}

جوسلين صعب: كاميرا تُهَدْهِدُ الجسد وتُرمّم مأساة الذاكرة

أشرف الحساني 8 ديسمبر 2020
سينما جوسلين صعب: كاميرا تُهَدْهِدُ الجسد وتُرمّم مأساة الذاكرة
صعب أمام أحد أفلامها خلال الحرب الأهلية اللبنانية(رصيف 22)

تنتمي المُخرجة اللبنانية جوسلين صعب (1948 - 2019) إلى جيلٍ سينمائيّ عربيّ لن يتكرّر. بحيث أنّ أسماء من قبيل مارون بغدادي، وبرهان علوية، وجان شمعون، ورندة الشهّال، ومي المصري، قد شكلّت علامات فارقة في تاريخ السينما اللبنانية، ومنها إلى العربيّة، نظرًا إلى أهميّة أعمالهم السينمائية والوثائقية، التي برزت إلى السطح منذ سبعينيات القرن الماضي، وحرصهم الشديد في جعل العمل السينمائي، ينطلق من خصوصيات عربيّة، من دون اللجوء إلى واقع آخر، أو استعارة بعض من تقنياته في الصناعة الفنية، ما جعل هذه الأفلام بمثابة وثائق تاريخيّة بصرية عن مرحلة، ما يزال جرحها يدبّ في الجسد السياسي العربيّ، بسبب الرجّات التي طاولت البلد سياسيًا واجتماعيًا، جعلت المخرجة جوسلين صعب تترك مجال الصحافة والإعلام، وتقدّم نفسها إلى مجال الصناعة السينمائية، بقدرات مُتفرّدة ورؤى ثاقبة في معاينة الواقع السياسي، وتشريح ميكانيزماته، خلال الحرب الأهلية اللبنانية وبعدها، لذا فإنّ المُخرجة جوسلين صعب تُعدّ أكثر المخرجات العربيّات ممن تجرأن على تعرية تنانين السُلطة، ومكر السياسة، وفداحة تاريخها، ومكر وقائع جعلت البلد يدخل في حرب أهلية لم يندمل جرحها بعد. لكن قيمة جوسلين لا تقتصر فقط على الجرأة، وتعرية مكبوت المجتمعات العربيّة في مرحلة مُترهّلة اتسمت داخل الأدبيات الفكرية بـ"التقليد"، وإنما من خلال قدرتها على تجريب قوالب مُتنوّعة في توثيق مرارة الحرب وذاكرتها البشعة، وطرق موضوعاتٍ سياسية واجتماعية، انطلاقًا من قصصٍ وحكاياتٍ إنسانية، تعيش مرارة الحرب واللجوء والنفي والتهجير، بحيث أنّ استنطاق هذه الحكايات الفردية يُشكّل لدى جوسلين خطوة إجرائية أولى للولوج إلى مُتخيّل البلد وتفكيك يقينياته، رغم الأبعاد الأيديولوجية، التي تطبع أعمالها السينمائية والوثائقية، بسبب حساسية المرحلة، وسيطرة مفاهيم الماركسية واليسار الجديد (ألتوسير)،

والتحرّر والقومية العربيّة، تجعل أيّ فعلٍ سينمائيّ لا يُمكن أنْ ينفلت من قبضة هذه المفاهيم، التي أثرت بشكل كبير على المشروع الفني لدى جوسلين صعب من خلال جعل قضية اليسار والتحرّر قضية مركزية للثورة على طبيعة السلط القائمة سياسيًا، وإنْ كان البُعد الاجتماعي داخل أعمالها لا يُمثّل سوى مدخل لإدانة السياسة وجبروتها في حق حرية الأفراد، حتى بدت أعمال جوسلين منذ اندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)، وكأنّها أعمالٌ سياسية بامتياز، نظرًا للأسلوب البصري الأركيولوجي، الذي يقوم على الحفر في مُتخيّل بلدٍ وأناسٍ واجتماع، إذْ أنّ الصورة لديها تُظهر أكثر ممن تُضمر وتبوح، وتنتقد أكثر مما تتوارى وراء استعارات فنية، أو مجازٍ بصريّ، لأنّ جوسلين كان هدفها الأساس منذ عملها الروائي الأوّل "حياة معلّقة" (1985) هو زحزحة النظرة القائمة حول السينما العربيّة في كونها سينما تُمتّع النظر وتُطهّر الروح حسب التعريف الأرسطي للفنّ، فهي قلبت كل شيء وجعلت من العمل الفني، سينمائيًا كان أم وثائقيًا، مختبرًا لإدانة الواقع، وتفكيك أزعوماته وأغاليطه من أفكارٍ وتصوراتٍ وتمثلات في نمط عيشٍ لم يعُد يقوى على الاستمرار أمام واقع جديد تفرضه الحرب، حيث الجسد مُكبّل بسلاسل الغربة والمُخيّلة معطّلة على الإبداع والأحلام مُعلّقة على سياج السجون والمقابر. وبما أنّ المجتمعات العربيّة لم تخرج بعد من تقليديتها، تجاه السينما ومُتخيّلها، منعت أفلام جوسلين صعب لسنوات طويلة، وحرمت من الدخول إلى مصر، بسبب فيلمها "دنيا" (2005)، الذي سلطت فيه الضوء على ظاهرة الختان من خلال حكاية فتاة تدرس الآداب في جامعة القاهرة، وتُحبّ الرقص بمُختلف أشكاله المعاصرة، لكنّها تجد صعوبات جمّة من لدن مجتمعٍ تقليدي لا يحترم رغباتها، ولا اختياراتها الفردية، ولا نزواتها الجسدية، تجاه الرقص.

جوسلين صعب خلف كاميرتها

الوثائقي

يحتل الوثائقي لدى جوسلين صعب مكانة كبيرة، فهو قريبٌ من اشتغالاتها الصحافية الأولى، كمراسلة حربية في عدد من أصقاع العالم، ثم لأنّ الوثائقي كان الأقرب إلى قلبها وهي تهُّم إلى التقاط تفاصيل صغيرة من حياة لبنانيين وفلسطينيين من داخل الحرب الأهلية اللبنانية، وجعلها تمتطي صهوة المرئي، بسبب طبيعة الأفلام الوثائقية ذات الارتباط الحميمي بحساسية الحدث ومنهجه البصري الذي يرتكز على الحفر أكثر من التخييل والحلم. فالوثائقي بطبيعته المنهجية مُلتصقٌ بمسام الإنسان وعيشه، وهو قادرٌ أكثر من الأنماط الفنية الأخرى على التماهي مع الأحداث السياسية والاجتماعية، لكن وبذهاب جوسلين إلى العمل الوثائقي، كطريقة فنية للاحتجاج على الحرب، لم تجعل من أنماط صورها ميكانيكية في نقل حيثيات هذا الواقع، أو الانصياع بشكلٍ سلبيّ إلى مفهوم "المحاكاة"، كما تبلورت داخل "السينما الواقعية" بقدرما ظلّت أعمالها الوثائقية دومًا تبحث عن منافذ بصرية لمسرحة الجسد وتخييله قبل عرضه، فحتى لو لم تكُن الحكايات المُستلة من الحرب الأهلية اللبنانية حقيقية، فإنّها تظلّ موسومة بفعل إبداعيّ يُحرّكها وينسج خيوطها ونتوءاتها ويُمركزها داخل بنية المرئي. فهذا التزاوج الآسر بين الوثائقي والتخييلي في أعمال جوسلين صعب نابعٌ من رغبة أنطولوجية، قد لا تقوى جوسلين نفسها على كبحها، وهي تندلق من مثالب الذاكرة، وهذه العملية يتحكّم فيها مفهوم "الدفقة الشعورية" التي تُعطّل سُلطة العقل القاهرة، ويُصبح الجسد هو المسؤول الأساس عن هذه الأفكار الإبداعية، التي تُحاول استقراء ما يقع خلف الواقع ورتق ما انفتق من ذاكرة الناس وعائلاتهم أمام دبابات سُلطة عسكرية اكتسحت الأخضر واليابس من أحلام الناس ومواطنهم. كل هذه الأشياء تجعل من عملية نقل الواقع أمرًا صعبًا، بمُحاولة تحديده وإخضاعه وقولبته

داخل إطار وثائقيّ، أو سينمائيّ، لأنّ حدود الجسد أكبر من العقل، والصورة بطبيعتها الفكرية امتداد لنزوات الجسد وقوّته في تكسير الحدود الرمزية. إنّ وثائقيات جوسلين صعب تمرينٌ للّغة البصرية على الحفر في مكبوت الشعوب العربيّة، وتحريض الجسد على الصراخ والاحتجاج سياسيًا، ووضع الكاميرا داخل تخوم غير مفكّر فيها من الاجتماع العربي. بهذا المفهوم، يغدو العمل الوثائقي تفكيرًا مُسبقًا على التقنية، فهو ما يُوجّه الكاميرا ويرسم حدودها الواقعية والخيالية، لهذا لا يلبث المُشاهد لأعمال صعب أن يندهش من قدرتها على إدارة شخصياتها وحكاياتها داخل صورة تُشكّل امتدادًا للحياة في فوضويّتها، ما يُنتج نمطًا من الصورة يُمكن أنْ نطلق عليه "هندسة الصورة"، بحيث أنّ كل مشهدٍ يكمّل الذي قبله ويُزكيه. فيكون العمل الوثائقيّ خاضعًا لهندسة أوّلية يتحكّم فيها الفكر، وترسم تضاريسها كاميرا على حدود منزلة بين العقل والجسد، أو بين المنطق واللامنطق، بين الحلم والموت، بين التماهي والانشطار. هكذا تتخذ الأعمال الوثائقية لدى جوسلين صبغة فكرية وأيديولوجية، قبل أنْ تكون عملية فنية. فالبُعد الجمالي غير مقبول أمام واقعٍ يئن بسبب حربٍ، أيْ أنّه عملية لاحقة عن نشوء العمل.
لكن من أين تستمد جوسلين صعب جماليّات أعمالها الوثائقية والسينمائية؟

جوسلين صعب مع جولنارا أبيكييفا (يمين) وفاطمة سيمين معتمد آريا (وسط) في حفل افتتاح مهرجان أبوظبي السينمائي الخامس (13/ 10/ 2011/فرانس برس)            

بما أنّ جوسلين نجحت أكثر من مرة كمراسلة حرب في جنوب لبنان، ومصر، وليبيا، بتوثيق حكايات الناس ومشاغلهم المُغتصبة من لدن سماسرة السراب، وقتلة الأحلام، فإنّ هذه الحكايات تُصبح لديها مادة بصرية غنية للتوثيق والتخييل. ولذلك لم تجد صعوبة بالغة في نقل هذه الحكايات داخل أعمالٍ وثائقية، بحيث أنّ شجاعة العمل الصحافي تجبر المرء على مواجهة مختلف أشكال السلط السياسية والاجتماعية، وتجعله أسير جسده فقط، وفي خضمّ التغيير الجذري، الذي يطال المنطقة العربيّة. خاصّة أنّ أعمال جوسلين صعب، منذ سبعينيات القرن الماضي، تُعتبر أكثر الأعمال الفنية اللبنانية التي ساهمت في نهضة الشعوب العربيّة ويقظتها تجاه تاريخها المكبوت، ومحاولة تشريحه، ونقده، وإبراز نتوءاته وأعطابه، بطريقة يمتزج فيها

الواقعي بالتخييلي، انطلاقًا من حكايات تُمثّل قاعدة فنية لمُجمل أعمال جوسلين الوثائقية والسينمائية، التي تستند إلى مفهوم "الحكاية"، كخاصية جمالية ملازمة لمنجزها الفيلموغرافي قديمًا وحديثًا، بحيث أنّ تعدّد هذه الحكايات والقصص داخل متنها البصري على غزارتها وزخمها الإنساني هو ما يطبع جماليّات أفلامها، ويجعلها قريبة من نفوس الناس ومشاغلهم اليومية تجاه المنطقة العربيّة.

حاضرة بقوة
رغم الإبدالات السياسية والاجتماعية والثقافية، التي ألمّت بالجسد العربي في السنوات الأخيرة، إلاّ أنّ أفلام جوسلين صعب لا تزال حاضرة بقوّة داخل عدد من المهرجانات العربيّة والعالمية، ناهيك عن الكُتب والدراسات المُنجزة إلى حدود اليوم حول المُخرجة ومكانتها داخل الساحة السينمائية العربيّة.
نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى الدراسة المُهمّة التي أنجزتها الباحثة الفرنسية ماتيلد روكسيل "جوسلين صعب: الذاكرة الجموحة". خاصّة أنّ جملة الأحداث التي شهدتها مصر، وسورية، ولبنان، بعد الربيع العربي، تجعل أفلام جوسلين تطفو مُجدّدًا إلى السطح، بطريقة غدت فيها فيلموغرافيتها الواقعية تُنافس أفلامًا عربيّة جديدة. رغم الاختلاف الذي يسم هذه الأفلام على مستوى الصناعة والتقنية، لكنّها تظلّ واقفة على أعتاب التاريخ مُتطلّعة بنضارة صوب مستقبل السينما العربيّة، عبر أفلام تجاوز عددها 30 فيلمًا بين التلفزيوني والوثائقي والسينمائي، إضافة إلى العديد من معارضها الفوتوغرافية، التي شهدتها بعض المؤسّسات العالمية قبل رحيلها بسنوات قليلة. وهي جميعها أنماط وقوالب فنية تنقّلت بينها جوسلين بكل تفنّنٍ في صناعة مسارها الإبداعي، وتخييل حكاياتها وقصصها ببراعة قلّ نظيرها داخل السينما العربيّة الآن.

لقطة من فيلم "دنيا" الذي حازت صعب عنه على جوائز عدة

في فيلمها "دنيا"، الذي أثار جدلًا سينمائيًا كبيرًا داخل مصر، تتبرّم جوسلين من مباشرة الطرح السينمائي لقضية الختان داخل المجتمع المصري، من خلال جعل القضية مُختزلة ضمنيًا داخل حكاية سينمائيّة، تروي قصة فتاة طالبة (حنان ترك) تحب الرقص بشراهة، وتسعى جاهدة إلى تعلّم أساليبه وإيقاعاته الشرقية المعاصرة داخل مجتمع تقليديّ مُحافظٍ. عملت جوسلين في هذا

الفيلم على مستوى التأليف على اقتراح كتابة جديدة، تقوم على قلب التمثلات والتصوّرات المُسبقة، التي تُكوّنها المجتمعات العربيّة التقليدية، تجاه عدد من القضايا المركزية أهمّها الجسد. أما على المستوى المعالجة السينمائية، فإنّ جوسلين أعطت قيمة أكبر للمُؤثرات الصوتية والبصرية، ومحاولة إبراز جماليّات الصورة وتناغمها مع الصوت، من أجل التأثير في إحساس المُشاهد، فهي لجأت إلى هذه العناصر الجمالية لمُحاولة الانفلات من المباشرة في طرق قضايا الختان والجسد والرقص داخل المجتمع المصري الحديث. وهذا النمط الفني المُتمثّل في عملية القلب الدرامي للسينما العربيّة هو ما جعل صعب رائدة في هذا المجال، لأنّ الكاميرا لديها تُصبح بمثابة إزميلٍ تحفر من خلاله عن المكبوت في أجسادنا، والمُتوارى خلف واقعنا، واللامفكّر فيه داخل اجتماعنا الإنساني. ورغم أنّ هذه الطريقة في التخييل السينمائيّ أغضبت كثيرًا من الأنظمة ومؤسّساتها السياسية داخل مصر وخارجها منذ السبعينيات مع فيلمها الوثائقيّ "مصر مدينة الموتى"، الذي عالجت فيه قضية الانفتاح داخل المجتمع المصري. هذا الفيلم أثار ضجة كبيرة، بسبب حساسيته، ونقده اللاذع لطبيعة حياة وعيش الناس في تلك الفترة، وغلاء أسعار المواد الأوّلية، التي جعلت كثيرًا من المواطنين يغادرون مصر بحثًا عن مستقبل أفضل. إذْ يتميّز هذا الفيلم عن "دنيا" في كونه كان مباشرًا إلى حدّ ما، لأنّه شكّل البدايات الأولى لجوسلين صعب كمُخرجة، ففيه نرى البُعد الصحافي لا يزال حاضرًا ومُؤثرًا في طبيعة الفيلم، هذا التأثير الذي سيتلاشى أكثر فأكثر في أعمالها المُقبلة، ثائرة على مختلف الأشكال والأنماط الفيلمية المتوارثة في تاريخ الصورة العربيّة، عاملة على اجتراح كتابة جديدة تبني عواملها من قصص وحكايات الواقع. أما في "دنيا" فثمة لغة سينمائية غير مباشرة، هي ما تصنع جماليّات الفيلم، وتجعله مُؤثرًا، تأليفًا وصناعةً، وهو ما يزال إلى حدّ اليوم من الأفلام العربيّة الجريئة، التي وضعت الجسد في قلب الصورة السينمائية العربيّة، وعالجت قضية الختان داخل المجتمع المصري، بطريقة سينمائية ذكية، تجمع بين قوّة السيناريو، وجماليّات صورة وبلاغة جسدٍ، يعمل ليس فقط كموتيف جماليّ، يحرك جسد الآخر ويُثيره، وإنما كآلية سياسية واحتجاجية، تُدين هذا الواقع وطريقة تعامله مع المرأة وحريّتها في اتخاذ القرارات، بمنأى عن الرجل، وسُلطة المجتمع، وتقاليده البدائية القاهرة.

 

*ناقد مغربي.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.