}

المؤرّخ وامتحان لحظة الفكر العامة

يحيى بن الوليد 20 نوفمبر 2018

ما حصل في العالم العربي، قبل ثماني سنوات تقريبا، من "متوالية حراك ثوري" ومهما كان من اختلاف على مستوى التسمية والمقاربة بصفة عامة، ليس من الأحداث البسيطة والوقائع العادية في تاريخ العرب المعاصر. ما حصل هو من صنف الأحداث التي تطمح إلى إحداث تغيير في مجرى التاريخ الذي كان الدكتاتور العربي ــ المتصلّب ــ قد أخرج الإنسان العربي منه. لذلك كان من المفهوم أن يستدعي الحدث إعادة نظر بل مراجعة جذرية لحال العرب وفي ضوء مفاهيم فكرية ومقولات فلسفية وبراديغمات تاريخية. ولذلك كان من المفهوم أيضا أن يستدعي الحدث قامات فكرية وأكاديمية، سواء من الأحياء والأموات، لفك خطاطاته القديمة والجديدة.   

 

من هنا كان تعاطينا مع تصوّر أدونيس في مقال سابق، ودون أن يفيد ذلك تلخيص المثقف العربي في النمط الأدونيسي. ومن ثمّ بدا لنا أن نعرّج، عبر هذا المقال، على اسم آخر، لا لأن هناك من نبّهنا إليه فقط وإنما للمكانة التي يشغلها هذا الاسم في خريطة الفكر العربي المعاصر. والمقصود، هنا، المؤرّخ المفكر المغربي الألمعي عبد الله العروي، صاحب الأفكار القويّة بخصوص التاريخانية والفكر التاريخي والإيديولوجيا العربية المعاصرة... ولعلّ الأهم، كما في هذا السياق، أزمة المثقفين العرب (المفتوحة كما يمكن توصيفها).

 

واللافت أن صاحب "المفاهيم" كان قد أضرب، وبشكل لافت، عن الكلام عن الحراك العربي بصفة عامة وضمنه "حركة 20 فبراير" ببلاده المغرب، ولما طرح عليه السؤال حول سرّ هذا الإضراب في حوار (شهير) معه بمجلة "Zamane" (زمان) (المغربية) (العدد: 8، إبريل/ نيسان 2012)، كان جوابه أن التركيز ينبغي أن يكون على الدستور وليس على الشعارات. واستدل على ذلك بالثورة الفرنسية (1789) التي لم يتبق منها إلا النقاش العريض، والطاحن، الذي دار حول الدستور وليس الشعارات التي ردّدتها الحشود والتي لا يعرفها أحد اليوم بعد أن بدّدتها رياح التاريخ. فالتاريخ لن يكتب أسماءَ الشباب المغاربة الذين نزلوا بالآلاف إلى الشوارع عام 2011، وإنما سيكتب ما عرفه المغرب من تغيير للدستور وإصلاحات سياسية في فترة الحراك؛ وذلك كلّه متوقف على هدوء غبار الحراك الثوري حتى يتم التمكّن من الاطلاع على "الأرشيف". والنقاش حول الدستور ضروري لدرجة أن ثورات العرب الأخيرة نعتت بـ"ثورات الدستور والدسترة"، ثم إن الحاكم العربي ظل يحكم بدستور "على المقاس" ما لم نقل بأنه ألغى الدستور وشطبه من الوجود بعد أن لخَصه في تثبيت الحكم والتوريث؛ وهذا موضوع آخر.

 

واللافت أن عبد الله العروي أشار، في الحوار نفسه، وبذكائه المعهود، إلى أن كتبه تفيد كثيرا على مستوى فهم أو تفسير الحراك العربي... طالما أنها تضمنـت انتقادات وإشارات قوية للعوائق التي كانت في أساس الحريق العربي. وفي الحق فإن بعض كتبه، مثل "مفهوم الدولة" (خاصة من ناحية مفهوم "الدولة السلطانية") و"مفهوم الحرية" (بمعناها التاريخي والوجودي وليس الإجرائي) و"العرب والفكر التاريخي" (خاصة من ناحية الأفكار التي رسمها للمثقفين العرب للخروج من أزماتهم) وصولا لكتاب "السنة والإصلاح" و"من ديوان السياسة"... مفيدة في هذا السياق. فـ"مكوّنات السياسة عندنا هي في الوقت نفسه موانع السياسة"، كما قال العروي في الكتاب الأخير (ص62)؛ ولعل في هذا ما يصدق على باقي البلدان العربية.

 

ونقد من النوع الذي أبداه العروي، لازم ثورات أخرى غير عربية، بل في بلدان تعدّ من أكثر البلدان الأوروبية ثقافة. ولنا في "ثورة مايو/ أيار 68" الفرنسية مثال دال على ذلك، وهذا مع أن هذه الثورة كانت محكومة بسياق عالمي اتسم بـ"الرفض الراديكالي" على مدار الفترة الممتدة ما بين 1964 و1970. لقد تمّ رفضها بصرامة، منذ البداية، من قبل مفكرين وفلاسفة بارزين. وكان الفيلسوف والسوسيولوجي والمؤرّخ الفرنسي الأشهر رايمون أرون (R. Aron) قد تحدّث بدوره عن "ثورة مايو 1968" بفرنسا، في حينها، ورافضا إيّاها بشكل قاطع في كتابه "الثورة المفقودة" (La Révolution introuvable). وقد امتد نقده للإنتلجينسيا الفرنسية ذاتها والنخبة الجامعية في "انزلاقها الغريب والمفاجئ" (كذا) للتضامن مع الطلبة الجامعيين ومن منظور الخلط بين "الثورة الجامعية" و"الثورة السياسية"... وكأن الأمر يتعلق بكوبا وليس بفرنسا كما مرَّر ريمون آرون نفسه في الكتاب (الأصل الفرنسي، ص27) وتاركا للسوسيولوجيين والمؤرّخين معالجة معرفة ما إذا كانت المغامرة الفرنسية تنتمي للتاريخ الكوني أم التاريخ الهزلي (ص90). والموقف نفسه تكرّر مع أحد أهم مثقفي فرنسا ريجيس دوبري (Régis Debray)، الذي ركز على الطابع الإعلامي في الثورة وعلى ظهور أبطال جدد من الصحافيين والعاملين في الإشهار والمناضلين في حقوق الإنسان... وغير هؤلاء ممن يلخصِّهم في "الإنسان الفقاعة" و"إنسان اللحظة". والمثال على ذلك الطالب بنديت كوهن (Bendit Cohn)، الذي كان في أساس تفجّر الثورة، والذي أصبح سياسيا عاديا في ما بعد كما يشير إلى ذلك الفيلسوف ألان باديو في كتابه "فشل اليسار". وهناك مواقف أخرى رفضت الثورة نفسها ولا يسمح الحيّز حتى بجرد أسماء أصحابها؛ لكن في مقابل ذلك كان هناك فلاسفة بارزون، وكبار، آزروا الثورة وساندوا طلبتها، وعلى النحو الذي أفضى إلى ما يعرف بـ"فكر 68" تبعا لعنوان كتاب شهير لكل من لوك فيري وألان رونو.

 

أجل إن المؤرخ الآني يجهل نهاية الحدث، إلا أن "التاريخ الآني له قوته وضعفه في الآن نفسه"، كما يتصوّر المؤرّخ والكاتب جان لاكوتور (J. Lacouture) وصاحب أحد أهم الأبحاث ذات الصلة بـ"التاريخ الآني". ولنا في مثال الروائي الفرنسي إميل زولا الذي انخرط من أوّل وهلة في "قضية درايفوس" (نسبة للضابط اليهودي في الجيش الفرنسي الذي اتهم بالخيانة)، بل وتحمّل مشعلها، ما صار حدثا تأسيسيّا للمثقف بمعناه الحديث. إن العملية، هنا، عليها وبأكملها "طابع المقال" وقدرة هذا الأخير على تحريك الفكر وبلورة الأفكار. والعروي، مقارنة مع أدونيس وإدوارد سعيد والراحل نصر حامد أبو زيد وآخرين، ليس من الصنف الذي يعتقد في "جدوى التدخّل" ــ ودون تفريط في التحليل ــ عبر قناة المقال. وكما قال العروي نفسه في حوار معه: "ما يكتب في مؤلّف قضى صاحبه سنوات في تحريره وتنقيحه لا يمكن أن يساوى مع ما جاء في استجواب أو في مقالة كتبت على عجل أو بطلب من الغير" (مجلة "آفـاق" (الرباط): عدد مزدوج: 3/4 ، 1992، ص158).

 

 

والسؤال الذي يفرض ذاته في هذا السياق يتعلق بفكرة عبد الله العروي نفسها، في كتابه "العرب والفكر والتاريخي"، حول "الانسلاخ عن السياسة وتركها مرتعا خالصا للفكر التقليدي"، ومن هذه الناحية ألا يمكن للنزول لأرض المقال أو الحوار... أن يكون من باب "لحظة الفكر العامة التي يرتبط بها المؤرّخون في كل حقبة"، والتي تحدّث عنها المؤرّخ مارك بلوخ (M. Bloch) في كتابه "دفاعا عن التاريخ أو مهنة المؤرخ". وألم يكن الحوار في أساس كتاب رايمون آرون سالف الذكر (الثورة المفقودة)؟ وألم يكن الحوار أيضا في أساس كتاب المؤرّخ الفرنسي (والمختص في التاريخ الحديث للمغرب العربي) بنيامين ستورا (B. Stora) حول الربيع العربي (Le 89 arabe) ("89 العربية: تأملات حول الثورات الجارية") ومن موقع التحليل المتبصِّر والنقد المسؤول؟

 

يمثّل الكلام عن الحدث، في حينه، وبمعنى من المعاني، امتحانا للمثقف للبرهنة على قدرته على التعليق. ثمّ إن الإعلام راح يسعف المثقف على التأكيد على حضور هذا الأخير، ولا سيـّما في ظل تمكّن الجماهير من قدر لا يستهان به من "المعرفة العامة". وكما قال أدونيس، وحتى نأخذ كلامه بما يحتمله من تأويل، "أصبح الفرد غير (المفكـِّر) اختصاصا، شريكا للمفكر في رأيه وعمله". والظاهر أن الأفراد هم الذين نزلوا للشوارع ودون إشارة أو توجيه من النخبة أو الأحزاب أو النقابات... إلخ.

 

إجمالا يطرح كل من أدونيس، المتكلّم، بمرجعيته التي لم يفرط فيها، وعبد الله العروي، وبما يمكن استخلاصه من نصوصه من أفكار، وفي أفق دعم آرائهما بأفكار مفكرين آخرين، منظورين متعارضين ودالّين على نمطين من المثقف النقدي. وبالرغم من اختلافهما، على مستوى قراءة الحراك الثوري العربي وحال العرب بعامة، فهما يشتركان في أفق الفكر الذي يفيد على مستوى لفت الانتباه للسياسة المتهالكة في واقع العرب المهدّد بمزيد من التجريف الثقافي والتصحّر السياسي.

 

وفي حال العرب دائما، وفي سياق الحراك الثوري، ومن منظور أداء المثقفين العرب، فـ"الوصفة الديمقراطية الانتخابية التمثيلية" لا تكفي... كما جادل الراحل سمير أمين في كتابه الذي خصّه لـ"الربيع العرب" (العالم العربي في أمد طويل) (2011). فالتغيير الجذري للمجتمع، وكما يواصل سمير أمين، يستلزم "أمدا طويلا" (Langue Durée) ومع عدم التعميم في أثناء الحديث على العالم العربي. وهو ما يستلزم تخلص المثقفين من "تعاليهم الفكري" من ناحية، ودون أن ندفعهم في الوقت نفسه ــ أو من ناحية موازية ــ إلى الانحباس في نمط "المثقف المغامر" أو " الانتحاري".

 

 

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.