}

وردة وعصفور

محمود شريح 14 مايو 2024
سير وردة وعصفور
(سهيل بدور، سورية)

 

كلّما أدمتُ النظرَ في أعالي الشجر في الغابة، هنا، فبدتْ لي السماءُ صافيةً، خللَ تشابكِ أغصانها، أدركتُ صِغرَ شأني وقصورَ فكري، وتذكّرتُ ما أنشدَه عبد الرحيم محمود (1913 – 1948)، شهيد معركة "الشجرة"، في قضاء طبريّة، خرّيج الكليّة العسكريّة العراقيّة، إلى جانب عبد القادر الحسيني (1908 – 1948)، شهيد معركة القسطل، ناحية القدس، إذ قال:

أنا مِن هناك مِن السماء

فَمَنْ على الدنيا رماني؟

وعبد الرحيم محمود تكنّى بأبي الطيّب، نسبةً إلى المتنبّي، فسمّى وليدَه الطَيِّب، ومن جميل شعره الذي يدورُ على الألسنة:

سأحملُ روحي على راحتي

وأُلقي بها في مهاوي الرّدى

فإمّا حياةٌ تُسِّرُ الصديقَ

وإمّا مماتٌ يغيظُ العدا

وهناك، في الغابة، حانتْ منّي إلتفاتةٌ إلى أسفلِ شجرة، فإذا وردةٌ حمراءُ تشرئبُّ من بين الأعشاب؛ تزهو بقامتها وتتباهى بطلاقتها، فكأنّها الحريّة في طراوتها، فخطرَ لي ما أنْ تُسمّى الوردةُ بإسمِها حتى تفقدَ رونقَها ويضمحلُّ بهاؤها، وكانَ على غصنِ تلك الشجرة عصفورٌ، غريبٌ عن أهله، يزقزقُ، فينطقُ بحالي، فتذكّرتُ فجأةً أنه لا يُسعدني هذه الأيّام إلّا شدوُ عصفور، ولا يأسرُني إلّا طموح وردة.

هنا، في هذه الغابة، صفحة الطبيعة وثيقةٌ متحوِّلة، فيما قوانينُها ثابتة، وهنا، في هذه الغابة، تلحقُ بي الفكرة، ثم تتجاوزُني، فألحقُ بها ورأسًا أُدوّنُها، مُدركًا أنّ الفكرةَ أوسعُ من الطبيعة، إلّا أنّها في آن نمطُ عيش، فليسَ أبهى من صفحةِ الفكر السامية إلّا ورقةُ الطبيعة الزاهية، فوردةُ الكاميليا التي كنتُ شاهدتُها فأسَرتْني جفونُها الحمراءُ قبلَ أنْ أعرفَ هويّتها ثمّ قيل لي يومًا إنها هي، أدركتُ عندئذٍ سرَّ روايةِ غادة الكاميليا حيث شَفةٌ حمراءُ تنطقُ بالحسّ وتشدو بالرغبة. وهناك عند منحنى الغابة وقبلَ أن أخرجَ منها أدركتُ فجأةً في قرارة نفسي أن ما رسبَ فيها واستيقظَ فيّ الآن آتٍ من ماضٍ سحيق خِلْتُهُ غابَ وإلى الأبد، فها هو يمثلُ أمامي، هو ذكرى غرامي الأوّل الوافد إليّ كلّما أطلّتْ عليّ وردة، إذ كانت تلك الصبيّة، على شرفة أهلها، وردةَ غَوْر، وكنتُ جهدتُ في حبِّها وهي جهدتْ في صدّي، فكان حالي حالَ شاعرٍ قديم سجّل أبياتَه المبرّد في الكامل فتحسّرَ حسرتي:

ما لعيني كُحِلَت بالسهادِ

ولجنبي نابيًا عن وسادي

لا أذوق النومَ إلا غرارًا

مثل حَسْوِ الطيرِ ماءَ الثمادِ

أبتغي إصلاح سُعدى بجهدي

وهي تسعى جهدَها في فسادي

فتتاركْنا على غير شيء

ربّما أفسدَ طولُ التمادي

فكان كلّما بَعُدَ عنّي منظرُ تلك الصبيّة على شرفةِ أهلها، وطال أمدُ فراقها، تأكّدَ لي، الآن، أن لا تصوّرَ ثابتًا لمفهومِ الغرام الأُوّل، ربّما لأنّ جَذْرَه خفيٌّ في الوعي الباطِن، لكنّه جذرٌ لا تَخمدُ حركتُه، ولا يخبو وميضُه، فكأنَّه عِرقٌ دَسّاس يخترقُ قشرةَ الوعي، كما تلك الوردة تنتفضُ من سُباتها فتنهضُ ملامحُها وتتضّحُ هيئتُها إثر محصِّلةِ عناصر طبيعية عدّة، أطلقتْها من رقادِها، فلعلّ جذرُ الغرام الأوّل يستقيمُ على شاكلتِها من هجعتِهِ عقبَ تراكمِ عوامل عدّة، نفسيّة بَعَثَتْهُ من رقاده، فالوردةُ، إذن، أيضًا متّصلةٌ بهذا الجذْرِ، فكأنّ الطبيعةَ قرينُ النفْسِ، وإذا صدقَ ذلك، فإنّ تمظهرَ الروحُ فيهما لهو نفسُه.

هذا عن سرِّ الوردة، سلوتي الأولى، أمّا عن سلوتي الثانية، زقزقةُ العصفور، فهي على صلةٍ وُثقى بالأُولى، لما تُثيرُه فيّ من حنين إلى ذكرى راسخة في ذهني عن سكنٍ أوّل، أفُلَ وغابَ حسًّا، إلّا في نخاريب اللاوعي، كما هي صورة الغرام الأوّل، فهي موسيقى الرّوح في جولانها، بحثًا عن هناء وطمأنينة، يردّان عنّي رُعْبًا ورِعْدةً في الهواجس من رؤى الليل، فلا يمثلُ أمامي إلّا أبياتُ العبّاس بن الأحنف التي شهد له البحتري من أجلها أنّه أغزلُ الناس:

يا غريبَ الدار عن وطنِهْ

مُفردًا، يبكي على شجنِهْ

طائرٌ يبكي على فنَنِهْ

شفَّه ما شفَّني فبكى

كلٌّ يبكي على سَكنِهْ...


مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.