}

دارين أحمد: الحرب السورية سحقت جزءًا من أرواحنا

علاء زريفة 19 يوليه 2023


لعل أبرز ما يميّز لوحات الفنانة التشكيلية السورية المقيمة حاليًا في ألمانيا دارين أحمد، هو طابعها الذي يجسّد عمق الألم الإنساني والخوف الظاهر في وجوه وحركات شخوصها. وكذلك تجاعيد الكآبة والحزن الواضحة في تفاصيلها. ولأن الوجوه هي مرآة الروح فهي تحاول تصوير هذا الانكسار الذي لا يحتاج فيه متذوق لوحاتها شرحًا ولا تبيانًا لأسبابه كونها ابنة هذه البلاد المنكوبة بحرب دموية أتت على الحجر والبشر والأرواح.

دارين هي ابنة منطقة الغاب التابعة لمحافظة حماة وسط سورية والمولودة عام 1979، بدأت حياتها في العمل الصحافي كمحررة في مجلة ودار نشر معابر الدمشقية خلال إقامتها في العاصمة دمشق، قبل أن تنتقل مع عائلتها إلى ألمانيا حيث بدأت حياتها كفنانةٍ بشكل ذاتي حتى بدأت تثبت نفسها في هذا المجال فنشرت لوحاتها في عدة دوريات وملاحق ثقافية عربية.

كذلك شاركت في عدة معارض مشتركة بين ألمانيا وإنكلترا كان أولها ما بين شهري أيار/ مايو وتموز/ يوليو عام 2016، بمشاركة عدد من الفنانين السوريين بعنوان "نقطة هروب" في بون. ثم بمشاركة الفنانة البريطانية فرانسيس أفيفيا في برلين في تموز/ يوليو من ذات العام. وفي عام 2017، شاركت لوحاتها إلى جانب (48) فنانة من كافة أنحاء العالم في "غاليري كريبت" في برلين بعنوان "شهوة مؤنثة". وللسؤال عن هواجسها وطموحاتها كفنانة وعن المحرمات والتابوهات التي قد تتعرض أي امرأة تعمل في هذا المجال، وأثر الحرب في سورية على لوحاتها ومدى قربها من روح عملها الفني، كان لنا معها هذا الحوار:

 

(*) تأخذ الوجوه البشرية في لوحاتك طابعًا خاصًا يتسم بالوحشية والقسوة أحيانًا، والبؤس والتجاعيد التي تبدو كندب في الروح أحيانًا أخرى. ترى هل يعكس ذلك رؤيتك للعالم؟ ومن أين تستمدين مواضيعك؟ ما أبرز المدارس الفنية التي تأثرت بها؟

المدرسة الوحشية في الفن التشكيلي من المدارس المفضلة لديِّ، وهي باعتقادي ما تزال تعبر عن روح العصر الحالي الغارقة في الفوضى والشتات، وهي مثل قصيدة النثر تمثل السهل الممتنع في الفن التشكيلي، ولذلك فهي بجانبها المتحرر من الصرامة الأكاديمية، والمتحرك نحو الانفتاح الروحي والمعرفي للفنان، قادرة على حمل ثقل الفنان المعرفي وخفته المعرفية أيضًا، ولذلك هي أيضًا الأكثر انتشارًا بين الفنانين التشكيليين. لا أقصد بالمدرسة الوحشية هنا فقط المدرسة الوحشية وفق التعريف الضيق، بل أقصد بها في هذه العجالة كل ما هو متحرر من الجماليات البصرية لصالح الكشف الداخلي للفنانـ/ة وانعكاسات العالم الخارجي فيه، وأيضًا كل ما يعتمد تقنيًا على الخط العريض أو ضربات الفرشاة العريضة بدل رسم الكتلة باللون.

الوجوه في لوحاتي مرتبطة بالمواضيع التي أعمل عليها، والتي هي متجذرة في المأساة البشرية، في مأساة الكائن المسحوق. لوحات "سلسلة الحشد" على سبيل المثال انبثقت من جملة قرأتها في رواية "اسم الوردة" عن وصف للمجذومين: "متعصبين، فقراء، بسطاء، محرومين، مقتلعين من أيامهم، مذلولين في المدن..."، هذه الجملة تقاطعت في داخلي مع فكرة ضياع الكائن وصغره في الكتلة الكبيرة للمدينة، مع نفيه خارج الحضارة، ومع هروبه من أوطان نافية له حتى في سلمها فكيف مع الحرب. سلسلة لوحات "السيلفي" التي يحتل الوجه فيها كامل اللوحة هي محاولتي لترك سيلفي عن هذا العصر الذي نعيش فيه، ولذلك من الصعب أن تكون وجوها جميلة مريحة للنظر. لا يعني ما سبق أنني ضد الرسم الجميل، بمعنى اللوحة المريحة للنظر وللنفس، وأعتقد أن هذا الخط ضروري ولكني لم أعمل عليه بعد.

من أعمال دارين أحمد 


(*) الألوان في لوحاتك مشتعلة بالوحدة والضياع والبحث عن الذات. هل يعبّر هذا عن ما تركته الحرب السورية في داخلك؟

الحرب السورية هي واحدة من بدايات سلسلة التغييرات العالمية التي نعيشها الآن، ولذلك كانت صدمة مكثفة من خلال استمراريتها وكمية العنف المعلن فيها، ولاحقًا استطعنا متابعة التغيرات الجذرية التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط من مثل التغيرات في لبنان والسعودية... إلخ. لقد سحقت الحرب السورية جزءًا من روح كلِّ من عاش فيها، وها نحن بعد مضي أكثر من عقد نعيش حياتنا بوجوهٍ، وأرواحٍ، لم تعد تنزف، ولكنها مليئة بالندوب. أنا لا أشعر بالوحدة كشخص. يمكنني أن أصف حالتي بمفردة "الطفو"، أي الكائن الذي لا جذور له في الهويات السائدة.

(*) عشت بين بيئتين وثقافتين مختلفتين فنيًا، كيف أثر ذلك على إنتاجك الفني؟

لم يكن لدي أي إنتاج فني في سورية، إذ لم أبدأ مشروع الرسم إلا في نهاية عام 2014، وكنت حينها مستقرة في برلين، ولكني في سورية عشت الحياة الثقافية التي لم أعشها في برلين، فأنا الآن ورغم نشاطي التشكيلي على مواقع التواصل الاجتماعي وفي العالم الافتراضي، إلا أني في الواقع بعيدة عن الحياة الثقافية العربية هنا، ولست أيضًا على صلة بالحياة الثقافية الألمانية إلا بالحد الأدنى. لقد ركزت اهتمامي في السنوات الماضية على تطوير تقنيات الرسم عندي، وأعمل الآن على تطوير لغتي الألماني بما يمكنني في المستقبل من استخدامها ثقافيًا.

(*) ككاتبة اولًا وفنانة تشكيلية من خلال تجربتك، هل تقع تابوهات ومحرمات الأدب الذكورية على الفن التشكيلي؟ هل هناك ما يفيد إبداعك اليوم وسابقًا؟

بالتأكيد، المحرمات هي ذاتها على أي نشاط إبداعي، وفي التشكيل بشكل خاص لأنه ووفق بعض الأفكار الدينية تشبُّه بالخالق، ولذلك طاوله التحريم أكثر من الأدب. وفي باب كسر طوق التحريم لدي بعض الأفكار الفنية التي آمل أن يُتاح لي في المستقبل الوقت والقدرة على تنفيذها.

(*) لا تزالين تنشرين ما تكتبينه حتى اليوم ضمن دوريات ومواقع ثقافية، لماذا لا تصدرين مجموعة شعرية؟ هل لديك موقف من حركة النشر والكتابة عربيًا؟

أرغب باصدار مجموعة شعرية يومًا ما، وأريدها أن تكون صفوة ما كتبتُ، إذ لا يهمني أن أصدر عدة مجموعات شعرية، خاصة أنني أحقق غايتي في نشر قصائدي من خلال نشرها افتراضيًا، ولا أعتقد أن نشرها طباعيًا سيضيف إلى تجربتي في الوقت الحالي، خاصة مع الامتهان الذي يُعامل به الشعر على صعيد النشر الورقي.

(*) ما هو هدفك من الفن، هل تعتبرينه بمثابة بحث عن خلاص ما؟ أم مجرد احتجاج على واقع لا يمكن تغييره؟

أعتقد أن الفن هو الخلاص ذاته، وأن ممارسته هي واقعٌ جبري بمقدار جبرية الواقع الذي لا يمكن تغييره.

 

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.