا أو وراء مفاهيمهم متّسقة أم خالية من الاتّساق. 

س. ح: تتحدّى في مقالتك الرّائعة الموسومة ''أنطولوجيا التعايش: من الكوجيتو إلى الفعل'' الصادرة في دورية  ديوجينس (2012)  كوجيتو ديكارت وتطرح بدلًا من ذلك فكرة الفعل Facio (أن تكون هو أن تفعل) معتقدًا أنّ ''العقلانية العلائقية'' (Relational Rationality) سمةٌ نظرية أساسيّة لتغيير التعايش البشري وتصوّر التعايش كونه مسألة سابقة للوجود الأحادي. سيضع هذا أساسًا متينا لما تدّعيه بحق أن التعايش سابق للوجود وأنّ فكرة الالتزامات الإنسانيّة أسمى من حقوق الإنسان. ثم تتطور لاحقًا نظرية حقوق الإنسان الائتمانية (Credit Human Rights). هلّا ضربت لنا مثالًا؟ 

ت. ت: شكرًا جزيلًا على دعمكم! دعني أدلو بدلوي أولًا وأقول بعض كلمات حول تركيزي على مسألة الابتداع (Facio) وهي كلمة أساسية في ''فلسفة الأفعال'' الخاصّة بي خلافًا لـ''فلسفة الأسماء'' الأكثر شيوعًا. يجعل ديكارت من الكوجيتو أفضل الأسس للفلسفة، ثم يشرح هوسرل ''كل شيء'' تقريبًا لعالم مقصود من الكوجيتو. ومع ذلك، تظلّ المشكلة الأساسيّة قائمة حيث تَقيُّد الكوجيتو بالوعي، ولا تفسير له خارج الوعي، وأخيرًا يدفع إلى انخراط الوعي وتفعيله. يبرز إذًا عجز الكوجيتو في العالم الحقيقي وفي العالم الخارجي إضافة إلى العقول الأخرى أو ''القلوب الأخرى'' (وهي مشكلة أكثر تعقيدًا). وخلافًا لهذا المنطق تكون وراء المعرفة منظورات قائمة على الفعل ومستمدّة من الابتكار. أعتقد أن الابتداع يمثّل قاعدة أكثر صلابة يمكن أن تقوم عليها الفلسفة. حيث يشمل الابتداع كلّ الأفعال المتعدّية وهو ينطوي بالضرورة على العالم الواقعي والعقول الأخرى. أضيف هنا أنّ الابتداع خلّاق في ابتكار الأشياء أو النظم الجديدة. وبعبارة أخرى يتّسم الفعل بالخلق والإبداع بينما يحكمُ السردُ (Narrating) الكوجيتو. وعلينا أن نفسّر نحن أنفسنا تلك الإبداعات ضمن الحقيقة وبواسطتها. وهذا يعني أنه ينبغي علينا أن نجعل المشكلات الأنطولوجية الجديدة مفتوحة على الإمكانيات بدلًا من الضرورة، أو المستقبل الذي لا يمكن تحديده بدلًا من المُسَلّمات، أو على زمن ذي الأبعاد المتعدّدة عوضًا عن تسلسل أو ''تقدّم'' أو ''مسارات الزمن المتشابكة'' على حدّ قول بورخيس Borges وبموجز العبارة يفتح الابداع الأسئلة الأنطولوجية خارج أنطولوجيا الوجود وتُوسّعُها. ستركز فلسفة الأفعال على الإبداعات الأنطولوجية للإنسان، خلافًا لفلسفة الأسماء التي تؤكّد على المسائل المعرفية للمعرفة والحقيقة. وفي أفق الابتكار تبدو الوحدة الأنطولوجية المسؤولة في التعايش وليس في الكينونة، وهي ميتافيزيقيًّا سابقة للوجود. وعليه، تدعو الضرورة إلى دراسة ورصد تجلّيات مبادئ التعايش الأساسية. حيث يكون التماثل، أو التوازن للتعايش الإنساني في ''المبدأ الأساسي''  (Primary Principle) ليكون جيّدا مثل ''مبدأ الفعل الأصغر'' في الفيزياء.

أسوق مثالا وأرجو أن يكون ملائمًا. كنت قد قابلت قبل عشرين سنة الفيلسوف بول ريكور Paul Ricoeur في بكين ودار بيننا جدال حول حقوق الإنسان وعقوبة الإعدام. أنا أقدّر بول ريكور كثيرًا. وآسف جدًا لشعوره حينها بالقلق من نظريتي الإصلاحيّة لحقوق الإنسان من حيث حقوق الائتمان (Credit Rights) بدلًا من الحقوق الطبيعية. هو إنسان طيّب جدًّا ولكن كان عليّ أن أوضّح الخطأ المنطقي الذي ينطوي عليه مفهوم الحقوق الطبيعيّة والذي قد يضلّل في النهاية النظرية الشائعة لحقوق الإنسان لتصبح سفسطة أنطولوجية.

باختصار، لا يمكن وفق هيوم Hume استدلال من الواجب ought من  عبارتي (is-ness) كون is - واللاحقة التي تدلّ على الاسم ness. بديهيّ أنّ الحقوق الطبيعية قيمٌ سياسية أو أخلاقية تتعلق بالمجتمعات المدنية، وبالتالي فهي ليست موجودة بطبيعتها. وهي ليست، بعبارة أخرى، سوى حقائقَ اجتماعية وتاريخية. وإن اتفق الجميع على تمتّع كلّ فرد بحقوق الإنسان، فذلك يستدعي ضمنَا أن حقوق الإنسان ينبغي أن تكون، منطقيًا، حقوقًا مزدوجة شرطية وأن تُبرَّرَ فقط على أساس مبدأ التماثل أو المعاملة بالمثل، كما هي الحال في شكل التكافؤ المنطقي. ولا ينبغي أن تقيّم حقوق الإنسان لأي فرد أو تقدّر على نحو أقل أو أدنى من أي فرد آخر. أشير إلى إثارة مسألة حقوق الإنسان الحديثة لمشكلتين على الأقل بسبب إقرارها بالحقوق اللّامشروطة، ممّا يتسبّب في تدمير التماثل أو التوازن بين الواجبات (التزامات) الإنسانيّة وحقوق الإنسان، والأسوأ مما أن يفضي ذلك إلى جعل التباين بين حقوق الإنسان للمجرم وحقوق الضحية أمرًا فعليًّا. أسوق هنا مثالًا، قبل سنوات حُكم على قاتل في النرويج، الذي أجهز على 77 شخصًا وأصاب أكثر من 100، بالسجن لمدة 21 عامًا، وقد تمّ إطلاق سراحه على الأرجح في وقت سابق. يكمن السؤال في: كيف ستشرح للضحايا أن حياتهم تُحتسبُ في تساوٍ مع 21 سنة لا أكثر، في حين أن حق القاتل في الحياة تساوي تقريبًا اللّامنتهى؟ فالعدالة التي تعجز عن الحساب أو المنطق ليست عدالة.

لقد كنت أبلغت البروفيسور ريكور اتّفاقي معه على ضرورة إلغاء عقوبة الإعدام، لكن يجب أن تكون العقوبة أقرب للعدالة حتى يصبح ارتكاب الجريمة خطرًا غير مستحقّ، وإلا قد تقوّض ممارسة حقوق الإنسان مفهومَ حقوق الإنسان. تدّعي نظريتي للحقوق الائتمانية أن (1) مبدأ يُولد جميعُ الناس أحرارًا ومتساوين في الحقوق الانسانيّة، (2) ينعم المرء بحقوق الإنسان الخاصة به بشروط، أي شريطة ألا يدمّر حقوق الإنسان لأي شخص آخر، وإلا فقدَ تلقائيًا نفس الحقوق المماثلة، (3) ينبغي لحقوق الإنسان والواجبات الإنسانيّة (التزاماته) المحافظة على التماثل أو التوازن الفائق، (4) واجبات الإنسان سابقة منطقيًّا لحقوق الإنسان بمعنى أنّ الواجبات الإنسانية تستدعي ضرورةً وجوهريًّا حقوق الإنسان، دون أن يصحّ العكس ، لأن الالتزام الأخلاقي بالواجبات الإنسانية يعني مفهوميّا واجب المرء احترام حقوق الإنسان للآخرين، نظرًا لأنّ الواجبات الإنسانية محدّدة من حيث العلاقات المتماثلة، وبالتالي فهو أمل بحماية حقوق الإنسان للآخرين، بينما تُعرَّف حقوق الإنسان من منظور الفرد حيث لا تُحترم بالضرورة حقوق الآخرين.

كنت قد اتفقت مع البروفيسور ريكور بشأن أهمّية مسألة العفو. لكن عليّ القول إنّ العفو يعجز عن حلّ جلّ المشكلات، ولهذا السبب نحتاج إلى العدالة وإلى القانون في النهاية. ولا يأتي العفو المبرّر من أحد سوى من الضحايا أو من عائلاتهم، ولا من أي شخص آخر بالتأكيد (يروي فيلم كوري المعنون بـ شـروق الشـمس الخـفيّ Secret Sunshine، قصة عن ذلك). يحق لنا إنصاف الضحايا لكن لا يحقّ لنا القيام بالعفو بدل الضحية. أخبرني البروفيسور ريكور أنه لا يتّفق معي تمامًا لكنه لن ينام جيدًا في تلك الليلة.

هذه مسألة معقّدة. ولن أقول أنّ في جعبتي الإجابة عن السؤال. ومع ذلك، أود أن أجادل بشكل أفضل التوجّه الذي تشكّله نظريتي باستحضار سبب أنطولوجي. لا وجود لحقيقة عالمية للشؤون الإنسانية - والله عليم خبير– فنحن نجتهد فقط لإيجاد سبل أفضل. وإن كان المبدأ الأساسي للإنسانية جيدًا، فهو جيد في حدّ ذاته. وهذا يعني أنه لن يأتي أبدًا بعكس المراد. بعبارة أخرى، لا ينطوي المبدأ الأساسي على مزيد من التوقّعات أكثر من ذاته. وإن انطوى المبدأ على جميع الافتراضات، كما نعرفه، فهو افتراض خاطئ لا غير. يؤسفني القول أن انطواء حقوق الإنسان اللّامشروطة على العديد من الأمور أكثر مما يمكن أن يحتمل تفسيره، وبالتالي، فهو غير متسق ولن يأتي على الأرجح بعكس المراد في حالات عديدة. تتميّز فكرتي بقيام جميع قضايا المجتمع البشري على العلاقات، لمجرد أنها مؤلّفة من علاقات. تعدّ العلاقة الجيدة شرطًا أساسيًّا لأي شخص يتمتع بالرفاه، في حين أنّ النزاعات تقف حائلًا وتعمّق القصور (Entropy) الاجتماعي الذي يأتي بهلاك الأشياء كلّها. فالتماثل، والتبادليّة، والتوافق، والانسجام، والقدرة على الاستيعاب، والعقلانية العلائقية كلّها أمور جيدة في حدّ ذاتها، لأنها تنسج علاقات جيدة بين الكائنات. أمّا مفهوم الفرد فهو سفسطة أنطولوجية، وأعني هنا أن الفرد لا يمثّل وحدة أنطولوجية دقيقة، إنما هو وحدة معرفية أو نفسية لطابع ذاتي فضلًا عن أنّه مطالبة سياسية بالحرية. يبدو ذلك جيّدًا في الكوجيتو cogito، لكنه ضعيف في الوجود. أجادل هنا أنّ الذاتية صفةُ الكوجيتو cogito في المفهوم، ولكن ليست صفة الشخص القائم. فالحقيقة الأساسية للكينونة هي الابتداع، والابتداع ذو أهمّيّة بالغة حين التعامل مع الآخرين. وبناء على محاولة بناء مفهوم بديل للكوجيتو الديكارتي، أودّ القول: أنا أبتدع إذًا أنا موجود Facio Ergo Sum.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.