}

والشِّعر إذا أبكى.. شهادة نسرين أكرم خوري

عماد فؤاد 6 مايو 2020
آراء والشِّعر إذا أبكى.. شهادة نسرين أكرم خوري
نسرين أكرم خوري
نافذة أسبوعية سؤالها بسيط لكن إجابته معقّدة: ما هي القصيدة التي تُبكيك، ولماذا؟ فكرة هذه الزّاوية جاءت من التّساؤل: هل ما يزال الشِّعرُ – في زماننا هذا - يُبكي أحدًا؟ تكاثرتْ كتبه وتراكمتْ قصائده جيلًا بعد جيل، لكن ما الأثر الباقي منها في النّاس؟
في كلّ حلقة سنلتقي ضيفًا ليشاركنا إجابته على السّؤالين أعلاه، والمؤكّد أنّنا سنقف في هذه الرّدود على ما آن له أن يُكتب، كما أنّها فرصة أخرى لاكتشاف الشِّعر وما عتم منه، أو قل: مداخل مغايرة لقراءة ما يُبكي ضيوفنا من الشِّعر، هذا.. إذا أَبكى.
هنا شهادة الشاعرة والروائية السورية نسرين أكرم خوري:

*****

نسرين أكرم خوري: لو وضع الشِّعر يده على جبيني
"سأثقب لك أيضًا بإصبعي سبعة أنجم في السماء كي تهديك. سأفتح لك سبعة ثقوب في القصبة كي تبكيك".

هكذا يكتب زكريا محمد..
حين أفكّر في البكاء تحضر في بالي قصيدة أحبّها، لكن هل يُبكيني الشِّعر فعلًا؟ في هذه اللحظة لا أعلم، أذكر الرّعشة وارتجافة القلب حين تهزّه قصيدة، أو بشكل أدقّ جملة مجتزأة من قصيدة أو ربّما من حوار مسرحيّ أو من فيلم أو حتى من مقالة.
صحيح أنّ دمعتي قريبة نسبيًّا، كما يقال، متأهّبة لأيّ لكزة شعورية كي تخرج، لكن أعرف أن الكلمات ولو كانت أقلّ شعريّة من غيرها، حين توضع في قالب موسيقيّ، قد تمتلك قدرةً أكبر على دفع الدموع، كذا خروج الكلمات من فم ممثّلٍ ذي نبرة صوتٍ معيّنة وتعابير وجه وحركات جسد مدروسة بشكلٍ متقن له غاية محدّدة: أن يبكيك.
بهذا الشّكل كانت الأمور تجري، إلّا أن الحياة تغيّرت وصارت مهمّة الفنون بشكلٍ عام والشِّعر بشكل خاصّ في التّأثير بالقارئ أصعب، إذا افترضنا أنّ هذا أحد مهامّها، ليس بالضرورة أن يكون كذلك في رأيي. أو ربّما كبرتُ وتغيّرت تلك الرؤيا الحالمة، فحتّى الأفلام التي كانت تُبكيني في العشرين، لم تعد تفعل في الثّلاثين. صارت تبكيني أمور أخرى أكثر هشاشة، في فيلم "Spotlight" الذي يتحدّث عن فريق من الصّحافيين يحقّقون في قضية اعتداءات جنسية مرتكبة من قبل قساوسة كاثوليك بحقّ الأطفال، مشهد في آخر الفيلم حين يُنشَر التحقيق وتقرؤه جدّة إحدى صحافيات الفريق، العجوز الكاثوليكية المؤمنة، التي عاشت حياتها بين بيتها والكنيسة، فقط تصمت لثوانٍ ثمّ تطلب من حفيدتها كوب ماء. وجدتني حينها أبكي بحرقة، أجل.. إذ تُبكيني الخيبات. وهكذا في الشِّعر أيضًا.


حين أردتُ البدء بكتابة هذه السطور شرعتُ باستعراضٍ ذهنيّ للقصائد الأشدّ تأثيرًا فيّ، وكانت من بينها قصيدة للشّاعر أمجد ناصر، في اليوم التالي رحل الشّاعر، والقصيدة كانت عن رحيل والدته. هذا الخيط الشّفيف بين الشِّعر والحياة وبين نقطة شعوريّة عميقة داخل القارئ، فيه تكمن قوّة الشِّعر التي تهمس ولا تصرخ، وهيبته التي لا يطال ثوبها الغبار مهما غرق العالم ومعه اللغة في الوحل، يقول أمجد ناصر في قصيدته "البيتُ بعدَها":

"لم يتغيّر شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمّي.

النهارُ بخطوطِ عرضهِ الثّلاثةِ،

الغرفُ المرتّبة تنتظرُ أولادَها الغائبينَ،

المارثونُ الأبديُّ لأبي بين إبريقِ الوضوءِ والجامعِ،

والحنينُ الذي لا يكلُّ لأيامِ الفاقةِ السعيدة.

كلُّ شيءٍ على حالهِ.

إلا تلك اليد التي يخضرُّ لها التراب".

لديّ حكاية أُخرى عن ذلك الخيط السحريّ الشّفيف؛ كنت منهمكةً في ترجمة مجموعة قصائد للشَّاعر القبرصيّ كوستاس مونتِس، كونه الشّاعر المفضّل لبطلة روايتي التي عاشت حياتها في قبرص، أغلقتُ الجهاز وغفوت، استيقظتُ على رنّة هاتفٍ تخبرني برحيل جدّي، ودّعتُه وعدتُ لأجدني وصلت قصيدة "حفيدي يوم مماتي":

"أخبره أنّني سأعود في أيّ لحظةٍ الآن

أخبره أنّني ذهبتُ كي أجلب بعض الخبز

أخبره أنّني ذهبتُ إلى مكتب البريد

كي أتفقّد الرسائل".


نعم، يُبكيني هذا الخيط حين يلتفّ حولي ثمّ يضرب عميقًا في داخلي، من ناحية المشاعر أمرٌ شبه مستحيل أن أَخرج من ذاتي وأنطلق نحو العام، عكس الكتابة. فكي تبكي عليك أن تخرج من أيّ مكان ثمّ تدخل إلى ذاتك حتّى تجرحها وتؤذيها، يقول رياض الصالح الحسين:

"عندما تكونين حزينة

يحزن معك النّهر والزورق

أشجار الصّفصاف والدّوري الرّمادي

الجبل ومصباح الغرفة

السّتائر وضوء الشّمس

القلب في الصدر والسّمك في الأنهار

وحتى ذئاب البراري المتوحشة

حتى الذئاب

تدفن رؤوسها في الرّمال

وتبكي".

 

تُبكيني قصيدة رياض هذه أكثر من قصيدته الشهيرة عن سورية، لماذا؟ سؤال أطرحه على نفسي. أقول قد تكون المواساة، أحدهم رصف كلماته قبل أن تولَد أنت كي تأتي هذه الكلمات على هيئة قصيدة بديعة في يومٍ حزين وتربّت على كتفك. تنهمر الدموع المحبوسة حين يقوم أحدٌ آخر، أحدٌ غريب بفعل المواساة هذا. خاصّةً حين يكون هذا الأحدُ قصيدةً، كما في هذه القصيدة لعماد أبو صالح:

"لا يفكّر في العودة مطلقًا

لكنه

أحيانًا

في الليل،

ينتظر مدمني البانجو

إلى أن يغيبوا عن الوعي

ويندس بينهم

ربما مرّر أحدهم يده

برفق،

على رأسه".

 

تُبكيني هذه القصيدة. في الحقيقة فهمي مضبَّب لآلية عمل القصائد في النّفس، ولا أستطيع أن أعطي تفسيرًا قاطعًا بالكلمات لفعل الكلمات فيّ، لكنّني أحاول، وكلّ محاولة، كلّ قصيدة، هي ضربة فرشاة أو سكّين في لوحة المشاعر. هنا في قصيدة عماد أبو صالح، أبكتني الوحدة وهي تطلّ بأعلى تجلّياتها. وهنا واحدة من قصائد أكثر الشّعراء عملًا في مشاعري ودفعًا لدموعي.. بسّام حجار:

"أعدُّ الشتاءات لأعرف أين أصبحتُ الآن.

هي الثّلاثون حقًا.

صدقيني

لا أعرف كيف وصلتْ".

 

يُبكيني انفلات العمر من يديّ، كما تنفلت الدموع لو وضع الشِّعر يده على جبيني، لأعرف ما الذي فيّ ما يزال حيًّا. مرة أخرى بسّام حجار:

"لا أُحبُّك حبًّا لا يُضاهى

ولا أشقى لغيابك

ولا أموت..

فقط أضعُ يدي على جبينِك

لأعرفَ ما الذي فيّ

ما زال حيًا".

 

البيتُ بعدَها

أمجد ناصر


لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.

فأخواتي الأربعُ، صورُها الجانبيةُ شابةً، يواصلنَ رفعَ النَّهارِ على أثافيه الثلاث: الهالُ صباحًا، الكُرْكُمُ ظُهرًا، النعْناعُ مساءً. ففي بيت أهلي لا تحتاج إلى ساعةِ يدٍ أو حائطٍ يكفي أن تشمَّ الرائحةَ لتعرِفَ موقعَ الشَّمسِ في السّمتِ.

 

لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.

فأيدي أخواتي منهمكةٌ في ترتيبِ غرفٍ غادرَها أشقاؤهن الخمسةُ إلى بيوت أخرى لن يعرفوا فيها الراحةَ رُغم أنهم لم يعودوا ينامون على فرشاتِ الليفِ الممدودةِ على الأرضِ ولا يرتجفونَ أمام شاي الصباحِ وخبزهِ كالمدمنين.

 

لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.

حتى إننا كلّما رأينا "كوثرَ"، كبرى أخواتي، عاكفةً على ضبطِ توازنِ الملْحِ في الجرح، ظننا أن أمي لم تبرحِ البيتَ الذي بنته لهفةً لهفةً بكفنٍ أبيضَ وجسدٍ أكلَه السّرطانُ قطعةً قطعةً إلى مقبرةٍ ستضمُ أولَ ميتٍ في العائلة.

 

لم يتغير شيءٌ يُذكَرُ في البيتِ بعد وفاةِ أمي.

النَّهارُ بخطوطِ عرضهِ الثلاثةِ،

الغرفُ المرتّبةُ تنتظرُ أولادَها الغائبينَ،

المارثونُ الأبديُّ لأبي بين إبريقِ الوضوءِ والجامعِ،

والحنينُ الذي لا يكلُّ لأيامِ الفاقةِ السعيدة.

 

كلُّ شيءٍ على حالهِ.

إلاَّ تلك اليد التي يخضرُّ لها التراب.

 

 

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.