}

منير سليمان: ناقد ومثقف سوري كبير ومجهول

نبيل سليمان 15 مايو 2024
استعادات منير سليمان: ناقد ومثقف سوري كبير ومجهول
(عمر كوران، المغرب)

 

في خمسينيات القرن الماضي تألقت مجلة "النقاد" الدمشقية، الأسبوعية ثم الشهرية، ثم المحتجبة، وذلك بما اجتمع فيها من كتابات من كانوا و/ أو صاروا، ولعقود، نجوم الأدب والنقد في سورية.

من أولاء النجوم، هذا الذي وصفه شاعر الشام شفيق جبري في افتتاحية مجلة "النقاد" -1953/8/3 بأنه "ذو ثقافة مختمرة، ونقد شديد وصبر، ومطالعة، وتفكير"، الناقد والمثقف السوري الكبير والمجهول منير سليمان. وكان جبري أكد أن منير سليمان لم يكتب ولم ينتقد إلا بعد أن صرف عشرين سنة في المطالعة.

منذ عام 1980 كنت قد أفردت لمنير سليمان صفحات من كتابي "النقد الأدبي في سورية". وبعد عقدين من ذلك كلفني الصديق محمد كامل الخطيب، الذي كان قد ورث أنطون مقدسي في مديرية التأليف والترجمة والنشر في وزارة الثقافة السورية، بتأليف كتاب عن منير سليمان. فأسرعت إلى مكتبة وزارة الإعلام، حيث كنت قد استعرت (كنز) مجلة "النقاد"، قبل عقدين، فأفادني الصديق عمر كيالي (مدير المكتب الصحافي آنئذ في الوزارة) بأن مجلدات المجلة تبددت بين قرض الفئران وبين حرق نفايات المستودعات. فهرعت إلى مكتبة الأسد، وإذا بما تبقى من (أفلام) مجلة "النقاد" ليس غير نتف. وكأنما اتفق كل ذلك ليظل منير سليمان مجهولًا، فقد اعتذرتُ عن تأليف الكتاب، ولم يذكر أحد منير سليمان من بعد في حدود علمي، واستطرادًا أذكر أنني لم أعرف الرجل، والكنية الواحدة لنا لا تعني القرابة، ولم يجمعنا قط مقامنا في اللاذقية.

تحت عنوان "أأزمة أدب أم أزمة نقد؟" كتب منير سليمان في مجلة "النقاد"ـ 1952/10/18 مناقشًا معالجة طه حسين لركود الأدب في العالم، ومعارضًا لها، ومحددًا مهمة النقد الأدبي بأن ينظر إلى الأدب من خلال مقومات العصر الذي يعيش فيه. وهو يرى أن أحد أسباب ركود الأدب هو ذلك النقد القلق المضطرب، ويلح على تجديد النقد... وحيويته، وعدم تحويله إلى عقيدة إيمانية.

أما المراجعات النقدية التي كان منير سليمان يكتبها بين الحين والحين حول النتاج الجديد، فهي شكل آخر من أشكال صلة كتابته بالواقع الأدبي، كما فيما كتبه تعقيبًا على ما نُشِرَ بتوقيع (قلب) في مجلة "الثقافة الوطنية" اللبنانية المحتجبة عن ديوان فدوى طوقان "وجدتها"، وعن مجموعة "درب إلى القمة" التي ضمت قصصًا لعدد من الكتاب الشباب آنئذٍ، منهم حنا مينه. وقد ذهب منير سليمان إلى أن هؤلاء الكتاب لم يعيروا الأفكار اهتمامًا، لأنهم شباب، وهذا الاهتمام ضرورة، يستشهد سليمان عليها بديدرو وأرسطو. وعن ديوان "سحر" للشاعر الروائي بديع حقي، كتب سليمان مناقشًا المقدمة التي وضعها حقي لديوانه. وموافقًا على ما ورد فيها من اهتمام بالموضوع الشعري، وتحديد لمنابعه. ثم يقف مطولًا عند أولوية الموضوع على الصياغة، قبل أن ينتقل إلى النقد التطبيقي الذي جاء وجيزًا في النهاية، ومركزًا على الأداء الموسيقي، ملاحظًا بدقة التناقض بين مقدمة بديع حقي وشعره. وآخذا على الشاعر أنه في قصائده (الغرامية) وقف عند سطح المعنى، ولم يغص إلى أعماقه.

ويهمنا أن نورد من هذه المراجعة المقتطف التالي في مسألة الموضوع الشعري، لسببين:
الأول، يتعلق بالناقد نفسه، فقد كانت هذه المسألة إحدى ركائزه الفكرية والنقدية، والسبب الثاني يتعلق بالشاعر والوضع الشعري آنئذٍ، حيث كانت الرمزية لا تزال تحاول أن تجد لها موطئ قدم في الساحة الأدبية والنقدية.

في خمسينيات القرن الماضي تألقت مجلة "النقاد" الدمشقية


قال منير سليمان: إن الموضوع هو "حجر الزاوية في الشعر والنثر والمقالة والقصة، ثم تأتي بعده الصياغة، وقيمتها فيما تؤديه من معاني الموضوع، وما تبتكره من الأساليب لإدخاله إلى قلب القارئ. وعلى هذا اختلفت المدارس الأدبية في الشعر والنثر... وإني لا أجد حرجًا على من يتبع أي مذهب من هذه المذاهب الأدبية، والمهم قيمة فكرته أولًا، ثم نجاحه في التعبير عنها وإدخالها إلى قلب القارئ". ويستطرد إلى تحديد المعايير التي يعتمد في النقد فيقول متقفيًا ما سبق لفيكتور هيجو أن أرسله: "والأديب والقاص لا يحكم عليه بحسب المدرسة التي ينتمي إليها إنما يحكم على أثره الأدبي، وهل أجاد فيه أم قصّر؟ وهل بلغ غايته في إيصاله إلى نفوس الناس؟ ثم ماذا يقصد من ورائه؟ وأية فكرة يتضمن؟ وماذا يهدف؟". وكتب سليمان عددًا من المقالات التي تبحث في جملة من المسائل الأدبية الهامة، مثل: من هو الكاتب، الأديب والمجتمع، الأدب الشعبي، الكاتب والأسلوب، الصورة الأدبية، الأجناس الأدبية وخاصة القصة والأسطورة...

ففي مقالة له عن الأدب الشعبي، تحدث عن هذا النوع من الأدب في الغرب، وذهب إلى أن الأدب الشعبي ينبغي أن يصور كافة الأقاليم والبيئات. ويبدو أن منير سليمان كان يرى الأدب الشعبي فيما بات يصطلح عليه فيما بعد بالأدب المكتوب باللهجات العامية. وفي مقالة أخرى بعنوان "الكاتب والأسلوب" شرح آراء الجاحظ وشاتوبريان والمنفلوطي في أولوية الأسلوب، وخلص إلى أن الكتابة ليست المظاهر الشكلية. إنها اللفظ والمعنى، الشكل والمحتوى، والأسلوب لا يفصل بينهما. إن الكتابة هي الإفصاح عن شخصية الكاتب، وهي وسيلة اتصال بالغير، كما يعبر منير سليمان الذي ينحاز بقوة إلى المعسكر الذي يرى الكتابة كائنًا حيًا، ونتاجًا لجدلية الشكل والمضمون. وهو يذكر في هذه المقالة جماعة الأسلوب الذين يعنون بالصياغة، ويفنّد مذهبهم. ولقد كان في الحق ينتهز كل سانحة من أجل ذلك.

لقد كانت صلة منير سليمان بالتراث قوية، ولكن بعيدًا عن المحافظة والتعصب. هو ذا في مقالته "الصورة الأدبية في الأدب العربي" يقرأ في أدب كل أمة روح العصر، ولكنه لا يقرأ في اختلاف أدباء كل عصر عن غيره ما يبرر الاستغناء عن التراث. وبعد أن يأتي على مناقشة ذلك، يدرس ما سماه الصورة الأدبية في العصر العباسي. ونستنتج من الدراسة أن مؤدى مصطلح الصورة الأدبية لدى الكاتب هو الوصف الذي يميز، مع سهولة الأسلوب وخفته، القسم الأكبر من الأدب العربي في العصر العباسي. وهنا ينزلق منير سليمان إلى التعميم في واحد من المواطن النادرة التي يفعل فيها. ولا يلغي انزلاقه هذا سعيه في خاتمة المقال إلى الاستشهاد بنص لأبي حيان التوحيدي، على الرغم من أن النص نفسه ينطبق على ما كتب.

ومن أمثلة الاتصال الدقيق بالتراث، نذكر أيضًا مقالة أخرى لمنير سليمان هي "الأسطورة في الأدب العربي". ابتدأها بشرح معنى الأسطورة والإشارة إلى قِدَمها. ويفهم من هذه البداية ومن دراسة المثل الذي ضربه للأسطورة (وهو "حكاية الصفرد والأرنب" لابن المقفع) مزجه للأسطورة بالحكاية، واعتبارهما جنسًا أدبيًا واحدًا. وهو من خلال تحليل النص المذكور لابن المقفع يتلمس بعض مقومات هذا الجنس في: العرض، المفاجأة، العقدة، الحل، ويقول في النهاية: "والأدب العربي يزخر بهذا النوع من الأسطورة والقصص والحكاية، وما أحرانا ننبش عنه في الكتب الصفراء، ونضعه بين أيدي القراء، يفيدون منه وينسجون على منواله". إن اهتمام منير سليمان بالأسطورة كان ذا وجهين في حقيقة الأمر. أولهما ما رأيناه من فهم للتراث، وثانيهما يتعلق بالقصة التي كانت شاغله الأول، كما يبدو من مترجماته، وكتاباته بعامة. ونضرب مثلًا على جهده في القصة بمقالته "أزمة القصة القصيرة" والتي قدم لها بحديث مسهب عن نماذج الأفكار المتنافرة في العصر الحديث، فللأدب قواعد وأصول، حسب المذاهب الأدبية والفلسفية. وينتقل سليمان بعدئذٍ إلى أن القصة - شأنها شأن الأدب بعامة - لا تستحسن لذاتها. ولكن لخدمة أغراض الحياة. وليست الغاية من القصة الحديثة دقة الوصف، كما أن بطلها هو ذلك الشخص العادي بجزئيات حياته، وأبعاد نفسه، ولا مكان في القصة الحديثة للبطل الذي يسيّره هوى الكاتب.

يبدو منير سليمان من خلال هذه المقالة، وما سبقها، والكثير مما لم نذكره، موصول الأسباب بقوة مع أحدث صورة فنية للقصة والآداب بعامة في الغرب، ولكن ذلك لم يوقع بصره في العشى، فقد ظل يستهدي المنطلقات المادية والعلمية في كتابته، وإن كان لا يذكر الأسماء والمصطلحات التي يتكئ عليها كثيرون في تعيين هوية ما يكتبون.

لقد خوّض منير سليمان في النقد، وفي الترجمة خلال النصف الأول من الخمسينيات، ثم تحوّل إلى النقد الفني، وبخاصة الرسم، قبل أن يسكت مع قدوم ستينيات القرن العشرين، ولعله ترك آثارًا لم يقيّض لها النشر حتى الآن. ولعل يومًا قريبًا يهلّ علينا ولو بالقليل مما كتب.

مقالات اخرى للكاتب

استعادات
1 مايو 2024
استعادات
15 أبريل 2024
يوميات
31 مارس 2024

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.