}

وداعًا فيصل حوراني.. ظل وفيًّا لاحترام الرأي الآخر

راسم المدهون 14 مايو 2022
هنا/الآن وداعًا فيصل حوراني.. ظل وفيًّا لاحترام الرأي الآخر
فيصل حوراني (1939 ـ 2022)

حياة طويلة حافلة بالتعب والمعاناة والقبض على الحنين إلى وطن مغتصب عاشها فيصل حوراني، الذي رحل عن هذه الدنيا قبل يومين، منذ ولادته في (المسمية) عام 1939، التي عاش فيها طفولته الأولى، وتعلم في مدرستها الابتدائية صفوفه الأولى، قبل أن تداهمه وشعبه نكبة عام 1948 فيرحل مع أمه إلى غزة، ليذهب بعد ذلك إلى العاصمة السورية دمشق، حيث استقبله جده لأمه، ورعاه يتيمًا وحيدًا.
فيصل حوراني التصق بالكفاح الوطني والقومي التقدمي منذ صباه المبكر، وعاش التجارب الحزبية والسياسية بروح متميزة طيلة حياته، فكان دؤوبًا على الحوار والجدل الفكري والسياسي، بروح ديمقراطية جعلته في أغلب الأوقات صديقًا حميمًا لبعض من يختلف معهم ويختلفون معه، هو الذي كان يؤمن حقًا أن الآخرين لهم أيضًا قناعاتهم التي لا يراها مخطئة دائمًا. وبهذه الروح بالذات، أقام شبكة واسعة من الأصدقاء، وفتح لهم دومًا بيته، وظل وفيًا لفكرة الحرية بمعناها الشامل والعميق، الذي كان في أساسه احترام الرأي الآخر، وأهمية الحوار معه بروح فيها كثير من حسّ الدعابة التي اشتهر بها، والتي عكست حبه للحياة، وحرصه على أن يعيشها بكليتها.
تعرفت على فيصل حوراني في وقت ما من عام 1971 في الشام، ورأيته منذ السهرة الأولى في بيته في "العفيف" في الشام مختلفًا ومميزًا، ومنه تعرفت على بعض أبرز الكتاب والمثقفين في عاصمة الأمويين، ومنهم الراحل، سعيد حورانية، أحد أبرز رواد القصة القصيرة في سورية بسنوات الخمسينيات، والدكتور نبيه رشيدات، الطبيب والسياسي الأردني الذي عاش في الشام. كان فيصل يتنقل بين مكاتب الفصائل الفلسطينية، يتعرف على هذا، ويحاور ذاك، وكان كل مرة يترك أثرًا طيبًا في نفوس محاوريه، حتى وهم يرفضون بعضًا من آرائه، خصوصا أنهم كانوا يجدونه دومًا غير غاضب، ولا متأثر باختلاف، إذ هو يدعوهم للغداء في بيته، وكأن الجدل الذي اختلفوا بسببه لم يكن.




تجربة فيصل الأهم كانت عمله في "جريدة البعث"، وفي إذاعة دمشق، محللًا ومعلقًا سياسيًا لسنوات طويلة، انتقل بعدها إلى "مركز الأبحاث" في منظمة التحرير الفلسطينية، في بيروت أولًا، وفي العاصمة القبرصية نيقوسيا بعد اجتياح إسرائيل لبنان عام 1982. هي سنوات كنت قريبًا منه أكثر من السابق، بل لا أزال أتذكر أنني وصلت وإياه قادمين من العاصمة الجزائرية بعد المشاركة في المؤتمر العام لاتحاد الكتاب الفلسطينيين، فذهبت معه إلى بيته، ومنه إلى بيت أخي في اليوم التالي.
هو أيضًا "الحكواتي"، كما وصفه صديقنا المشترك الراحل، الشاعر أحمد دحبور، ولعل هذه التسمية استحقت جدارتها بعد أن أصدر فيصل روايته الأولى "المحاصرون"، عن تجربة العمل الفلسطيني في الأردن، لينطلق منها نحو روايات أخرى، لعل أهمها "سمك اللجة"، وليحقق بعد ذلك كتابه الأهم "دروب المنفى" بأجزائه الخمسة: "الوطن في الذاكرة"؛ "الصعود إلى الصفر"؛ "زمن الأسئلة"؛ "الجري إلى الهزيمة"، و"أين بقية الحكاية"، وهو كتاب الذاكرة الفلسطينية الحية التي تعتمد "التأريخ" الشخصي للأحداث الكبرى. فخلال هذا السفر الكبير، كتب الراحل فيصل حوراني تفاصيل الأحداث التي عاشها من وجهة نظره هو، بل ومن خلال مشاعره إزاءها، وفهمه الشخصي لها، وأيضًا من خلال الإحاطة بالحالة الشخصية لها خلال هذا الحدث أو ذاك، وأيضًا من خلال أسلوب سردي يقارب فن القص الأدبي، ولا يبتعد عنه كثيرًا، وإن احتفظ خلال ذلك بمصداقية السرد وحقيقيته.



شيء كثير من ذلك سنجده في رواياته، وبالذات "سمك اللجة". فيها بعض ذكرياته عن العيش في الجولان، والعمل معلمًا في مدارس "الأونروا" في الخمسينيات ومطلع الستينيات. هو في أعماله الروائية ينتقي سردية بسيطة تقوم على الاهتمام بالحدث وتكثيفه، ورشاقة في الأسلوب جعلت رواياته قريبة إلى قلوب قرائه. ومن اللافت أنه كان في الأدب يشبه حياته ذاتها، فصاحب الأعمال الروائية الجميلة والمشوقة هو ذاته الذي واظب على تقديم دراسات سياسية كثيرة عالج خلالها بعضًا من أهم قضايا الكفاح الوطني الفلسطيني على مدار عقود طويلة كان خلالها عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني، وحاضرًا في محطات الكفاح كلها. نقول ذلك ولا ننسى دوره النقدي الكبير والهام في دراساته، وحرصه على معالجة شؤون فلسطين ومؤسساتها السياسية بروح نقدية إيجابية كانت سببًا في مرات كثيرة في خلق متاعب له، ولكنها كانت أيضًا سببًا في توثيق علاقاته بالجميع ممن أدركوا عمق انتمائه وحرصه على تسخير نقده في إطار التفاعل الإيجابي والرؤية المفيدة.



عاش فيصل حوراني منذ شبابه الأول مرضًا حيّر الأطباء، فعجزوا زمنًا طويلًا عن تشخيصه، وكانت أبرز أعراضه تصلب الظهر، أو بدقة أكثر تصلب العمود الفقري، ما جعل حركته صعبة إلى حد ما، لكنه تمكن من التعايش مع هذه الحالة، وواصل العيش منكبًا على الكتابة والقراءة والجدل الفكري والأدبي على نحو مميز. واللافت أنه كان يمتلك صبرًا وجلدًا طويلين، مثلما كان نادر الشكوى، ولا يستسلم للمتاعب وأسباب الإحباط.




ذهب فيصل إلى رام الله متأخرًا عن الجميع. وأتذكر أنه كان يرفض اتفاق أوسلو، وكانت لديه رؤية محددة للاتفاق حرص على أن يذكرها للرئيس الراحل أبو عمار، وكان بعودته يحلم بأن يرى وطنه، أو الجزء المتاح منه، وأن ينام في أبديته هناك.
فيصل حوراني "إبن المسمية" كان لا يخلو من حس الفكاهة وروح المرح: أتذكر أنه لم يجد طريقة لمصالحة ابن عمه، ورفيق حياته، الراحل عبدالله حوراني، سوى أن يذهب إلى بيته قبل حضور الأخير، فلا يستطيع صاحب البيت إلا أن يرحب به، وهكذا كان، وكم ضحكت عندما سمعت الحكاية منهما معًا. تلك روحه التي شغفت بالمحبة، وانحازت إلى الرؤية الجمالية في الأدب والحياة معًا، وهو بها عاش مع عائلته، وتعامل مع بناته الثلاث، كما مع أصدقائه وزملائه في العمل الوظيفي والسياسي، وحتى في بعض خصوماته النهائية القليلة. ولا أنسى أنه كان ينصف من اختصم معهم، ويقول شهادته في حقهم بموضوعية لا تتأثر بانقطاع العلاقة، أو بغضبه منهم.
برحيل فيصل حوراني، تفقد الحياة الثقافية والسياسية الفلسطينية رجلًا كبيرًا في المجالات كلها، أحبه الجميع، وأحب الجميع، وكان الجميع يحرصون على التواصل معه، ومتابعة أخباره، ولو من بعيد، خصوصًا بعد أن ذهب للإقامة في رام الله، حيث فاجأني عام 2010 بزيارة بيتي في درعا ومعه نسخة من الأجزاء الخمسة من كتاب حياته الأهم "دروب المنفى".
وداعًا أيها الصديق.

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.