}

محمود الريماوي: العالمُ يجهلُ تنوّعَ أدبِنا العربيّ

محمد جميل خضر 24 أبريل 2021
حوارات محمود الريماوي: العالمُ يجهلُ تنوّعَ أدبِنا العربيّ
محمود الريماوي: لديّ مساحة حرية أتحرّك داخلها

1948 هُوَ رقمٌ ليسَ مثلَ كلِّ الأرقامِ بالنسبةِ للقاصِّ الفلسطينيّ/ الأردنيّ محمود الريماوي. إنه العام الذي وُلِدَ فيهِ من جِهَةٍ، وانْتُكِبت فيهِ، من جِهَةٍ ثانِية، بلدُه فلسطين بِأسوأ احتلالٍ عرفَه التّاريخ، يقولُ حوْلَ هذه المفارقة: "عمري من عُمر الدولة العبرية، إذا دعوتم لي بطول البقاء فكأنما تدعون لها أيضًا. دلّوني على زمن آخر تتعاكس فيه أعمارنا أسوةً بتعاكس أقدارنا".
مبكرًا بدأَ الريماوي مسيرَته مع القصة التي قادتهُ في إحدى مفترقاتِ حياتِه إلى عالَمِ الصحافة، فكتبَ ونشرَ وعمِلَ وأصدرَ كتبه على امتدادِ 54 عامًا ماضية.
16 مجموعة قصصية وروايتان، منجز حقّقه الريماوي بأسلوبيةٍ أقربَ ما تكون إلى السّهل الممتنِع، وبمساعيِ انتزاعِ دهشةٍ مُتعانِقةٍ مع رحيقِ التجدّد. قصصه تزخرُ بِتنوّعٍ في المبنى والمعنى، كما يتجلّى فيها التحرّر من المدرسيّة الباهتة، والانضباطيةِ الجامِدة. وهو ما يظهر واضحًا، في مجموعتِهِ "الليلةُ قبلَ الأخيرَة" الصادرةِ في مطلعَ هذا العام عن دارِ "الآن" ناشرون في عمّان.
اعترافًا بمكانتِه الإبداعيةِ محلّيًا وعربيًّا، أصدرت دار "العائدون" للنشر والتوزيع في عمّان، قبلَ أسابيعَ قليلَة، كتابَ مختاراتٍ من مجملِ أعمالِه وإصداراتِه القصصيّة السابقة حمل عنوان "سحرُ الحَياة".
حولَ كتابِ المُختارات، ومجموعتهِ الأخيرَة، ودروبِ الكتابةِ والحَياة، كانَ مع محمود الريماوي هذا الحِوار:



(*) بمغايرة عن معظم مجموعاتك القصصية، لم تسعَ في مجموعتك الأخيرة "الليلة قبل الأخيرة" الصادرة هذا العام عن دار "الآن"، إلى توحيدِ/ تثبيتِ ثِيَمٍ بعينِها، لا في الشكل (طول القصص، تقنيات القص ولغة خطابه) ولا في المحتوى (موضوعات القصص، رسائلها وما إلى ذلك). تنوّع في الموضوعات (إنساني، وطني، وجداني، اجتماعي.. وصولًا إلى موضوع كورونا ومواضيع أخرى). تنقّل في الأمكنة (رام الله، القدس، أريحا، حيفا، بيروت، كتالونيا، نابلس، فرانكفورت، إضافة طبعًا إلى عمّان وقاعها). أهو بحثٌ عن أفقٍ مفتوحٍ على الاحتمالات جميعها بعد مئات القصص المنضوية في زهاء 16 مجموعة قصصية؟
لطالما تحدثت في لقاءات صحافية، وفي شهادات ذاتية أني لا أكتب وفق تخطيط مسبق، ولا أضع مشروعًا إبداعيًّا ما نُصب عيني، ولا أتجنّد في تيار إبداعيٍّ بعينه، أو أضع نتاجي مسبقًا في سياق هذا التيار. لقد آمنت منذ تفتّح وعيي على الكتابة، أن الإبداع هو مزيج من أمريْن يبدوان متناقضيْن في الظاهر. الأمر الأول هو أخذ الكتابة بمنتهى الجديّة، كي يأتي صاحبها بجديد أصيل، وأن لا يكون تكرارًا لسواه. والأمر الثاني أن الكتابة ضرب من ضروب اللعب.. وهي قرينة للبراءة والحرية الداخلية، ومآلها البحث عن المتعة الفنية وما تتضمنه في تضاعيفها من متعة معرفية، ومحاولة نقلها إلى المتلقي.
وصف ناشر (دار الآن ناشرون) كتابي القصصي "الليلة قبل الأخيرة" أنّه كتاب في الفقد والحنين. يتردّد صدى الافتقاد في قصص عديدة ويرافقه الحنين إلى المعلوم والمجهول. وإذا كان لا بد من تقصّي ثيمات فإن ثيمة الموت تظهر في عدد من القصص. وثيمة الأماكن الأولى، أماكن الوطن المضيّع تبدو في قصص أخرى، من دون أن تختفي ثيمة الطفولة واستعادتها واعتناق رؤيتها، إضافة إلى ثيمة السخرية والتهكّم التي تصون الأمور الجدية من الرتابة والأملال. هذه الثيمات تتردّد بوفرة في قصص سابقات لي، وبهذا فإني ما زلت الكاتب نفسه في هذا الكتاب. وإذا كنتَ شعرت ببعض المفاجأة، فيسرني حقًا أن يُفاجأ القارئ، لا أن يقرأ ما يتوقعه ويرسمه مسبقًا في ذهنه. علمًا أني أكتب على الدوام وأمامي أفق مفتوح أحاول توسيعه، وهذه واحدة من مهمات الفن. المهمات الضمنية طبعًا وغير المنصوص عليها.



أخاطب البشر في كل مكان
(*) لا يصعب على متلقٍ منتبهٍ التقاط تغيّر روحانيّتك السرديّة عندما تأتي القصص على موضوعة لها علاقة بفلسطين، عن مدينة من مدنها ("عين فياض"، "دوار القدس" و"المبيت في حيفا")، أو رموز من رموزها ("الليلة قبل الأخيرة")، أو مولودة في "قطار" حملت اسمها. رغم أنك لم تطرح نفسك ولا مرّة بوصفك كاتبًا يساريًّا أو (ملتزمًا) مع التحفظات، ربّما، على هكذا مصطلحات وغيرها: كاتب وطني، واقعي، نضالي.. إلخ، إلا أن فلسطين لم تغب، على ما يبدو، ولا مرّة عن وجدانك العام، ومفاعيلك الداخلية، فلماذا لم تصرخها، إذًا، بهديرِ العاشق الشهيد؟
شكرًا على السؤال الذي قد تتيح محاولة الإجابة عنه إضاءة بعض الجوانب. لديّ، بداية، شخصًا وكاتبًا، حس إنسانيٌّ وكونيٌّ طاغ، وعليه أجد وطني فلسطين جزءًا من المعمورة، وأرى شعبي جزءًا من الأسرة الانسانية، وأفهم العذابات التي عاناها ولا يزال، على أنها جزء من عذابات ملايين البشر في كل مكان، وفي سائر الحقب. حتى أني حين أشرع الكتابة، فإنني أجد نفسي أخاطب البشر في كل مكان، لا مجموعة بعينها. وأؤمن بطبيعة الحال بالخصوصية التي تميز كل شعب ومجموعة بشرية، وبمأساة الاستئصال التي عاناها شعبي وما يزال. وفي قناعتي أن شجون الفقد والحنين إلى الطفولة والأماكن الأولى والإحساس الثقيل والباهظ بالموت، هو في جملته بعض من الخبرات الوجدانية والخزّان الروحي. وهذه إنما تبلورت في مأساة فلسطين وملحمة شعبها في البقاء والإبداع الحضاري. إنها الخلفية والإطار العريض. وحتى الإحساس الوجودي والنزعة الميتافيزيقية، تجد جذورًا لها ومقدمات في الوضع المخصوص، الذي يشهد على الظلم الفادح الذي لحق بوطن وشعب، ويورث شعورًا بالكبد والخواء.

في مرحلة سابقة كنت أعاين كل شيء وأحكم عليه، بل وأدرك العالم من خلال فلسطين البوصلة. فيما بعد تغير الأمر، فقد أصبحت أفهم فلسطين من خلال رؤيتي للعالم؛ للمظالم البشرية للتمييز العنصري للامساواة، للهيمنة، للفجور السياسي، لأساطير الكذب والتزييف. أي أنني كنت أنظر للعالم من خلال فلسطين، فيما الآن أنظر لفلسطين من خلال العالم. والفلسطينيون في هذا هم ضحايا مثل عشرات الشعوب الأخرى.
وبما أن لكل مبدع نبرته وطبقة صوته التعبيرية، وطريقته في التعبير عن المحتوى الانفعالي، وبما يتماشى بالمناسبة مع تكوينه الشخصي الداخلي والذهني، فقد تأتّى لي أن أكتب، ومن دون تقصد، بغير طريقة الهدير التي تشير إليها. أو بأقل قدر من الوطنية الغنائية.




(*) في "الليلة قبل الأخيرة" مرورٌ عجولٌ، حتى لا نقول خجولًا، على جائحة كورونا. مرورٌ جاء في القصة الأخيرة من قصص المجموعة: "قبل نهاية العالم"، وكما لو أنه على هامش موضوع رئيسي في القصة هو مرض السيد (س) بالمرض العضال واستئصاله وَرَمًا من أمعائه. ألا يستحق الوباء وتداعياته قصصًا وليس قصة واحدة، لم تسترسل، حتى في سياقها، بما أحدثه على مستوى الكوكب من تحولات اجتماعية وطبية واقتصادية ونفسية وحتى سياسية؟

لا شك أن عالم ما بعد جائحة كورونا سوف يختلف عما سبقه، إذا قيُّض لنا أن نرى نهاية تامة للوباء خلال أمد قريب أو منظور. ومعظم قصص الكتاب كتبت قبل وقوع هذا المستجد النوعي. وكما تلاحظ وبعد مضي أكثر من عام على هذه النازلة، فإن الإبداع البشري بجملته لم يواكبها بعد، ذلك لأن الأسرة البشرية ما تزال واقعة تحت وطأة هذا التحدّي الجسيم الذي يهّدد البقاء البيولوجي للبشر. ولعلك تذكر أنه قد مضت شهور عديدة وكثيرون من الناس، هُنا وهناك، ينكرون حلول هذه النازلة بين ظهرانينا. أو من يراها فانتازيا غير قابلة للتعقلن. والقصة التي تشير إليها هي تفاعل أولّي مع هذا المستجد الذي يهزّ القناعات بحضارة القرن الحادي والعشرين والانتصار المزعوم على الطبيعة. وكأنه من الواجب أن ننتصر على أمّنا الطبيعة.



(*) بلغتَ حدّ الشجن وأنت تروي لنا شؤون مليحة وشجونها وآلامها من (عَرَجِها) في قصة "عين فياض" من مجموعتك الأخيرة. وأنت تصف، كذلك، أجواء القرية وصخورها (عْراكها) وجبالها وزيتونها وطقوس حمل الجرّة البيضاوية فوق رؤوس صباياها. هل من خصوصية هُنا؟ هل من بعض سيرة ذاتية؟
بالطبع. إني أتحدّث عن نبع المياه الذي يسمّى العين، وكانت تتزوّد منه قريتي بيت ريما، خمسينيات القرن العشرين وستينياته، بمياه الشرب قبل أن تنشأ شبكات المياه. كان الشبان يقومون بنقل الماء على ظهور البغال والحمير. أما الصبايا فيحملن الجرار الفخارية الثقيلة على رؤوسهن ويصعدن المرتقى الترابي. لم أُقِم في قريتي سوى في أشهر الصيف الثلاثة من كل عام. وكان يؤنسني الذهاب إلى العين وكنت فتى بصحبة أحد الأقارب، وفي أحيان قليلة وحدي، وكان هناك من يساعدني بالطبع في ملء (جلنات) الماء ورفعها إلى متن البغل. وأجمل ما أتذكّره أن جو العناء ذاك، كان مفعمًا بالبهجة والضحك وأحيانًا الأغاني. وكانت الشابات والشبان يتجاورون معًا في أداء هذه المهمة. كانت المحافظة آنذاك تعني الحفاظ على العفوية والحيوية والتواصل مع الآخرين، والتعاون ما بينهم، وإشاعة البهجة، دون حواجز بين الجنسين، سوى التهذيب الطبيعي، واحترام كرامة الجميع.



(*) في شهادة لك حملت عنوان "الكاتب لا يعود نفسه حين يتحدّث عن كتابته"، ترى أن الكاتب ينزع بعد انتهائه من كتابةٍ إبداعيةٍ إلى نسيان تلك التجربة بمختلف مخاضاتها. وتذهب في الشهادة مذاهب مغايرة، منها أن الكتابة تجربة فردية فردانية شديدة الخصوصية، وبما يعني أنّ على الكاتب أنْ يتوارى بعد إنجازه مهتمه. فهل هي دعوة إلى إحياء مقولات بارت حول موت المؤلف؟ أم أن الأمر لا يعدو أكثر من ترك مساحة حرّة للتأويل عند جمهرة المتلقين، دون ربط النص الأدبيّ الإبداعيّ بصاحبه؟
أومن لا شك أن للنص كينونة مستقلة إلى حد كبيرعن المؤلف، وأن النص يعبر حقًّا عن وعي المؤلف وعن لا وعيه في الوقت نفسه، ولا أستبعد أن يعبّر بصورة ما، عن لاوعيٍ جمعيٍّ ثاوٍ في دخيلة المؤلف متسربًا إلى نصّه.
وبما أن المبدع لا يكتب بعقله فقط، بل أيضًا بجوارحه واستيهاماته، وبانفعالات داخلية قصوى، ويعيش حالة انعتاق وتصعيد أقرب ما تكون إلى مزيج من رؤى النوم وأحلام اليقظة، فإنه في هذه المعمعة إنسانٌ آخر، يختلف عن الشخص اليومي الاجتماعي الذي يحكم على الأمور بعقله البارد، موازنًا بين عواطفه العقل وأحكامه. لهذا كتبت في الشهادة أني أكاد أشعر أنّي أتكلّم عن نصوصي من خارجها، وبعد أن غادرت تلك الحالة المخصوصة للكتابة. كما أحسب أني أحد الكتّاب الذين يرون أنفسهم في مرآة الإبداع الذاتي. أي أن الإبداع أكثر أصالة وخصوصية من الشهادات والأحكام الذاتية للمبدعين.

الإبداع حياة أخرى للمؤلف، كينونة أخرى، لهذا فإن إبداع المبدعين أغنى من شخصياتهم. ما يعني أنني أؤمن بمقولة موت المؤلف، ولكن بحدود! قد أؤثر تعبير اختفاء أو غياب المؤلف. فالقارىء في حضرة النص لا صلة له بالمؤلف. ولا حضور للمؤلف لديه. أما الربط شبه الميكانيكي بين الإبداع وسيرة المؤلفين، والقول إن الإبداع ترجمة لحياة المؤلف وتكوينه، فذاك صحيح في الإطار العريض فقط. فالمؤلف قد يجد في نصّه أحيانًا جانبًا من جوانب نفسه التي يجهلها، تمامًا كما يحدث في بعض الأحلام.



الحياة صعبة بدون الضحك

(*) في قصة "المجلس الطيب" من مجموعتك "القطار" الصادرة عن المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، تكشف عن قاص متمكّن، يستطيع أن ينتزع الضحكة بالقدر نفسه الذي يمكنه فيه أن يفتح بابًا للتأمّل حول الموت والحياة والعادات وتحوّل بعضها إلى ميكانيزمات يقوم الناس بها دون أدنى معنى أو تدبّرٍ أو توقّفٍ أو عبرة. وبحيث لا تعود واجبات العزاء تختلف كثيرًا عن واجبات التهاني والمشاركة في الأفراح والمناسبات السعيدة. حقيقة يبدو أن اكتشافها يأتي متأخرًا، وربما متأخرًا جدًا، عندما لا يعود مكتشفها قادرًا على القول أو التعبير عن موقفه أو إبداء وجهة نظره، تمامًا كما لو أنه ميْت بالسكون على الياء. السؤال المشتق من هذه القصة لا يخلو، بدوره، من طرافة ما، فأنا أود أن أسألك، لماذا أهديت هذه القصة، على وجه التحديد، للروائي اللبناني رشيد الضعيف؟ هل تود أن تقول إنك تحلم أن تكون كاتبًا جريئًا يكسر التابوهات جميعها، وإن استعصى ذلك، فأقلّها أن تهدي قصة من قصصك إلى كاتب جريء؟
لا. لديّ مساحة حرية أتحرّك داخلها. لا أريد أن أكتب أو أخوض في كل شيء! خطر لي أن أهدي القصة لرشيد الضعيف من دون معرفة شخصية متبادلة، بعد أن راقت لي السخرية الطلقة التي يكتب بها. وما زلت أذكر كتابه الشعريّ "حد السيف على الصيف"، وسعيه الناجح للحدّ من هيبة الأدب في نفس القارىء! على طريقة كسر الجدار الرابع في المسرح. أما ما تلطّفت به عن الضحك، فإني أضمر في نفسي سخرية هائلة من هذا العالم الذي يحتفل بالتفاهات. كما أنني أومن أن اللاعقلانية هي جزء أصيل في تكويننا مثلها مثل العقلانية، كلجوء الأطباء والحكماء والفقراء إلى التدخين، مع الإدراك التام لمضارّه الشديدة، بينما يكافحون في الغرب تدخين السجائر، ويروّجون في الوقت ذاته، للكحول، وحتى للحشيش، وهذا يثير السخرية. وعلى العموم فإن الحياة صعبة بدون الضحك، وأكثر الجادّين هم الأكثر تقبلًا للضحك وميلًا إليه. إنني أرى في غارثيا ماركيز مثلًا، ساخرًا كبيرًا، وسخريته تضاعف من جديته وأهميته.



(*) في "عمّ تبحث في مراكش؟" من المجموعة التي تحمل الاسم نفسه، يكاد النصُّ يرتقي في مقدمته الحوارية إلى شعرية أو على أقل تقدير قصيدة نثر. هل ثمة خصوصية بينك وبين مراكش استدعت هذا التحوّل في سردية هذه القصة؟
كتبت هذه القصة قبل أن أزور مراكش للمرة الأولى. وإن كنت قد زرت المغرب أكثر من مرة. تستند القصة إلى ذكريات شخصية، فقد زار ملك المغرب الراحل محمد الخامس الأردن في مطلع ستينات القرن الماضي، وانتقل بسيارة مكشوفة من العاصمة عمّان إلى القدس مرورًا بأريحا مدينتي. وقد خرج تلاميذ المدارس وكنت بينهم لاستقباله في الشارع. كان محمد الخامس يسمى آنذاك ملك مراكش. وما زال المغرب يُسمى في الإنكليزية Moroco . كان مجاهدًا ونفاه الاحتلال الفرنسي إلى جزيرة مدغشقر. هذه الذكرى مع خبريات حول مغاربة يقيمون في الأردن منذ أمد بعيد، وبعضهم طلب من الملك الزائر العودة واستعادة جنسية بلده الأصلي، كل هذا حرّكتني لكتابة قصة "عمّ تبحث في مراكش". وبما أن الأمر يتعلّق بنوستالوجيا خاصة، فقد كان الأسلوب شبه الشعري هو الأوفق لتجسيد هذه الرؤية.



(*) ماذا يعني لك الرقم 1948؟

أجيبك بشذرتيْن من كتابي "إخوة وحيدون" كُتبتا في العام 1988، علمًا أن الكتاب صدر عن دار أزمنة عام 1996. الأولى: "عمري من عُمر الدولة العبرية، إذا دعوتم لي بطول البقاء فكأنما تدعون لها أيضًا. دلّوني على زمن آخر تتعاكس فيه أعمارنا أسوةً بتعاكس أقدارنا".
الثانية: "منذ أيار 1948.
منذ سقط من أعلى البناية سليمًا على كتفي، وكسرها.
منذئذ وهو يتهددني ويتوعدني لأني لم أشكر له صنيعه، ولم أغرب عن وجهه.
منذئذ وحتى اليوم".



(*) في حين قد تصل قصة من قصصك إلى زهاء خمس آلاف كلمة، مثل "رجوع الطائر" من المجموعة التي تحمل الاسم نفسه، كما لو أنها نوفيلا (رواية قصيرة)، فإن قصصًا كثيرة أخرى وصلت إلى ما يقارب هذا الرقم، ومع ذلك بقيت مقلًا في الرواية، مخلصًا لحقل القصة (القصيرة) مع تطويلها كثيرًا أحيانًا. هل هو بحث عن حلٍّ وسط؟
أميل إلى الحلول الوسط في شؤون الحياة اليومية والعملية، ولكن ليس في الفن يا صديقي. إني لا أختار حجم النص مسبقًا. كل نص سرديٍّ يفرض إيقاعه وحجمه. أما الرواية (كتبتُ بالمناسبة روايتين)، فإنها لا تختلف عن القصة في الحجم فقط، بل في الإيقاع والمنظور، فهي فنٌّ أفقيٌّ بينما القصة فن رأسي (عمودي). القصة تميل الى التلميح، بينما الرواية هي ميدانٌ للتصريح. ولأن الرواية تحتاج إلى تفرّغ ذهني لفترة غير قصيرة، ولأني محروم من هذا التفرّغ نظرًا لانشغالي الذي لا فكاك منه بمتابعات إخبارية يومية، فإني لا أجد متّسعًا من الصفاء الذهني الكافي لكتابة رواية.


(*) هل من تناقضٍ ما بين حديثك في شهادتك التي أشرنا إليها، عن براءة تغمر الكاتب قبل الشروع بكتابة نصٍّ إبداعيٍّ، براءةٌ خاليةٌ من القصديات المسبقة والنوايا المبيتة، وبين تنويعك، بقصدية، أساليبك من قصة إلى أخرى، وتطويعك تقنيات القص لتأتي منسجمة مع الموضوع المسرود؟
التنويع ليس قصديًا يا صديقي. لست تاجرًا أعرض سلعًا عديدة منوّعة للجمهور. هناك مزاج فني متعدّد ومتبدّل، هو الذي تنتج عنه أشكال مختلفة، تمامًا كما أن الإنسان في حياته يتبدّل مزاجه في ظروف مختلفة؛ في العمل، أو السفر، أو في مراحل عمرية متفاوتة، ووفق من يتواصل ويتفاعل معه من الآخرين، كذلك هو الإبداع الذي يعكس تبدلات المزاج وتحولات الوعي. هذا لا يعني انتفاء السيطرة العقلية على النص، لكن هذه السيطرة تتم في المراحل الأخيرة من إنجاز العمل، بعد ولادته وليس قبل ذلك حين يكون مجرد حالة، أو مشهدية، أو مجموعة أطياف في موقف معين، وهي (السيطرة أقصد) أشبه بالتشطيبات الأخيرة للبناء.


ليس لديّ تعلّق أو التصاق بالأشكال
(*) في وقتٍ مبكرٍ جدًّا وتحديدًا في عام 1968 (أي وأنت في ميعان الشباب) كتبتَ القصة القصيرة جدًّا. ثم هجرتها إلى غير عودة، رغم تسارع إيقاع الزمن، وتحوّل الحياة إلى ما يشبه الركض الهستيريّ اللاهث. ألديك تفسير؟
نعم لدي تفسير أرجو أن يكون مقبولًا. كتبت القصة القصيرة جدًّا قبل عام 1970، ولم أكن قد اطّلعت سوى على عدد ضئيل جدًّا من نماذجها في الأدب العربي، وللطيب صالح بالذات، أظن في مجموعته "دومة ود حامد". كتبتها بدون تقصّد ولا مبالغات بأني أجترح أعجوبة ما. كل ما في الأمر أني أعطيت نفسي لدواعي التجديد واستجبت لنداءاته. تجد هذه القصص في مجموعتي الأولى "العري في صحراء ليلية" الصادرة عام 1972 في بغداد. وفي مجموعات لاحقة نشرتُ نماذج أخرى منها. ولم أنسب هذا اللون التعبيري لي وحاشا أن أفعل! وفي الوقت ذاته لم أومن يومًا أن القصة القصيرة جدًّا هي حقل سردي أو فن تعبيري قائم بذاته. فالقاص لا يصب في قوالب جاهزة. ولا تعدو القصة القصيرة جدًّا أن تكون شكلًا من الأشكال التي تتيحها مرونة الفن القصصي. ومن يكتب القصة القصيرة جدًّا ننعته بأنّه قاص، ولا نصفه بـ قاصٍ قصير جدًّا. وأكمل بالقول إنه ليس لديّ تعلّق أو التصاق بالأشكال. لست شكلانيًا. الحداثة الإبداعية التي أنتمي إليها، هي في الحرية الفنية، والمطاوعة التعبيرية، والمرونة في البنى. ليست الحداثة بيوتًا مسبقة الصنع كي نسكنها دون أن يكون لنا يد في اختيار تشكيلها.


(*) قليلة هي الشخصيات الهامشية المطحونة في قصصك، كما هو بائع الجرائد في قصة "بائع الأحلام" من مجموعة "فرق التوقيت". أهي، مرّة أخرى، تمرّد على التصنيفات الجامدة والأحكام المسبقة: يساري، كادح.. إلخ.. إلخ؟
لا أرغب بالعودة إلى الوراء والقيام بإحصاء للهوية الاجتماعية لشخوص قصصي. أكتب في الغالب عن أشخاص عاديين قد ينتسبون لطبقة وسطى، أو فقيرة، كما عن ريفيين، وبدرجة أقل عن أشخاص في طبقات متبرجزة، وفي العادة بطريقة انتقادية. لكني لا أكتب من منظور طبقي كلاسيكي. أكتب عن البشر في تناقضاتهم وفي غنى شخصياتهم، من دون أن يكون منظوري هو المعيار الطبقي، وبالطبع دون إنكار وجود طبقات في المجتمعات.


(*) تأخذ عواصم ومدن عربية مكانها الأثير في قصصك (الأمثلة أكثر من أن نوردها هُنا). أهو السفر الكثير، أم هي موجودة في أعماق وجدانك قبل السفر إليها والكتابة عنها ومنها؟
لم أكن في بداية عهدي بالكتابة القصصية أحفل كثيرًا بالمكان. كنت أولي اهتمامي للزمن وتحوّلاته. كنت أرى المكان حيزًا نفسيًّا أكثر منه جغرافيًا او بُلدانيًا. بعد ذلك أخذت أنفتح أكثر على تسمية مدن محددة. وهذا أمر له علاقة بتطور التجربة. كان منظوري في البداية شبه شعري، أقرب إلى الشعرية مع نزعة غرائبية كابوسية أو حلمية. بعدئذ أخذت أتعرّف في نفسي على السرد المتقشف والرؤية الواقعية، وعلى مفارقات الحياة اليومية، وعلى النثر الصلب، والأماكن التي لا بد من تسميتها. السفر أيضا لعب دورًا في هذه النقلة. بالمناسبة أنا لا أجد نفسي غريبًا حيث أحلّ. أومن أن العالم مُلك للبشر جميعًا، وأن الاختلافات بين شعوب العالم هي صورة مكبرة عن الاختلافات داخل بلد واحد، لكنه يبقى بلدًا واحدًا. المجتمعات تشبه الغُرف الكثيرة في بيت شاسع.

(*) من كابوسية مفرطة (قصة "الفندق" نموذجًا)، وصولًا إلى سخرية فكاهية طريفة (قصص: "حدث غدًا"، "سنّة الحياة"، "دودي" و"طواويس منزوعة الريش" نماذج)، إلى وجدانية إنسانية شفيفة ("طبق للغداء وشاي داكن"، "طعمُ طفولتها" و"الليلة نمشي بين الماء والرمل" نماذج). بقيت خارج التصنيف الأسلوبي. نزعت إلى ترك النص يذهب إلى حيث يريد. لوّنت لغتك من معارج الشعرية إلى ما يشبه التقريرية أحيانًا. فهل تريد أن تقول لنا إن النقد الأدبي و(أفلامه) ليس في واردك، ولا واحد من حساباتك، عند شروعك بكتابة إبداعية؟
لقد تحدّثنا في ذلك يا صديقي. على الكاتب أن يجدّد نفسه، وأن يكسر التوقعات عنه، وأن يفيد من خبراته الكتابية. شخصيًا تأثرت بأفضل ما في الصحافة: الوضوح والدقة، وتفادي ميوعة التعبير، والكتابة لقارئ حاضر وليس للتاريخ! كما أتأثر بالرسم أو الموسيقى والسينما. في مختلف الأحوال، يبقى الكاتب هو هو، مهما تغيرت أساليبه، فالإيقاع الأصلي، النسغ، النفحة الروحية تبقى ويميزها القارىء الحصيف.
الإبداع ليس تابعًا للنّقد أبدًا، والنظريات النقدية تُشتق من أعمال أدبية، مع كل الاحترام للنقد التنظيري والتحليلي الذي يضيء الطريق. شخصيًّا أتابع، قدر الطاقة، الكتابات النقدية. يحتاج النقد إلى مَلَكَةٍ خاصة لا تتوفر لجميع الدارسين، وهي مَلَكَة التحليل والتذوّق العميق للنص واكتشاف مكوناته وشيفراته.


(*) أخيرًا، وليس آخرًا، ولو افترضنا شرفة تأمّل ينظر منها محمود الريماوي إلى ما كان، وما أُنجز، وما ينتظر، كيف يمكن أن تصف لنا ما تقوله لك تلك الشرفة؟
رغم أن الكتابة حياة ثانية توازي الحياة الواقعية للمبدع، إلا أن هناك تداخلًا بينهما. فكما أن المرء في حياته، يتطلع مهما تقدّم به العمر، إلى خوض تجارب جديدة، كذلك في الإبداع، فقلّما يشعر مبدع بأنه أنجز ما يحلم به أو حتى ما يهجس به. أنا في عِداد هؤلاء. ربما يحتاج مبدعون عرب كُثُر، ولعلّي أحدهم، إلى فرصة لترجمة بعض الأعمال إلى لغات حيّة، إذ أننا لم ننشر، ولم يصل ما كتبناه، إلا لقومنا العرب، للقليل منهم، فيما العالم على اتّساعه يجهل تنوّع أدبنا العربيّ الحديث.

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.