}

"رحلة ابن بطوطة": سيرة تاريخية مُهملة تخييليًا

عبد الرحيم العلام 4 سبتمبر 2023
استعادات "رحلة ابن بطوطة": سيرة تاريخية مُهملة تخييليًا
الطريق التي سلكها ابن بطوطة (موقع الجزيرة الوثائقي)
تحل في هذه السنة الذكرى العشرون لتأسيس "جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة"، وهي جائزة أدبية، تمنح منذ سنة 2003، ويقدمها "المركز العربي للأدب الجغرافي - ارتياد الآفاق" في أبو ظبي ولندن "لأفضل الأعمال المحققة والمكتوبة في أدب الرحلة"، وذلك بهدف تشجيع أعمال التحقيق والتأليف والبحث في أدب السفر والرحلات.

والملاحظ هو أنه بعد مرور عشرين سنة على تأسيس هذه الجائزة القيمة، بما قدمته لنا من أعمال فائزة في مختلف فروعها، فإن هذه الجائزة التي تحمل اسم أشهر رحالة عربي في العالم، كان على القيمين عليها مراجعة فروعها، عبر توسيعها، بإضافة فرع، أو أكثر، إلى فروعها الخمسة الحالية، يكون خاصًا بتتويج "الروايات والسير المستوحية للرحلات العربية"، سواء تعلق الأمر برحلة ابن بطوطة الرائدة، أو بغيرها من الرحلات العربية الأخرى التي لا تقل شهرة عن رحلة ابن بطوطة، وذلك تحفيزًا لروائيينا على المشاركة في هذه الجائزة، وإغرائهم على الكتابة أدبيًا عن الرحلات العربية، واستلهام سير الرحالة في رواياتهم، خاصة وأن مجموعة من تلك السير الرحلية هي موثقة في كتب الرحلات، وهو ما قد يساهم في تطوير الروائيين لملكاتهم التخييلية، كما هي حال الجائزة في فرعيها الرابع والخامس، من حيث تحفيزها الكتاب على كتابة "رحلاتهم المعاصرة" و"يومياتهم الرحلية"...

ومن شأن هذا الإجراء، أيضًا، أن يثري المكتبة العربية بنصوص سردية جديدة، منها ما يمتاح من التراث السردي العربي القديم ومن التجارب الرحلية المعاصرة، ما قد يغني أدب الرحلة بنصوص، من شأنها أن تساهم، هي كذلك، في تخليد الرحلات العربية القديمة وأصحابها، من ناحية، وكذا في ترسيخ جنس الرحلة في أدبياتنا المعاصرة.

ففي الوقت الذي اهتمت فيه نصوص الرواية العربية باستيحاء سير عديد من الشخصيات التاريخية العربية فيها، فإنها جاءت نصوصًا متفاوتة، في مكوناتها البيوغرافية المرجعية، الواقعية والتخييلية، ونشير، هنا، على سبيل المثال، إلى روايات جرجي زيدان التاريخية المؤسسة، في استلهامها لسير شخصيات تاريخية عديدة، من التاريخ الإسلامي والعربي والأندلسي، فضلًا عن روايات تاريخية عربية حديثة، سلكت المنحى نفسه، لكن بطرائق كتابية مغايرة، مستلهمة سير شخصيات تاريخية، من المغرب والمشرق والأندلس، وهي كثيرة، قد لا يتسع المقام لذكرها جميعها.


في هذا الوقت، إذًا، الذي ازداد فيه اهتمام الرواية العربية باستلهام عديد من السير التاريخية المعروفة، من عصور تاريخية عربية مختلفة، نجد أنها، في المقابل، قد أهملت التفاعل مع سير شخصيات أخرى، من عالم "الرحلات"، وهي سير لا تقل قيمة وشهرة وتأثيرًا من غيرها سير الشخصيات التاريخية الأخرى.

فكما اشتهر التاريخ العربي، في أبعاده السياسية والحربية والدبلوماسية والفكرية والأدبية، بشخصيات تاريخية، ساهمت في حركية التاريخ وتطوره، عبر ما خلفته لنا من آثار وأحداث وكتابات، فإن الرحلات العربية، في كثرتها وشهرتها، لم تغر بعد روائيينا بالتفاعل معها إبداعيًا، ومن ثم استلهامها في نصوصهم السردية، بما تستحقه سير/ رحلات أولئك الرحالة ومغامراتهم من اهتمام سردي وتخييلي مواز لرحلاتهم وسيرهم الشهيرة.

ورغم ذلك، فإننا نجد أن بعض تلك الروايات التاريخية قد مزجت بين المكون التاريخي والرحلي فيها، انطلاقًا مما قامت به بعض تلك الشخصيات التاريخية من رحلات موازية. ومن بين تلك الروايات التاريخية التي تفاعلت مع المكون الرحلي فيها، إما بشكل مهيمن أو مواز، في ارتباطه أساسا بالشخصية التاريخية، وبحركاتها في الأمكنة والأزمنة المصاحبة لسيرتها الذاتية، نشير، على سبيل المثال فقط لا الحصر، إلى: رحلة "الحسن الوزان" من الأندلس إلى إيطاليا، مرورا بعديد من الفضاءات، في رواية "ليون الأفريقي" لأمين معلوف، ورحلة "ابن خلدون" من المغرب إلى المشرق العربي والشام، كما استلهمتها رواية "العلامة" لبنسالم حميش، ورحلة "ابن سبعين" من الأندلس إلى مكة، في رواية "ابن سبعين" للروائي نفسه، ورحلة "أسفو/ المهدي بن تومرت" من المغرب إلى العراق، في رواية "الإمام" لكمال الخمليشي، وغيرها من الروايات التاريخية العربية، في مزجها بين المكونين الرحلي والتاريخي في محكياتها.

وهو ما يعني أن المكون الرحلي يبقى حاضرًا، بشكل أو بآخر، في الرواية العربية ذات المنحى التاريخي، في ارتباطه بسير شخصيات تاريخية قادمة إلينا من عصور مختلفة، وهو ما يجعل المكون الرحلي في تلك الروايات مكونًا أساسيًا ومؤثرًا في المحكي الروائي التاريخي، بما يضمره فيه من مغامرات ومرئيات ومجاهيل وعجائب وغرائب وإفادات وأوصاف ونوادر وأسفار في الأمكنة والأزمنة، وبما يضفيه من تشويق وجمالية ومتعة وجاذبية، ومن تنويع في الحكايات والبنيات السردية.

وهنا، تحضرنا واحدة من أشهر الرحلات في التاريخ، هي رحلة الرحالة المغربي ابن بطوطة، الذي اعتبرت "جمعية كامبريدج" رحلته "من أهم السرديات التاريخية في العصور الوسطى"، وواحدة "من أكثر النصوص الثقافية والتاريخية أهمية في التراث العربي"، حسب الدكتور محمد الشحات. وهي الرحلة التي أملاها ابن بطوطة على الأديب محمد جزي الكلبي، كاتب سلطان مراكش أبي عنان المريني، فدونها في كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وتمتد الرحلة على مدى يقارب الثلاثين عامًا من السفر والترحال في بقاع العالم.

فهي رحلة رغم شهرتها وما حظيت به على مستوى التحقيق والأبحاث والدراسات، فضلًا عن ترجمتها إلى عديد من اللغات، لم تحظ بعد بما تستحقه من اهتمام الروائيين بها، رغم أنها رحلة تشكل مادة دسمة للروائيين لاستلهامها تخييليًا في نصوصهم، ولا تقل أهمية وقيمة من الكتب التراثية الأخرى التي شكلت روافد سردية للروائيين العرب وغيرهم، لاستلهامها في نصوصهم الروائية، من قبيل "ألف ليلة وليلة" و"المقامات" و"حكايات الشطار" و"السير العربية القديمة".

ومن بين النصوص العربية والأجنبية القليلة جدًا، التي تفاعلت مع "رحلة ابن بطوطة"، بهذا المستوى التناصي أو ذاك، يمكن أن نتوقف عند أربعة نصوص، من مصر والمغرب وأميركا وقطر، باعتبارها، ربما، النصوص السردية، الوحيدة لحد الآن، التي تفاعلت مع "رحلة ابن بطوطة"، واستوحتها بأشكال مختلفة من نص لآخر، كما سيأتي، مع أنه لا نعنى هنا بعملية تحليل هذه النصوص، وإنما إبراز بعض جوانب تفاعلها مع النص الأصل، أي رحلة ابن بطوطة:

رواية "رحلة ابن فطومة" للروائي المصري نجيب محفوظ

لقد كتب الكثير عن رواية "رحلة ابن فطومة" (1983) لنجيب محفوظ، من حيث كونها تحكي، ضمن منحى فلسفي ورمزي لكاتبها، عن رحالة عربي، اسمه في الرواية "قنديل محمد العنابي" الشهير بابن فطومة، هاجر من بلده، بعد فشله في الزواج من محبوبته "حليمة"، إلى دار الجبل بحثا عن الكمال والخلاص والعدالة والحرية والأمان، وذلك للتعبير عما يعيشه إنسان عصره، في إطار العلاقة مع الآخر والدين وصراع الخير والشر.

وهو ما يجعل هذه الرواية، في نظر البعض، تتشابه مع "رحلة ابن بطوطة" الشهيرة، ومع غيرها من النصوص التراثية المرجعية، كألف ليلة وليلة، وأحوال السالكين، وإن تم ذلك في رواية "رحلة ابن فطومة"، بطرائق سردية وتخييلية ورمزية ودلالية مغايرة، مع إقرار البعض بوجود بعض القرائن في رواية "رحلة ابن فطومة"، من شأنها أن تكشف عن أن نجيب محفوظ قد تفاعل مع "رحلة ابن بطوطة"، وهو ما دفع ببعض دارسي الرواية إلى اعتبارها تشكل تناصًا تراثيًا مع "رحلة ابن بطوطة" واستلهاما لها، منذ عنوان الرواية، آخذًا بعين الاعتبار، هنا، بعض المزاعم التي تقول بأن "ابن بطوطة" لم يحمل أي شخص في عائلته اسم "بطوطة"، بل أخذ اللقب من والدته التي كان اسمها الأصلي "فطومة"، فتم تحريف الاسم ليصبح "بطوطة". وقد تكون لهذه الحكاية علاقة ما بعنوان رواية نجيب محفوظ، وهو أمر غير مستبعد في الأدب.

ويزكي موقع "ويكيبيديا" في صيغته الإنكليزية، خلافًا للموقع في صيغته العربية التي جاءت خلوا من أية إشارة إلى هذا الموضوع، ما سقناه من تفاعل قائم بين "رحلة ابن فطومة" و"رحلة ابن بطوطة"، في التعريف الذي خص به الموقع رواية "رحلة ابن فطومة"، فقد توقف الموقع في ركن (Inspiration) عند هذا المعطى المتعلق بكون نجيب محفوظ قد استلهم في كتابة روايته رحلة ابن بطوطة، باعتبار هذا الأخير شكل مصدر إلهام ونموذجًا تاريخيًا للرحلة الوهمية في رواية "رحلة ابن فطومة". من هنا، يضيف موقع ويكيبيديا، أراد نجيب محفوظ بوضوح أن يكون القراء على دراية بأعمال القرون الوسطى في أثناء قراءة روايته، وهو يحاكي رحلة ابن بطوطة محاكاة جزئية، حيث يبين نجيب محفوظ أن ابن فطومة يشبه ابن بطوطة، لكنه ليس صورة طبق الأصل له.

وتتم الإشارة، في ركن آخر في الموقع (Literary signifiance and criticism)، إلى أن الرواية تتمحور حول الرحالة الشاب ابن فطومة، الذي يشبه إلى حد كبير الرحالة ابن بطوطة في القرن الرابع عشر، في حين أن ابن بطوطة لم يسافر إلى أراضٍ مشابهة لتلك المذكورة في الرواية، إلا أن شخصيته وخلفيته كانت متطابقة مع ابن فطومة... لقد اعتمد ابن فطومة على هذا الشخص الحقيقي، ابن بطوطة، الذي شاركه في العديد من أوجه التشابه.

رواية "سبع ليال وثمانية أيام" للروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي

وفي المغرب، البلد الذي ينتسب إليه ابن بطوطة، لا نكاد نعثر على نصوص روائية تفاعلت مع سيرة هذا الرحالة، كما دون فصولها في كتابه المعروف "تحفة النظار..."، رغم ما أشرنا إليه من كون مجموعة من الروائيين المغاربة قد تفاعلوا، بشكل لافت، مع سير شخصيات تاريخية، فاستوحوها في نصوص روائية، وأيضًا رغم أن "سيرة ابن بطوطة" لا تقل أهمية وتأثيرًا من غيرها من السير التاريخية الشهيرة التي استوحتها الرواية المغربية.

لقد انتظرنا إلى حين صدور رواية "سبع ليال وثمانية أيام" للروائي المغربي سعيد بنسعيد العلوي، عام 2017، وفيها يستلهم شخصية ابن بطوطة، كما استلهم من قبل شخصية "المهدي بن تومرت" في روايته "ثورة المريدين". وفي هذا الإطار، يقر كاتب الرواية، في مقال له منشور بمجلة "رباط الكتب"، بعنوان "المؤلف، السارد، ابن بطوطة": "بأن له في تأليف ما ألف (ويقصد روايته "سبع ليال وثمانية أيام")، شريك هو صاحب "تحفة النظار في عجائب الأمصار وغرائب الأسفار"، مضيفًا "إن لم تكن الشراكة متحققة في نسج الحكاية وبسط الحوادث فهي، لا شك في ذلك، قائمة في الصور والمعاني. لا يكاد موضع في الرواية يخلو من حضور لجملة واحدة أو جمل من "تحفة النظار...". من هنا، فرواية "سبع ليال وثمانية أيام" هي تناص مع كتاب "التحفة"، وذلك في إطار ما يهم الروائي من هذا التناص، ألا وهو، كما قال، أن يجعل من ابن بطوطة "دون إرادة منه، شريكا في بناء عالم من الرؤى والذكريات والهواجس، عالم لا قبل له به؟".

من هنا، فرواية سعيد بنسعيد العلوي في استلهامها لعالم ابن بطوطة في رحلته الجديدة إلى المغرب، بما هو عالم ينشئه الروائي وتسكنه الرواية، يتداخل فيه الحقيقي والمتوهم، كما تتقاطع فيه الحقب والأزمنة، وتشكل فيه "طنجة" منطلقها وإليها الرجوع. وبذلك، فإن ما يهم الروائي في روايته، ليس هو البحث في صدقية بعض الجوانب في رحلة ابن بطوطة التي أثارت جدلًا بين بعض الباحثين، ممن شككوا في بعض الأماكن التي وردت في الرحلة، والتي قد يكون ابن بطوطة لم يزرها قط، وتلك أمور، يضيف سعيد بنسعيد العلوي "لا تعني الروائي في شيء، ولا تنال من نظرته إلى صاحب الرحلة، لا شأن للروائي بالقيمة الإخبارية للرحلة، فهو لا ينشد من الرحلة أن تمكنه من الحصول على مادة معرفية ولا يعنيه في شيء أن يكون ابن بطوطة مالكا لسلطة علمية أو خلوا منها"، وإن بدا أن ما يعني الروائي في روايته، من بين أمور أخرى، هو التنبيه إلى أن تعيد الأجيال الجديدة قراءة تراثها وتقدير قيمته، إثر ما يطاوله من إهمال ومن عدم اعتراف الآخر بفضله.

كتاب "مغامرات ابن بطوطة" للكاتب الأميركي روس إدمون دان

من بين الباحثين الأجانب الذين اهتموا برحلة ابن بطوطة، نذكر الباحث الأميركي المتخصص في التاريخ الإسلامي الوسيط روس إدمون دان (Ross Edmond Dunn). وأهمية ما كتبه روس تكمن في أنه لم يتوخ إنتاج دراسة نقدية للرحلة، فقد قام بذلك، في نظره، العديد من المؤرخين، وفقهاء اللغة، والمستعربون الكبار، ممن سيعتمد روس على أعمالهم في عرض قصة ابن بطوطة ومساره، في سياق التغير السريع لعالم القرن الرابع عشر الميلادي.

بدأت صداقة روس لابن بطوطة سنة 1963، بادئا بقراءة رحلته إلى امبراطورية مالي، سنة 1351م، فترجمته جزء من تلك الرحلة إلى الإنكليزية، إلى أن جاءته فكرة كتابة كتاب عن ابن بطوطة في سنة 1976. من هنا، كانت رغبة روس في كتابة نص يمكن أن يتحول يوما إلى فيلم مثير ومليء بالحركة، فكان كتابه: "مغامرات ابن بطوطة: الرحالة المسلم في القرن الرابع عشر الميلادي"، ونشر الكتاب في طبعة أميركية في ربيع 1987، ثم توالت طبعاته وترجماته إلى لغات أخرى (إيطالية وتركية ولغة الملايو والإندونيسية)، وتبقى أهم تلك ترجمات الكتاب في نظر مؤلفه هي الترجمة إلى العربية، تلك التي أنجزها الناقد والمترجم المغربي أحمد بوحسن، والصادرة عن دار توبقال للنشر، الدار البيضاء 2020، وهو ثاني تعامل للمترجم مع كتب روس دان، بعد ترجمة سابقة قام بها لكتابه "المجتمع والمقاومة في الجنوب الشرقي المغربي: المواجهة المغربية للإمبريالية الفرنسية 1881-1912"، في سنة 2006.

اعتمد روس في كتابه عن ابن بطوطة على الترجمات الإنكليزية والفرنسية لرحلة ابن بطوطة، بغاية "أن يقدم لطلابه وعامة القراء معا ابن بطوطة العالم الفقيه، والصوفي الورع، والمهني، والمحب للحياة".

وعن كتاب روس عن ابن بطوطة، يقول ريتشار بينيل (Richard Pennell)، مؤرخ الشمال الأفريقي: "لقد أخذ دان من المادة الخام لأسفار ابن بطوطة، لقطة معبرة لهذا العالم الموحد الغريب. إنه إنجاز رائع: الكتاب هو أكثر مما خطط له أن يكتبه: فهو ليس مجرد إعادة سرد لقصة ابن بطوطة للجمهور العام، كما يصفها هو بتواضع، بل هو تقديم للعالم الإسلامي على وجه الخصوص، وأواخر عالم القرون الوسطى بصفة عامة".



"مخطوطة ابن بطوطة السرية: سفر الخلود" للروائي القطري جاسم سلمان

خلال هذه السنة 2023، صدرت رواية جديدة للروائي القطري جاسم سلمان، بعنوان "مخطوطة ابن بطوطة السرية: سِفر الخلود"، عن داري الرافدين والوتد، رواية يصفها كاتبها بقوله: "إن الرواية تاريخية، وتتناول أحداثًا ووقائع حقيقية في صوغ متخيل تاريخي أقرب للتصديق والواقع، وكأنها المخطوطة الفعلية والأكثر دقة للرحالة العربي الشهير ابن بطوطة". ولجوء جاسم سلمان إلى استيحاء رحلة ابن بطوطة في روايته، تم من منطلق، كما يقول جاسم سلمان، كون "التاريخ لدينا غير مستثمر، ولا يوجد تنقيب حقيقي، ولا نؤمن بقيمة موروثنا الكبيرة، بينما هي كنوز مدفونة" (من حوار مع الكاتب، بـ "القبس الثقافي"، 26 كانون الثاني/ يناير 2023)، وفي هذا الكلام ما يشبه موقف الروائي سعيد بنسعيد العلوي السابق من إهمال تراثنا وعدم الاهتمام باستثماره والتعريف به.

لقد كان الروائي جاسم سلمان يحلم بأن يكتب سيرة ابن بطوطة بطريقة روائية جديدة، فجاءت روايته الثالثة هاته، مراهنة على إعادة اكتشاف الرحالة العربي أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف بابن بطوطة، متعرضًا فيها لأبرز المحطات في حياة بطل روايته، ورحلاته ومعاناته، بين زمني الحاضر والماضي، فضلًا عن تعرضه، عبر صوغ تخييلي جميل، لهيمنة التنظيمات السرية في عصر ابن بطوطة، في حله وترحاله، حيث يستعين الروائي في عرض ذلك بالوقائع التاريخية الموثقة، وباللجوء إلى التخييل لبناء سيرة أخرى غرائبية لشخصية ابن بطوطة، ضمن إطار فضائي مرجعي، يمتد من طنجة إلى القاهرة والإسكندرية ودمشق وحتى بغداد والأناضول وحدود الصين وأبعد وأبعد...

وتذكرنا رواية "مخطوطة ابن بطوطة السرية"، بما توخاه كل من الروائي سعيد بنسعيد في روايته السابقة المستلهمة لسيرة ابن بطوطة، وروس إدمون دان في قصته التي يعيد فيها كتابة رحلة ابن بطوطة، وذلك من حيث مراهنة هذه النصوص الثلاثة على إنتاج شخصية ابن بطوطة من جديد، كل نص بطريقته الخاصة.

هكذا، إذًا، تستحضر رواية جاسم سلمان شخصية ابن بطوطة في المرحلة التي كان تنظيم داعش يسيطر فيها على مناطق واسعة من سورية والعراق، باعتباره كان راعي غنم، حيث يتم اعتقاله وسجنه في سجن بأقصى الشام، مقدمة بذلك، أي الرواية، قراءة جديدة لسيرة ابن بطوطة، في محاكاتها لرحلاته الاستكشافية، وربطها بين الماضي والحاضر، حيث "كان ابن بطوطة في غيبوبة، فأفاق منها على زمن غير الزمن الذي كان فيه، وانتهت الدويلات، وتغيرت الأمكنة، ولكن البلدان هي نفسها"، ليجد ابن بطوطة نفسه وقد تلبس في راع...

وفي مكان آخر من الرواية وفي زمان غير زمانه، يقدم ابن بطوطة نفسه للطبيب الذي كان يعالجه، وهما معا في السجن يتعرضان للتعذيب والجلد على يد جلاد الزنزانة، على أنه ليس أُميا كما ناداه الطبيب، بل قاضيًا ورحالة بربريًا (ص16).

ثم تبدأ رحلة إملاء ابن بطوطة لرحلته على الطبيب العجوز كي يدونها، وقد حدس أن سجنهما سيطول، ليخاطبه قائلًا: "اقبض عقلك، ولا تكن كابن جزي عندما اجتزأ ولم يضبط ما دونه عني، في منتصف القرن السابع الهجري بالأندلس، ولا كابن خلدون عندما استهزأ بي" (ص22)، فصار الطبيب يدون كل ليلة ما يملى عليه، لتبدأ "رحلة الكتابة والانتقال من العصر الحديث إلى الماضي، عبر بوابة سحرية عجائبية" (ص22)، يتمكن الروائي من ولوجها، بشكل فني بارع، وهو يعيد كتابة سيرة ابن بطوطة، بادئا بزمن "الطفولة وبلوغ المأرب: طنجة عام 718 هـ 1319م" (ص23).

    

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.