}

وقائع موت معلن

بلال خبيز 18 نوفمبر 2023
آراء وقائع موت معلن
ثمة موت يعيد الحياة للفلسطينيين (Getty)

بعض أكلاف هذه الحرب التي تخاض ضد الشعب الفلسطيني في غزة يذهب بعيدًا في تطرفه. ثمة جيش يضطلع بمهمة الإبادة المباشرة. وهو جيش منظور من العالم أجمع، وثمة سياسيون يقترحون ما ستكون عليه غزة بعد المجزرة. الإبادة التي ينفذها الجيش يفترض أن يعقبها، بحسب السياسيين، ولادة جديدة. والسؤال الذي لا يجد جوابه الدقيق والمحدد حتى الآن: من هو الذي سوف يموت، ومن الذي سيحيا؟
في مفكرة السياسيين، كل السياسيين من دون تمييز، ثمة موتى لا مستقبل لهم. هؤلاء قد يكونون، إذا أحسنا الظن بنوايا وممارسات الجيش الإسرائيلي، أناسًا حملتهم مصادفات لا قبل لهم بردها ليكونوا في لحظة الحرب في مرمى نيران الآلة الحربية العاتية. أما إذا نظرنا إلى الوقائع بدقة ما تقع عليه، فإن هؤلاء سيكونون كل أهل غزة إلا من حمتهم مصادفات لا قبل لهم بتقديرها، كأن ينهدم سقف على عائلة وتنجو، أو أن تنقطع يد جريح ويقضي في مستشفى لم تطله الغارات ردحًا كافيًا لعبور زمن الحرب، أو أن يكون المرء محظوظًا بما يكفي لأن تمكّنه حظوظه من السباحة من شاطئ أول في محيط متسع إلى شاطئ ثان. الذين يعدون أنفسهم بالنجاة في غزة قلة قليلة، لكنهم يتصرفون كل لحظة بوصفهم ناجين، ذلك أن الحياة في مثل هذه الظروف لا يعدو زمنها عن أن يكون لحظة تفقدها. ها نحن قد استيقظنا صباحًا، واكتشفنا أن الطائرات لم تقصفنا، فلنشكر حظنا السعيد. أما اليوم التالي فله رب آخر واحتمال جديد.
هؤلاء الذين ستمر عليهم هذه الحرب ويبقون أحياء بعدها، هم من تقع عليهم مخططات المستقبل. ثمة من سيدير غزة ويحكمها بموجب هذه المخططات، وثمة من سيعيد فتح مستشفياتها ومدارسها، ومن سيعين وزراء حكومتها ومديري أمنها. وثمة من بين هؤلاء الناجين من سيعيد بناء متجره، أو مطعمه، أو قارب صيده. ويعود إلى سيرة سابقة له، بوصفه صيادًا أو تاجرًا أو طباخًا. لكنه في هذه اللحظة، التي تقع فيها الحرب، ليس أحدًا من هؤلاء. إنه مقيم في سفينة المجانين، التي كتب عنها ميشال فوكو، أو في معتزل مرضى الجذام، الذين يتركون للموت والتشوهات، وترفض مجتمعاتهم أن تقيم أي اتصال بهم، لأنهم منذ لحظة إصابتهم بالمرض تحولوا من أبناء وبنات وأزواج وآباء وأمهات إلى مفقودين.




هذا يحيلنا إلى منطقة أخرى من الهول أشد خطرًا مما سبق. هذا الهول يتلخص في واقع أن كل أهل غزة اليوم هم من الناس الذين كانوا، وليس ثمة ما يؤكد أنهم لا يزالون أحياء. إنهم مفقودون والعالم ينتظر أن يرتب أمور من نجا منهم من الإعصار. ولأنهم ناجون من إعصار ناري، فهم لا يملكون الحق في تقرير مصيرهم، أو لنقل إن العالم لا يستطيع أن يؤمن أن الناجين من هذه الأهوال، يستطيعون حقًا أن يديروا حيواتهم ويدبروا شؤونهم على النحو الذي يفترضه لهم. إنهم عجزة، برابرة، متوحشون، بريون. وكل ما لديهم، أو يأمل العالم أن يكون لديهم، لا يتعدى قابليتهم للتعلم والتأقلم مع الأحوال الجديدة، التي لن تشبه أحوالًا سبق أن عايشوها. في هذه الحال التي يقبع فيها أهل غزة، يبدو أن موتاهم هم الوحيدون الذين ينتسبون إلى الكائنات البشرية. والحق أن التضامن والحزن اللذين يظهران في لهجة العالم المتهدجة على شاشات التلفزيونات المحلية والعالمية هو حزن على الأموات، وليس على الأحياء الذين يواجهون الموت. هو نعي للأطفال الذين قضوا تحت هدير آلة الحرب، وليس لمن نجا منهم وينتظر ما لا يستطيع هو نفسه أن يتخيل حدوثه. الأحياء في غزة لا قصص لهم. ثمة نوعان من البشر في غزة بحسب هذا المنطق: الناجون والموتى. الناجون الذين سيكونون عاجزين عن التصرف كبشر راشدين، ويحتاجون من يأخذ بيدهم إلى بر الأمان والاستقرار والسلم، والموتى الذين طحنتهم آلة الحرب على نحو جعل العالم وهو يشهد عملية الطحن هذه، يحزن لمصائرهم التي لم يكن يريدها لهم تحديدًا. وبكلام أوضح، المقتول في غزة هو بالضبط الذي لم يرد له العالم أن يُقتل، وكان يفضل، بعد أن عاين موته أن يصيب هذا الموت آخرين، لأن هؤلاء الآخرين لم تسجل قصص موتهم ولم تعاين. ذلك أن مزاج العالم يفترض أن من بقي حيًا هو الذي كان يستحق الموت، لكنه ما إن يموت حتى ينال حظه في الحزن عليه بوصفه لم يكن يستحق الموت.
هذا العالم يقول للفلسطينيين بطريقة مواربة، لكنها بالغة القسوة: إن موتكم فقط يعيدكم إلى دائرة الضوء، أما حياتكم فليست أكثر من استحقاق للموت يجب أن تتهيأوا له. ولو حدث وأن نجا أي منكم من آلة الموت اليوم، فعليه أن يقبع في خانة المحكوم بالموت، لأنه من دون تحقق الموت لن يكون لأي منكم الحق في أن يستوي إنسانًا.
في الخلاصة: ثمة موت يعيد الحياة للفلسطينيين، للدقة: من سينجو منهم. وثمة حياة لا تعدو مساراتها أن تكون أكثر من تطلب للموت واستحقاق له. هل ثمة قسوة يمكن أن يبديها العالم حيال أي كائن، أشد من هذه القسوة؟ الأرجح أن هذا العالم المتسع، قريبه وبعيده، المتضامن منه والمدين، بات يشترط على من يستغيث لإنقاذه من براثن الحروب، أن يعلن موته مسبقًا. ذلك أنه حتى المقاتل المنتمي إلى واحدة من الفصائل المقاتلة قد يتحول إلى مستحق للحياة بعد أن يموت. أما بقاؤه حيًا، فلن يكون سوى تهديد لغفوة هذا العالم وإشاحته الجارحة.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.