}

أميرة هي أختي أيضًا

بلال خبيز 9 يونيو 2024
هنا/الآن أميرة هي أختي أيضًا
النص تحية لأحمد قعبور وأغنيته الأخيرة "أختي أميرة"

هذا النص هو تحية لأحمد قعبور، لأغنيته الأخيرة "أختي أميرة"، التي بدا فيها صادقًا مع نفسه إلى الحدّ الذي جعله لا يتورع عن الدفاع عنها كما لو أن الأغنية هي أخته الأخرى. وما الإسراف في الحديث عن النفس، الذي يظهر في ما يلي، إلا تأكيدًا على واقع أن معظم المشتغلين في الفنون والشأن العام في لبنان، وبعض البلدان العربية، وأحمد منهم على الأرجح، خسروا كل أحلامهم، ولم يتبق لهم إلا أكنافهم العائلية الضيقة يلجأون إليها لاختبار العزلات وتحفيز الذكريات.
في غرفتي ثلاثة كراس: واحد للعزلة، واثنان للصداقات. أجلس على كرسي العزلة ردحًا ثم لا شيء. البياض حداد. هذا العالم أبيض، أبيض وبلا جوهر.
المسألة أنني لطالما أردت أن أصنع فنًا له جوهر. معظم الفن الذي عايشته وعاينته بدا لي فاقدًا. ألتقط صورًا لبيروت، وأحسب أنني أمسكت بروحي من لبابها: هذه هي بيروت. لا هذا أنا. لكن ثمة من يستطيع أن يعطي الصورة معنًى آخر. صديقي وليد صادق قرر محقًا: فلألتزم بيتي وزوجتي وابنتيّ وحديقتي. على أي حال، صنع عملًا فنيًا لم يتجاوز حديقته، قال: لا نستطيع أن نؤثر خارج هذه الحدود. معه كل الحق. لا صور ولا من يحزنون، فقط ثمة سير صغيرة وملغومة لمكان وعائلة، وعليك أن تحزر، أنت المشاهد والناقد، أين يبدأ الفن، وأين تنتهي أوبرا الصابون. والأرجح أنك لن تحزر، عليك أن تسأله بنفسك ليفسر لك ما يريد قوله. وهو ضنين أيضًا بالتفسير. البخل والتقتير، على حد وصف صديق آخر، هو غسان سلهب، يحميان الفن من أن يتحول مسلسلًا مكسيكيًا تتناسل صوره عفية ومشتهاة. بيروت، قال لي الشاب الذي يعمل في شركة آبل للتقنيات العالية والأنيقة في لوس أنجلس: الطعام هناك يؤلم. ليس طيبًا وشهيًا فحسب، بل يؤلم كالصداع.
طيب، نجحت في الاعتراض، لم أنجح في الفن. لم أصنع فنًا يستطيع أن يمتنع على التأويل. مشكلتي مع التأويل أن ثمة أحكامًا مسبقة تصنعه. هذا فن لبناني، إذًا فلنتوقع أن نلمح صورة مقاتلي حزب الله، أو على الأقل بعض النساء المحجبات، إبريق شاي محجب حتى. إذا كان هذا كله ليس واردًا: إذًا فلنتوقع صورة هيفاء وهبي، تغني، بلا لوعة وبغنج يفوق الحدود. بعض الأغاني في هذا البلد ما زالت تشبه اللعب والغواية. ليست تفجعًا وعنفًا كحالها في أكثر من مكان. دلع يسيل كلعاب، تريد القول إن الحياة شهية ورخية وكسولة، فيما تبدو جوانب بعض الحياة في هذا البلد مقاومةً ودمًا وتضحياتٍ والتزامًا. أين هي الحياة بالضبط، أي منهما هي الحياة فعلًا؟ هل صحيح أن السيد وفيق صفا لا يتمتع بحياته، وأنه مناضل حتى آخر دمعة، وآخر نقطة دم؟ هل صحيح أن هيفاء وهبي تعيش بلا هموم: مجرد امرأة مثيرة، وتعشق واقع أن تكون محبوبة ومشتهاة؟
لو أردنا الخروج من هذين المنزلقين، في وسعنا أن نصنع فنًا أيكولوجيًا: فلنفتش عن الرعاة في الجبال، ونصورهم، أو فنًا ليبراليًا حداثيًا: لنبحث عن أبطال الزواج المدني، أو دعاة المحافظة على البيئة والأشجار، في بيروت وخارجها. وهنا أيضًا ثمة من يستطيع أن يتنكب عنا مشقة التأويل: عليك أن تنتج فنًا وتتركه بين أيدي النقاد.




فلتحيا الفنون، الفنون التي لطالما كانت غير أصلية وغير جوهرية. اللوحة التي هي نسخ لأصل محدد، وغالبًا ما يبقى مجهولًا، هي الأبقى. الصورة أيضًا، وهي، بداهة، نسخ لأصل ما قد يبقى مجهولًا حيًا وميتًا، وبالأخص ميتًا، لها حياتها ويصعب علينا أن نعاين موتها. نصور ونرسم ونصف، لكن ما صورناه وما رسمناه وما وصفناه آيل إلى الزوال، وفي وسعنا الاحتفاظ بالوثائق والصور والنسخ. ماذا لو أن المرء كان أكثر اتصالًا بما يرسمه ويصوره ويصفه، ماذا لو أراد أن يصور ما يبقى من بعده؟ ماذا لو أن الموضوع المصور أو المكتوب عنه كان أقرب إلى النفس من النفس نفسها؟ فكرت: سأنشئ ألبومًا عائليًا. صور أبنائي الذين أحبهم أكثر مما أحب نفسي. في هذه الحال، لن يجرؤ ناقد أن يحلل. لقد صورت ابني لأنني أحبه، ولأنني أريده هو نفسه أن يشاهد صورته بعد حين. صورته طبعًا، لأنه يتغير كل يوم، ولأنني أحبه في حالاته كلها، أكثر من الصور قطعًا. إنما من ذا الذي في وسعه أن يسوّق فنًا عائليًا؟ صور الأحباء تعلق على جدران البيوت، ولا تذهب إلى متاحف الفن الحديث والقديم.
فلأقلع عما لا طائل تحته. فكرت: عليّ أن أصنع فنًا متصلًا بما يجري من حولي، فنًا حقيقيًا، إلى حد أنه قد يكون خطيرًا. عمل فني واحد في وسعه أن يثير حفيظة كثيرين. ليس لأنه عمل مستفز، بل لأنه عمل حقيقي. مايكل جاكسون أنفق جسده بحثًا عن صورة جسده. استطاع أن يجعل صورته تعيش في ما تبقى من جسمه بضعة أعوام، صحيح أنه أولاها عناية فائقة، لكنه نجح في تحويل جسمه إلى صورة عن جسمه، صورة حية وتتنفس. هذا فن عالٍ ويقع على حافة الموت. من جهتي، كنت أريد أن أصنع النقيض: صورة تعيش من تلقائها، تتناسل وتتكاثر ويصبح في وسعها أن تتهم وتدين. في حرب غزة المستمرة، تكاثرت صور الدمار الذي خلفته المدافع والطائرات الإسرائيلية. ولا شك في أن هذه الصور تتهم وتدين. لكنها صور من صنع الطائرات، وليست من صنع الفنانين. وليس في وسع الفنانين أصلًا أن يتنكبوا عناء إنتاج مثل هذه الصور. هل يستطيع فنان أن يهدم بيتًا على رؤوس أصحابه ليتسنى له تصوير اللحظة الفاصلة بين الموت والحياة؟ قطعًا هو لا يستطيع، هذا عمل جنرالات وقضاة. جل ما يستطيعه الفنان أن يتلف جسمه، أن يعرّض نفسه للخطر، أن يقيم مع أسد أميركي في قفص مثلًا، أن يطلق النار في ذراعه على مسرح، أن يعاقر الخمر والكحول حتى يكاد يفقد وعيه، ثم يحاول استعادة وعيه بالكوكايين، ليعاود معاقرة الكحول حتى يفقد وعيه. بعض الفن في معنى من المعاني هو لعب مع جسم الفنان. لطالما أدهشتني الطرق الغريبة التي يرتب فيها الفنانون شعورهم، أو الثياب الغريبة التي يرتدونها. النقد ارتضى أن يمر على هذا السلوك من دون إنعام نظر. بالنسبة لي، لطالما أراد الفنان اللعب مع جسمه. الشعر والثياب جزء من هذه العدة. مؤدى هذه السلوكات خروج الفنان من مألوف المشاهدين. علينا أن نميزه من النظرة الأولى، إنه رجل لا يعيش، يريد لفنه أن يعيش بدلًا عنه. لكنه أيضًا، وللمفارقة، لا يريد الموت، ربما لأنه أكثر الناس حبًا وتعلقًا بفنه. لهذا هو على الأرجح يريد أن يعيش في الظل مراقبًا حياة فنه وموته هو نفسه. الفنان غريب؟ ربما، لكنها غربة باتت مألوفة. مألوفة إلى الحد الذي يمكن أن نعاينها في المتاحف والغاليريهات، وننظم من أجلها رحلات سائحين.
مثل الفنانين، عشت غريبًا. يمكنني القول إنني عشت في كهف، ليس كهف الفنانين قطعًا، ذلك الذي يعيشون فيه كما لو أنهم فئة على وشك الانقراض، يتناقشون ويتسامرون ويعلقون على العالم الذي يزدهر ويورق خلبيًا من حولهم. لكنني على الأرجح كنت منقرضًا منذ البداية، مثل معظم الفنانين. الفارق البسيط والحاسم أنني لم أكن أؤمن بسلطة الفنون الرائجة، ولم أكن، من ناحية ثانية أستطيع، تقنيًا، العيش في مجرات الفنانين الصغيرة المنتشرة في العالم الواسع. تريد أن تكون فنانًا، عليك أن تصنع تعليقات فنية لكل ما يحيط بك. وعليك أن تعيش في قارب التعليقات نفسها.
الآن، في وسعي القول إنني اخترعت مجرتي، التي أعيش فيها. الرحلة إلى هذه المجرة لم تكن فعلًا إراديًا، لقد نفيت إليها. نفيت مما أعرفه إلى ما لا أعرفه. يمكن القول إنني ربان سفينة المخابيل وجميع ركابها في آن، أتجول في البحار، وليس ثمة شاطئ موعود. على أي حال، لا سبب للشكوى. إنما أيضًا لا سبب لتعظيم قدر ما أنا فيه. المرء يأكل ويشرب ويموت، أكان يفعل ذلك في غابة، أم في قصر، أم في سفينة.

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.