}

"بيروت مدينة عارية".. الحياة على صفيحٍ صاخب

أحمد محسن 27 أبريل 2020
فوتوغراف "بيروت مدينة عارية".. الحياة على صفيحٍ صاخب
إييفا سودارغيتي الدويهي وغلاف كتابها «بيروت مدينة عارية»
لا أثر للزحمة في بيروت. الحياة خالية من الروح ولكن ثمة ما يدل إليها. في كتاب «بيروت مدينة عارية»، لإييفا سودارغيتي الدويهي، تبدو بيروت ناقصة، أكثر من كونها عارية. تبدو من متممات حياة تجري إلى جانبها، وليست حياة بحد ذاتها. وربما هذا هو ما يفسر العنوان الذي اختارته الكاتبة. ذلك أن العري ليس مطلقاً، بل مجرد تخفف. في بحثها عن المدينة، تحاول إييفا البحث عنها وهي متخففة من عناصر البهرجة.

بصعوبة بالغة تعثر على القليل من الأشجار بين ورش البناء وأكوام الباطون. للحظة، تختفي المدينة، لتظهر بدلاً منها صورة عنها. تحاول الصور، خاصةً في الجزء الأول، الذي تختلط فيه المكونات ببعضها البعض، أن تنقذ المدينة من الاختفاء، وأن تحافظ على نكهة الواقع. هذا الواقع الذي يغرق مع تلة من الرمل، وثقت المصورة صعودها في الأشرفية، قرب مبان قديمة «قيد الاختفاء». هذه الصور ـ المحاولة، تكشف عن مدينة سابقة، تحاول العيش في الحاضر. سألنا الدويهي عن هذه النقطة بالذات، فقالت إن المدينة بالنسبة لها هي عبارة عن جسم يتكون من أجزاء كثيرة. ولاحظت ما لاحظته في رحلتها المصورة. أجزاء قديمة لدرجة أنها دُفِنت ونُسيت. لم تكن عملية تصوير عادية، بقدر ما إنها عملية بحث، وإزالة للنمو المتسارع، للعثور على جِلد المدينة الرازح تحت طبقة سميكة. لكن ليست هذه هي الأجزاء الوحيدة، هناك أجزاء ترتطم بالوجود أفقياً وعمودياً، وقد حدثت أمامها بوتيرة متسارعة.

  الأشرفية  

















في بعض الصور، كان وجود الماضي والحاضر معاً واضحاً تماماً، إن كان ذلك في «المركز»، أو في مناطق يمكن تصنيفها في خانة «الضواحي». ولكن في معظم الحالات، وجدت المصورة اللبنانية ـ الليتوانية أدلة منفصلة على ما كان موجوداً في حياة سابقة، مستقلاً عن الزمن ومستعيراً المكان للإقامة، وهي تعرف جيداً أن في بيروت الكثير من المباني التي تم بناؤها لاحقاً مع تغير القوانين، وتالياً حدثت تغييرات من قبل مستأجرين مختلفين، حسب أمزجتهم.
هذا النمو العضوي والنمو الزائد و«ترقيع الجلد» كما تسميه، جعل بيروت مدينة «مميزة» برأيها. هذه الحالة الإكزوتيكية التي تتمتع بها صورة بيروت، ليست بالضرورة أن تنسحب على الحياة خارج الصورة. لكن إييفا ليست مهووسة بالواقعية على أي حال، بل تؤكد أنها تعمل حسب منهجية منظمة، بحيث تحاول دائماً في صورها، وبمراعاة العوامل التقنية والفنية معاً، حماية المنطلقات من التشوهات، فتضع جسدها أمام المشهد ليتسنى لها أن تراه كاملاً. هناك ما يحدث دائماً بعد الحواف، هناك أشياء كثيرة تحدث في وقت واحد.
في لقطة الباشورة ما يطغى هو الواقعية، لكن بقليل من التدقيق يتضح أن المصورة وضعت نفسها أمام المشهد فعلاً. وإن كانت حراسة الحواف تبدو أكثر إتقاناً في لقطة فرن الحويك أو على السواحل في ضبيه. لا تقوم الدويهي في بحثها بعمل عابر، ولكن كل شيء يبدو عابراً.

 فرن الحايك 

















تقول إنها تعود إلى المنزل وتدقق في الصور، كما يفعل الأطباء مع صور الأشعة السينية، وكما يفعل المهندسون مع رسومهم التخطيطية: «أحاول البحث عن نوع خاص من الواقعية، يتجاوز تجربة المدينة كمكان للسكن».
وقد يكون هذا العمل شاقاً في الفوتوغرافيا، لأنه يقفز من تصورات شائعة عنها، إلى ما يشبه «مسرحة» الفكرة، وفي هذه الحالة الفكرة هي مدينة معقدة وشائكة مثل بيروت. انتقال القصص العامة والمخاوف الشخصية من طوابعها المجردة إلى التفاصيل ليس أمراً سهلاً. لهذا السبب، هناك خطوة إلى الوراء قبل كل صورة، بحيث يتسنى للقصص أن تكشف عن نفسها. نحن أمام محاولة جدية لصناعة أرشيف للمستقبل، ورصد التحولات السريعة. محاولة لالتقاط أنفسنا كعابرين في فضاء مديني يبتلعنا ويبتلع قصصنا. فهذه المدينة، محكومة بعلاقة مع السياسة والاقتصاد والصحة، والدويهي تتساءل عن دور هذه العوامل في التأثير على العلاقة مع بيروت، وعلى وتيرة الحياة فيها.

 من بيروت  

















سنجد في الكتاب العدسة تقترب أحياناً من الحياة، وتجسّد المباني كما لو أنها كانت بشراً في الأساس. سنجد بيروت نفسها أشبه بورشة مستمرة، أكثر من كونها مدينة. الحرب ماثلة في آثارها، بعض الرصاص الذي حفر الجدران.
مواد مثل البحص والزينك والإسفلت، مشهد يشتبك مع الناظر، وتشتبك عناصره مع بعضها البعض. مدينة الفوضى، والأسلاك تقضم السماء، وهرب من هذا كله إلى ما هو أكثر حميمية أحياناً: النوافذ التي تتنفس منها الإنشاءات العملاقة، وتجعل الشكل ممكناً. ولسيرة الشكل، تقول إييفا الدويهي إنها تعتبر بيروت جميلة، إذا كان الجمال الذي نتحدث عنه هو الجمال الذي يرضي بصرها. عدستها تميل إلى التقاط الأشياء التي تحدث دفعةً واحدة: الطبقات والطنين الذي يفصل بينها. مدينة عارية، وبهذا المعنى تصير التفاصيل عارية على السطح، هذا الجانب الذي تحاول الدويهي اكتشافه من زاويتها. ذلك أنه في التنظيم المديني ستكون النظرة مناقضة تماماً.

 الأوزاعي 

















لكن هذا الجمال، عن بعد، أو خلف خطوة، أمام الصورة أم خلفها، ليس جمالاً مطلقاً، بل هو نسبي. وليس جمالاً يمكن قياسه بالمناهج، ولآخرين يمكن أن يكون تفسيراً لأشد درجات إنكار البشاعة. ليست التفاصيل، أو الطبقات، هي أماكن البشاعة بالضرورة، بل ربما يكون اجتماعها على صفيح صاخب.
على أي حال، حاولت المصورة في عملها أن تفعل ما يفعله الفنانون عادةً، أي عيش المدينة بطريقتها الخاصة، مثلما يفعل كل الناس فيها. انطلقت من فكرة أساسية، وهي أن كل أحد يراها بطريقة مختلفة، ويعيشها بطريقة مختلفة. وبينما حاولت تأكيد هذه الفرضية، آخذة بالاعتبار احتمالات النتائج الداكنة لنقل هذه الحياة، كانت تفعل الأمر نفسه مع نفسها.
مثل الذي يقودون دراجاتهم النارية، وكما تراقب أسطح المدينة صمت العابرين تحتها، وتحزن المباني المهجورة لاكتفائها بأنفسها كمنصات للماضي، كانت الصور وحصيلتها عبارة عن تجربة ذاتية بأدوات موضوعية، لاكتشاف هذا الاحتشاد العنيف للزمن في الجغرافيا، الذي اسمه بيروت. وقد بدا أن المعركة في الحيّز البصري بين الماضي وبين الحاضر على نحو لا يترك أي مكان للمستقبل.

تقول إييفا الدويهي إنها تعتبر بيروت جميلة، إذا كان الجمال الذي نتحدث عنه هو الجمال الذي يرضي بصرها

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.