}

والشِّعر إذا أَبكى.. شهادة دارين أحمد

عماد فؤاد 23 فبراير 2020
آراء والشِّعر إذا أَبكى.. شهادة دارين أحمد
دارين أحمد: لم يعد نبع الرّومانسية الشّعرية دفّاقاً
نافذة نصف شهرية سؤالها بسيط لكن إجابته معقّدة: ما هي القصيدة التي تُبكيك، ولماذا؟جاءت فكرة هذه الزّاوية من التساؤل: هل لا يزال الشِّعرُ – في زماننا هذا - يُبكي أحداً؟ تكاثرتْ كتبه وتراكمتْ قصائده جيلاً بعد جيل، لكن ما الأثر الباقي منها في النّاس؟

في كلّ حلقة سنلتقي ضيفاً ليشاركنا إجابته على السّؤالين أعلاه، والمؤكّد أنّنا سنقف في هذه الرّدود على ما آن له أن يُكتب، كما أنّها فرصة أخرى لاكتشاف الشِّعر وما عتم منه، أو قل: مداخل مغايرة لقراءة ما يُبكي ضيوفنا من الشِّعر، هذا.. إذا أَبكى.
هنا شهادة الشاعرة والتشكيلية السورية المقيمة في ألمانيا دارين أحمد.


دارين أحمد: اللغة عنف.. أخفّه ما نمارسه في الشِّعر

البكاء هو وجه الهشاشة البشريّة، المرتبط في الثّقافة الشّعبية التّقليدية النّاطقة بالعربية بالضّعف ونقص الرّجولة، أي بالنّساء والمخنّثين من الرّجال، وليس بالشِّعر والشّعراء، إذ تمّ اعتماد شعر جزل، قوي، متماسك، صارم، عمودي وذكوري، كأساس لتعريف الشِّعر عامة، وبقي الأمر هكذا حتى النّصف الثّاني من القرن الماضي، عندما كسرت قصيدة النّثر صلابة الشِّعر المتعارف عليه، وفتحت الباب أمام تجلّيات الهشاشة البشريّة في الشّاعر والقارئ معاً، فانفتح الشِّعر على مواضيعه، إذ غدت هي المركز منه بعد أن كان الشّكل هو المركز.

لا بدّ من أن أضيف أنّه مع قصيدة النّثر تفتّحت المرأة شعرياً بعد نفي مديد، يضاف إلى مسبّباته الاجتماعيّة والدّينيّة والفكريّة والاقتصاديّة.. إلخ، بنية الشّعر العموديّ ذاتها وتفضيلها المبنى على المعنى، أو قسر المعنى على التّشكّل في قالب الشّكل المتقن الصّحيح. إذاً صار بإمكان الشِّعر أن يُبكي قارئه بعد أن كان يملؤه فخراً أو ذلّاً أو إيماناً أو عشقاً حسب موضوع القصيدة. ولكي تُبكي القصيدة قارئها لا بدّ أن تلتقي معه في نقطة جامعة، إذ لا يتأثّر المرء تأثّراً انفعاليّاً حقيقيّاً إلا بما خبره وعرفه، ومن هنا صار للقصيدة عن النّفي والبيت والوطن والموت والحرب أن تُبكي قرّاء عرباً كثر في وقتنا الحالي إذا حضر فيها الشِّعر ولو قليلاً.
وأنا من هؤلاء القرّاء يُبكيني الشِّعر إن حضر في قصيدة أو قصّة أو نصّ، ولاحقاً سأذكر النّقطة الجامعة الخاصّة بي، ولكن قبل ذلك لا بدّ من شرح بسيط لما أقصده بالشِّعر، وهل يمكنه أن يغيب عن القصيدة ويحضر في نصّ خارجها على اختلاف مراحل تطورها؟ ماهيّة الشِّعر برأيي تماثل ماهيّة الفنّ كما تناوله هايدغر، فهو انكشاف للوجود من خلال اللغة، يبدأ في وعي الشَّاعر/الكاتب ويستمرّ في وعي القارئ، وبما أنّه حادث في اللغة فيمكن لكلّ استخدام لها أن يحقّقه نظريّاً، أي أنّ الشِّعر بهذا المعنى ليس أسير القصيدة الشِّعرية أو النّثرية فقط، بل هو حرّ حرّية الدّهشة التي تخلقه في وعي الكاتب. وأتحدّث هنا عن تشكّل الدّهشة لغوياً، إذ يمكن أن تحدث الدّهشة في وعي مستقبِلها نتيجة نقاء هذا الوعي وقدرته على تلقّي الجمال، دون أن تكمل سيرها نحو التّحقق أو التّشكل اللغوي في الشِّعر. إذاً الشِّعر في رأيي هو إمكانية تفتّح الدّهشة، الجمال، الكون، في اللغة، وهي إمكانيّة ذات درجات ومستويات حتى بالنّسبة للشّاعر نفسه، مع تحوّلاته مما كان عليه "ماضيه" إلى ما هو عليه "حاضره"، ومع تحوّلاته في الحاضر ذاته، أي تحوّلاته الآنيّة المستمرّة طوال الوقت.
العنف اللغوي الذي يمارسه الكاتب ضد اللحظة التي يتبدّى فيها الوجود في الوعي هو ما يحدّد مستوى الشّعر فيما يكتبه، فاللغة عنف نمارسه ضد الأشياء حولنا وفينا، وأخفّه وطأة ما نمارسه في الشِّعر، ولهذه الخفّة، أي لمستوى العنف الأقلّ الذي يحدث فيه الشِّعر، درجات أيضاً، في أقلّها عنفاً يحدث البكاء، هذا البكاء يتجاوز الهم الشّخصي للقارئ فيبكيه أيّاً من كان.
ما سبق هو النّقطة الأعمق في فهمي للشِّعر، وكقارئةٍ أينما قرأت جملة شِعريّة حقّقت تلك المعادلة الفريدة أبكي. أما في مستوى أكثر ألفة وتداولاً فإنّنا ننتقل إلى الشّاعر الشّخص والقارئ الشّخص والشّعر هو العلاقة بينهما، وهنا يلعب الموضوع دوراً أساسيّاً في إثارة انفعال البكاء لدى القارئ، وقدرة الشّاعر على فتح أبواب الذّاكرة المشتركة بينهما عبر القصيدة.

أوطاننا تحترق وتُقسر على سلك مسارات يحدّدها الجشع العالمي، ومن هذا القسر نتج كمّ هائل من ضحايا الوجع الشّخصي الذين سيُبكيهم اسم قرية أو مدينة في قصيدة، وعلى الشّاعر أن يتنبّه إلى الزّيف الذي يمكن أن ينتج عن هذا في قصيدته، فالبكاء الحقيقي عند القارئ قد يحدِثه اصطناعٌ شِعري عند الشَّاعر، ولكن إلى حين فقط، فالقارئ ذكي والشِّعر أيضاً. يضاف إلى ذلك أن التّكنولوجيا الحديثة مع الواقع الجديد في البلاد النّاطقة بالعربية قد غيَّرت شكل العلاقات بين الجنسين، فلم يعد نبع الرّومانسية الشّعرية دفّاقاً كما كان، خصوصاً في إثارة انفعال كالبكاء، وهذا ما سيدفع الشّعر إلى حفر دروب أعمق بين الجنسين.

عنّي كقارئة انتقائيّة للشِّعر، تُبكيني الهشاشة ذاتها حين تكون موضوع القصيدة، الكائنات التي لا حول لها ولا قوّة، الأطفال، الأشجار، الأشياء، الطّبيعة... الكتابة القادرة على إحضار تلك الهشاشة وجعلها مرئيّة للقارئ هي الكتابة التي تُبكيني، وآخر ما قرأت منها هي نصوص سردية كتبها د. حسّان الجودي. قد تبدو مشاركتي هذه لا شخصيّة إلى حدّ كبير، ولكنّها تعبّر عنّي بالفعل، فأنا شخص أتلاشى خاصّة في حضور الشّعر.





*****

حسان الجودي

نصوص

بيانو في الحرب

قرّرت أن أشتري قلم الحبر الفاخر cross بزخرفته المميّزة وريشته الذّهبية الرشيقة. طلبت من البائعة توضيبه هديةً، وانصرفت مسرعاً لأقدّمه هديَّة عيد ميلاد لصديقي الكاتب. وضعه بحرصٍ فوق طاولة الكتابة، وانصرفنا إلى حقول شقائق النّعمان القريبة لصناعة حبر له.
توقَّعتُ أن يعرض عليَّ صديقي إنجازاته الموثَّقة بقلم الحبر الثمين. لكنني فوجئت أنه يستخدم القلم لمآرب أخرى. وحقيقةً، كان يضع على طاولة الكتابة عشر عصافير بيضاء وأخرى مثلها سوداء وقد بدأ بشق بطونها بالريشة الذهبية.
سألته بفضول عما يبحث في البطون الضامرة؟ فأشار إلى مفاتيح بيانو مُقتلعة بوحشية من خشبه الثَّمين.
تنهَّدتُ بعمق، حتى واتتني الجرأة لأقول له، إنك تشق بطون المفاتيح ذاتها! صديقي كان حكيماً عميقاً، خير من استوطن عين رؤيا، لكن طردته منها الحرب.
(عن مجلة قلم رصاص الثقافية، 24 شباط/فبراير 2019)

***

  لوحة لجوفاني بيليني (Getty)



















سرد الشِّعر/ إيكوصوفيا/ فلسفة البيئة

1-    طائر أبو الحنِّ الذكي

ما زلتُ أغنِّي منذ الفجرِ. أدثِّرُ ريشي بالأغصانِ الخضرِ لشجْرة تينٍ في الطرف الغربيِّ من البلدةِ. أقصدُ أنْ أتخفَّى خلف الأغصان اللفَّاءِ، لأني أخشى الإنسانَ، وأخشى أن يرمي نحوي حجراً، أو ينصب لي فخاً من دبقٍ، أو يقنصني بالبارودةِ، أو حتى أن يقطع كلَّ الأشجار، ليحظى بي.
أشعرُ بالغبطةِ حين أغنِّي، قلبي يقفز من صدري. يتدحرج في الغاباتِ، فترقص كلُّ الأعشابِ البريَّةِ. أعرف أني لا أحسنُ شيئاً غير غنائي. لكنِّي لن أترك بيتي في هذي التينةِ! أمِّي ترغب أن أتركها، وأسافر في كلِّ مكانٍ، حيث الشَّمس فصولٌ أخرى، من قمحٍ وحصادٍ. تغريني أمِّي بالنَّهرِ، بأشجار الكينا، باليرقاتِ على جذع الصفصافِ. ولكنِّي أرفضُ أن أتزحزح عن مملكتي في أغصان التينِ. أقول لأمِّي: أشعر بالحزن يغلِّف أعماقي، وغنائي لا يشفيني منه! أشعر بالغربةِ والخوف من المستقبلِ. والإنسان عدوي وعدو البيئةِ. لن أجرؤ أن أسكن في شجرٍ في الطرف الشرقيِّ من البلدةِ. حيث أقام الإنسان معامله قرب النَّهرِ، نصيبي، إن غادرت فضائي، مرضٌ في رئتي أو هرمٌ في روحي.
أيقظني صوتُ الآلاتِ صباحاً. كان العمَّالُ يقومون بقطع الأشجارِ. صرختُ فلم يسمعني أحدٌ. كنتُ وحيداً في الأنحاءِ، وقد هربتْ كلُّ طيور الغابةِ. شاهدتُ الآلةَ قادمةً كي تفسد وكري. أيقنتُ بأني مضطرٌ، أنْ أبحث عن وطنٍ آخرَ. طرتُ إلى أعلى غصنٍ، شاهدتُ الأفقَ الممدودَ، وأغرتني ألوانُ الخضرةِ أن أتبع سهمَ الضَّوء، ولكني أغمضتُ عيوني لأودِّع بيتي، ثم بدأتُ غنائي. ردَّد صوتي صوتٌ في الآفاقِ، وخُيَّل لي أنَّ الصوت يناديني كي أنقذهُ من شركٍ أو صيَّادٍ أو أفعى. تابعتُ غنائي، وحلَّقتُ على موجات الصوتِ إلى الصوت الآخرِ، ثم وجدتُ فضاءً أجردَ، فيه الأرضُ مشقَّقةٌ بأخاديد الملحِ. توقَّفتُ على مرتفعٍ منها. تابعتُ غنائي، فردَّد ثعبانٌ تحتي صوتي. خفتُ وطرتُ، فناداني الثعبانُ لأحملهُ، أخبرَ أنَّ السِّحرَ يعمُّ الأرضَ، وأنَّ الإنسان تحوَّل كي يصبح ضبعاً يأكل من أحشاء الكونِ. وأنَّ جميع الحيوانات العاشبة انقرضتْ. وطيور الغابة عادت نحو التاريخِ، لتصبح ديناصوراتٍ وأفاعي تسعى في البريَّةِ. هل صدقتُ الثعبانَ؟ لا أذكر فعلاً! أذكر أني تابعتُ غنائي.
فأنا آخِرُ طيرٍ، يملك ذاكرة البستانْ.
بل آخِرُ ثعبانٍ، يملك ذاكرة الإنسانْ.
بل آخِرُ إنسانٍ، دمر بيئتهُ حين تمنَّعَ عن فلسفة الإحسانْ.

 لوحة لروسو فيونترينانوكال (Getty)


















2-   
 الهرم البيئي

أعرفُ أنِّي (سوبرمانْ). أجلس فوق الهرم البيئيِّ، ويجلس قربي أسدٌ أو فهدٌ أو نمرٌ أو ذئبٌ أو تمساحٌ، يا للصورة كم تبدو متقنةً رائعةً صالحةً لحسابي (الفيسبوكي)، إنسانٌ في حلَّة جورجيو أرماني Giorgio armani، ولفيفٌ من أشرسِ سكَّان الأرضِ، نحيِّي الهبلَ الكونيَّ، وقد أعطاني شخصياً صكَّ الغفرانِ، لأقضم أعضاءَ جميعِ الحيواناتِ، أقول لنفسي شيئاً، لا أسمع صوتي! أسمعُ صوتَ قباع الخنزيرِ، وصوتَ فحيح الأفعى، وعواءِ الذئبِ، وزمجرةِ الضَّبعِ، فأرفع صوتي بالشِّعرِ، فينبح كلبٌ دلماسيٌّ. أستدعي الموسيقى، موتسارتٌ أو جازٌ أو ميتالٌ (Metal) لكني لا أسمع غير ثغاء الحملانِ، وقد بدأتْ تصرخ تحتي في الهرم البيئيِّ، وقد جلستْ قرب الماعزِ والناقةِ والثيرانِ، وفي الأنحاء هناك زرافاتُ الألطاف الكونيَّة، الجندبُ والهدهدُ والأرنبُ، تسعى فوق عيون الله على الأرضِ، وتأكل منها الأوراقَ، الأغصانَ، جذوعَ الأشجار، وأعشاباً تخرج من أعماق الكرة الأرضيَّةِ، حين تلامسها الشَّمسُ، ويسقيها الغيمُ، فتنمو بالتركيب الضوئيِّ، وتصبح في قاعدة الهرم البيئيِّ غذاءً لملايين الأنواعِ.
ولكنِّي في رأس الهرم البيئي، وقد شقَّ صداعٌ رأسي، ماذا أفعل في غير مكاني؟ ولماذا أخلُّ بترتيبِ الكون البارعِ، حين أصرُّ على خلخلة الهرم البيئيِّ، فأركض مثل النمر لأصطاد الماعزَ، ثمَّ لأصطاد الذئبَ، وأصطاد الفأرَ، ومن ثمَّ أوالي قطفَ ثمارِ الأرضِ، وأصطاد فراشاتِ الأحلامِ، وأستهلكُ ما تنتجه الحشراتُ، وألتهم البكتيريا دون شعورٍ بالذنبِ! أنا أدركُ أنّ مكاني، في منتصف الهرم البيئيِّ مع العشبيَّاتِ. وأدركُ أنَّ كياني مشتقٌ من ذرَّة كربونٍ، في قمحٍ أو رزٍّ، أو فجلٍ، أو لفتٍ، أو فولٍ. أعرف أنَّ نسيجي من أليافٍ دائمةِ الخضرةِ. بل أعرف أنَّ الجلد الحيَّ على أعضائي، مشتقٌ من قصبٍ نهريٍّ، كان يجاور غابات القرفةِ في الزمن الأوَّلِ. بل وأظنُّ جدوديَ أشجارَ السّدرِ، وأخواليَ توتَ العلّيقِ، وأعماميَ حبَّاتِ بطاطا. ماذا يجديني أنْ أتحوَّلَ أو أتبدَّلَ؟ كيف أعيدُ إلى الكون توازنهُ؟ ليعيش الإنسان مع الإنسانِ، بدون غريزة وحشٍ يلتهم الأخضرَ واليابسَ كي يصبح أقوى من كلِّ وحوش الأرضِ، وأعلى من أهرام الجيزةِ. لكنَّ عيون الحكمة ترنو بهدوءٍ في المنسوب الأدنى للهرم الفرعوني - البيئيِّ – الكونيِّ، وأقصدُ، حيث تعيش الأنماطُ الأولى، الفيروساتُ، الديدان، الهيدرا، أبواغ الزهرِ، البارامسيومُ والفطرياتُ. هناك تفور الطاقةُ في صمتٍ كي تتجلَّى أقوى في أنماطٍ أخرى. كم يبدو الصرصار جميلاً! مثل النملةِ، مثل الهدهدِ، مثل الضفدعِ. يحمل غاباتٍ بين قوائمهِ.
أما الإنسانْ....
كم يفسد هارموني الطَّاقة في الكون بأكل الحيوانْ!
(مجلة الإمارات الثّقافية - العدد 61)

 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.