}

الكابالا اليهودية.. عرض تاريخي وعثرات الإحياء الحاضر

حسام أبو حامد حسام أبو حامد 29 يوليه 2020
آراء الكابالا اليهودية.. عرض تاريخي وعثرات الإحياء الحاضر
تشهد الكابالا ـ في الفترة الأخيرةـ عملية إحياء حثيثة
أجمعت الميتافيزيقا اليونانية على أن الكون لم ينشأ من عدم مطلق، وأنه لا يصدر شيء عن لا شيء، وعن الواحد لا يصدر إلا واحد. ولكن: كيف يصدر هذا العالم الكثير عن الواحد؛ علّة الوجود الأولى أو واجب الوجود (الله)؟ رفض فلاسفة اليونان القول بأن الموجودات المتعددة قد صدرت عن الواحد مباشرة، وفي محاولة لحل هذا التناقض، حوّل أرسطو، من خلال نظريته في المادة والصورة، الإله إلى محرك للعالم لا يتحرك.
ومع تشكل الإمبراطورية الرومانية، انهارت الدول القديمة، وحُرمت استقلالها السياسي، وتعاظم فيها الفقر والبؤس، وتوالت الكوارث، وأثّر ذلك في وعي النخبة والطبقات المسحوقة، ولاذ المحرومون بالدين يبحثون فيه عن عزاء وسلوى، فتلقّفوا التعاليم والطقوس الدينية القادمة من الشرق، التي تأثرت بها الأفلاطونية والفيثاغورثية المحدثتان. الطابع الديني للفيثاغورثية المحدثة اتخذ شكلا إثنينيا متطرفا في الفصل بين الله والعالم، برز معه الله مبدأ وحيدا للعالم، وماهية روحية خالصة أسمى من أي وصف إيجابي، لكنه في الوقت ذاته علّة جميع الأشياء الطبيعية وصفاتها. هذا التناقض في الطبيعة الإلهية (يعلو تلك الصفات وعلّة لها في الوقت نفسه) طرحت فكرة وجود وسيط، وأحيانا سلسلة من الوسطاء، بين الله والعالم[1]. وحاولت الكابالا اليهودية (في الأصل تعني الاستقبال والتلقي) أن تصحّح الانحراف الكوني من أجل الخلاص.
لا يمكن فهم الكابالا كنوع خاص من التصوف اليهودي إلا بوضعها في سياقها التاريخي الذي نشأت فيه، والنظر إليها من خلال تطورها نتيجة تفاعلها مع العديد من المدارس الفلسفية والدينية والصوفية في مراحل زمنية مختلفة.


صوفيا: الخطيئة الأولى
سبقت الغنوصية (العرفان الباطني) في ظهورها المسيحية، وازدهرت في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد. بدأت الغنوصية بالحدس ما قبل الفلسفي الأساسي نفسه الذي قاد تطور الفلسفة اليونانية: أنَّ هناك ازدواجًا بين عالم الوجود الحقيقي، وبين عالم الصيرورة. غير أن الغنوصيين، على العكس من الإغريق الذين اجتهدوا لإيجاد الرابط بين هذين "العالمين" والوحدة الشاملة لهما، ضخَّموا الاختلافات، وبَسَطوا مذهبًا ميثولوجيًّا عن أصل الجنس البشري في عالم الوجود، وعن السقوط الناتج في عالم الظلمة أو المادة.
تقول الغنوصية بالإثنينية (dualism)، وإمكانية كشف الأسرار الإلهية لتحقيق الخلاص. فالعالم يتألف من مبدأين (إلهين) للوجود؛ الروح (الخير والنور) والمادة (الشر والظلمة)، وتجري أحداث الكون حسب ما بينهما من نزاع، وتعارض، وغلبة. وبهذا وضعت الغنوصية تخطيطًا عامًا للوجود أعلاه الله، بوصفه خيرا محضا؛ معقولا؛ مفارقا؛ لا يصدر عنه أي وجود مادي شرير، بل أرواح زوجية (ذكر وأنثى)، تسمى الأيونات، وهي نماذج ومثل العالم اللامتناهي في صور مشخّصة، تتدرج مراتبها وألوهيتها بتدرج بُعْدها عن مصدرها، واحدة من هذه الأيونات، تسمى صوفيا (الحكمة) فاض بها الشوق إلى الله، وامتلأت بالتفكير فيه، فتجرأت وتجاوزت حدودها ومرتبتها، فطردت من مملكة السماء، ونتيجة خطيئتها فاضت روح الشر أو إلهه المسمى أركون، وصدرت عنه أرواح شريرة مثله، ومعها العالم المحسوس وما فيه من أجسام، وقد حبس ذلك الإله الخاطئ النفوس البشرية في أجسامها، فكوَّن الإنسان. ولأن هذه النفوس تهفو إلى الخلاص والصعود إلى عالمها الأول؛ يحدث الصراع العارم في الإنسان بين قوى الخير وقوى الشر. فمن كانت فيه طبيعة الغنوص وتغلبت على شهواته عاد إليها ربانيًا، ومن تغلبت عليه طبيعة المادة بقي في عالمه الأدنى[2].
وقد قُيِّضَ لهذه الأسطورة الغنوصية العامة أن تؤثر على المسيحية الناشئة، كما وعلى الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، حتى إنها، في الشرق، تطوَّرتْ إلى ديانة عالمية (المانوية) استمرت حتى العصور الوسطى المتأخرة[3]. وتجلّت التأثيرات الغنوصية عند اليهود في الكابالا التي انتشرت بسرعة من فلسطين إلى الإسكندرية، واختلطت بالفلسفة اليونانية عن طريق فيلون السكندري، الذي مهد لظهور المسيحية، وأثر تأثيرا بالغا في يوحنا الإنجيلي.



المقر الرئيسي لمركز الكابالا في لوس أنجلوس 






















التجربة الصوفية عند فيلون السكندري
مزج فيلون السكندري (20 ق م- 50م) بين العقيدة اليهودية، والفلسفة اليونانية، ورأى أن ما قاله فلاسفة اليونان حول الواحد ينطبق على إله العهد اليهودي (يهوه)، وأكد أنه لا تماس إطلاقا بين الله الميتافيزيقي وعالم الهيولى (المادة)، وعلى غرار "الديناميات" الرواقية، و"المثل" الأفلاطونية، والملائكة اليهودية، لا بد من وجود وسيط بين الإله الرحيم والمادة الناقصة، توصل صلوات البشر إلى الله، وتنقل لهم الرسائل الإلهية. هذا الوسيط عند فيلون هو العقل الإلهي؛ إله ثانٍ متميز عن إله العالم الأصلي؛ منبثق منه؛ نسخة عنه أو نموذجا له. نستطيع نحن البشر بقوى عقلنا أن نتعرف على العقل الإلهي في حين لا نستطيع معرفة الإله الأول المتعالي. يتخذ هذا العقل بقوته الروحية شكل شخص بشري، هو مبدأ حياة الكون والعالم الإنساني، يتماهى من جهة مع الألوهية، ومن جهة أخرى يختلف عنها جزئيا[4].
إن معاصرة فيلون السكندري ليسوع الناصري، ولبولس الصوري، يرجح تأثيره الحاسم على تصور المسيحية للألوهية والخلاص. وهناك تأثير واضح لفيلون السكندري في نظرية الفيض الأفلوطينية، فلمعرفة الألوهية، حسب فيلون، لا بد أن تفارق قوة أنفسنا الجسد لوقت قصير، نعاين فيه الإلهي والأزلي، فالتجربة الصوفية أعلى مرتبة من البحث العلمي.

 







الفيض الأفلوطيني
في القرن الثالث الميلادي اعتقد أفلوطين أن الله علّة العالم، وأيضا هو فوق العالم ولا يمكن أن يتصل به، فحاول التوفيق بين مقتضيات الواحدية والأحدية (التنزيه)، ولكن كيف نشأ العالم عن الله؛ علته الأولى، وكيف يمكن التوفيق بين كون الله علة العالم وفي الوقت نفسه غير متصل به؟ ذهب أفلوطين إلى أن تفكير الله في نفسه وكماله نشأ عنه فيض صار هو العالم، هكذا ينبثق الكون عن الله انبثاقا طبيعيا، فكما يبعث اللهيب ضوءًا والثلج بردا انبعث من الله شعاع كان هو العالم. ولما كان كل كائن قد انبثق عن هذا الموجود الأول (الله) فإنه يتوق بفطرته للعودة إلى أصله والاتصال به، أما هذا الأول فمستقر في نفسه مكتف بها. الكائنات التي صدرت عن الموجود الأول تتدرج هبوطا في الكمال، فكل شيء أقل كمالا مما فوقه، وصولا إلى حيث ينعدم الكمال انعداما تاما، ويتلاشى النور في الظلام. غاية الحياة هي التحرر من ربقة المادة، ففي خطوة أولى ينبغي التحرر من سلطة الجسم والحواس، وفي الثانية: الفكر والتفلسف، وفي الخطوة الثالثة على النفس أن تسمو فوق التفكير لتصل إلى العلم اللدني (العلم الباطني الذي لا يحتاج لحواسنا الظاهرة لمعرفته، وهو من لدن الإله يهبه لمن يشاء)، عندها فقط تتحد النفس مع الله اتحادا لا يمكن معه القول إنه يفكر في الله أو ينظر إلى الله، فهذا يشير إلى الانفصال بين وجودين، بل يتحد في الله ويكون هو هو وحده. يمكن للنفوس الراقية أن تحقق هذا الاتحاد عدّة مرات في الحياة، ثم تعود بعدها إلى حالتها البشرية العادية[5].
انتقلت نظرية الفيض إلى فلاسفة المسلمين لا سيما الآخذين بمبدأ قدم العالم، كالفارابي وابن سينا ومسكويه وإخوان الصفا، وأثّرت بالتصوف الإسلامي عموما. كما انتقلت إلى المسيحية، وغلبت على "الأريوسية"؛ المذهب المنسوب للكاهن السكندري أريوس (ت 336 م)، الذي خالف الاعتقاد المسيحي القائل بثلاثة أقانيم (الآب- الابن- الروح القدس) بجوهر واحد، فالمسيح في الأريوسية، هو العقل الأول الصادر عن الفيض الإلهي، وهو لا يشترك مع الله في صفة الأزلية، لأن الله قد خلقه في زمان ما، فهو كائن وسيط بين الله (الآب) من جهة، والعالم والموجودات من جهة أخرى، وذلك لأنه لا يليق بالله أن يتصل مباشرة بالخليقة المنقوصة[6].
إذا كانت نظرية الفيض الإلهي قد أثّرت في الديانتين اليهودية والمسيحية، فإنها أيضًا قد استطاعت أن تؤثر في بعض المعتقدات المرتبطة بعددٍ من المذاهب الإسلامية، التي يبرز فيها النبي والأئمة بمثابة الفيوضات الإلهية الوسيطة التي تملأ الفراغ بين الذات الإلهية المتعالية من جهة، وعالم الموجودات والمخلوقات من جهة أخرى، كما في الشيعة الأمامية وتفرعاتها.

ساندرا برنهارد (إلى اليسار) أدخلت روزين بار (في الوسط) إلى مركز الكابالا.
تضمنت قائمة المشاهير التي جذبت إلى المركز في وقت لاحق أسماء مثل (يمين) إليزابيث تايلور وجوينيث بالترو وبريتني سبيرز وباريس هيلتون

 


الكابالا وأدبياتها[7]
يستخدم مصطلح الكابالا لوصف التصوف اليهودي بشكل عام، والتقليد اليهودي المتمحور حول "سيفر [كتاب] الزوهار"، بشكل خاص، الذي انتشر في القرن 13م، ونمت منه الكابالا النبوية أو اللوريانية. أما أصول التصوف اليهودي فتعود إلى ممارسات الـ "ميركافا" التي نشأت في القرون الأولى بعد الميلاد، وكان الميركافيون يصومون ويتأملون ويصلون، وغيرها من طقوس يمارسونها بهدف الوصول إلى "مركبة العرش الإلهية". مع ذلك، تختلف الكابالا عن ممارسات الميركافا بأنها ترسم تصورا للكون وموقع الإنسان فيه وفق نظام معرفي شامل، وفلسفة نفسية روحية، باتت مفتاحا للتحكم بالقوى الخفية والوصول إلى التوحد الصوفي للكون.
لكن أول ظهور تاريخي معروف للكابالا بحسب بعض المصادر التاريخية يعود إلى "سيفر يتسيرا"- (كتاب التكوين)، الذي يشرح البنية الأساسية للكابالا ويتعامل مع الكون بوصفه مخلوقا عبر 32 مسارا أو مسلكا، وعشر دوائر أو مجالات قوى تسمى المقامات (سفيروت)، بالإضافة إلى الأحرف 22 للأبجدية العبرية، ويُنسب إلى الحاخام عكيفا بن يوسف مؤسس الحاخامية اليهودية، المقتول على يد الرومان عام 135 م. وعلى عكس سابقيه، لا يتناول "سيفر يتسيرا" المركبة الإلهية، بل يتحدث عن خلق العالم. اما أقدم دليل مكتوب على وجود فكر ثيوصوفي وثيورجي في اليهودية، فبدأت في البروفانس في جنوب فرنسا، في النصف الثاني من القرن الثاني عشر، حيت كتب بعض الهلاخيين كتبا في الكابالا (الهلاخا تعني الشريعة اليهودية)، لكنهم على ما يبدو حرصوا على جعلها معرفة سرّية تقتصر على نخبة صغيرة للغاية.
في بداية القرن الثالث عشر، بدأت الكابالا تفتقد سرّيتها مع يتسحاق ساغي ناحور (يتسحاق الأعمى)، الذي درّس العديد من التلاميذ الذين كتبوا أولى وثائق الكابالا، التي تمثلت في حينه في شروح لعملية الخلق الواردة في سفر التكوين (أحد أسفار التناخ)، وشرح لأسباب الوصايا. وتم تداول مقالة هامة تدعى "سيفر هبهير" (كتاب الإشراق)، تحدّث عن "السفيروت" باعتبارها أوعية للطاقة الإلهية التي تعكس جوانب محددة من الألوهية كما تتجلى في العوالم "الدنيا".
مهد ذلك لظهور دستور الكابالا الأساسي "سيفر الزوهار"، المكوّن من مجموعة كتابات صوفيّة كانت متداولة بين كاباليي قشتالة منذ عام 1280م. وينسب "الزوهار" إلى الحاخام شمعون بن يوحاي في القرن الثاني الميلادي، حيث كان الكتاب يدرّس في الخفاء في مجموعات صغيرة فقدت ليعثر عليها موسى دي ليون وينشرها (أو ربما كان هو من ألفها)، ما بين 1280 م و1286 م. بعد خمسين عاما تقريبا تم اعتماد الزوهار ككتاب شرعي يشرح تطور النفس البشرية جيلا بعد جيل، خلال ستة آلاف عام حتى الوصول إلى "نهاية مراحل التصحيح"؛ المرحلة الأعلى لكمال النفس الروحي. يحتوي "الزوهار" على أفكار بسيطة متعلقة بالمسيح، وتدّعي وجود خللٍ في الهندسة الإلهية نتيجة لخطيئة الإنسان والنفي المستمر "للسكينة" ولـ "بني إسرائيل"، ويمكن إصلاحها من خلال الإصلاح المسياني. وبعد طرد اليهود من إسبانيا والبرتغال في العامين 1492 و1497، على التوالي، صارت كابالا القرن الخامس عشر الإسبانيّة، ونواتها "زوهار"، الأكثر تأثيرًا في الجماعات الجديدة التي أسسها اليهود المطرودون.





الكابالا والغنوصية المشرقية
قد يكون هناك في كل مجتمع، في مراحل تاريخية مختلفة، طبقة غنوصية حلولية كامنة، تجد رواجها خصوصًا بين الطبقات الشعبية، التي تجد أن من العسير عليها أن تتجرَّد من الواقع المباشر، لتدرك العالم من خلال فكرة الإله الواحد المنزَّه عن المادة التي تُخلَق من العدم، فالكثرة المادية أمر تدركه حواس الإنسان بصورة أكثر يسرًا من إدراك فكرة الإله الواحد المتجاوز. هذه الطبقة الغنوصية تولِّد أنساقًا دينية مختلفة، والنسق الكابالي لا يعدو كونه أحد هذه الأنساق.
عاصرت الكابالا الغنوصية التي ركّزت على "العرفان"، أي الوصول إلى معرفة الحقائق الروحية عبر الوجدان لا عبر التفكير العقلي أو التجربة الواقعية. وترى أن الخطيئة ليست أصيلة في الإنسان وإنما هي نتيجة الجهل الذي يفصل الإنسان عن الله، أما المعرفة فهي التي توحّد الإنسان بالله، لذا فإن المعرفة الحقيقية هي أن تكون الله، والروح المقدّسة كانت حبيسة المادة عموما وجسم الإنسان خصوصا. هذه العناصر الغنوصية، وغيرها، تبناها الفكر الكابالي المعاصر لها، وحاول معها أيضا الإجابة عن سؤال مركزي شغل التفكير الإنساني عموما والتفكير الديني خصوصا، وهو: إذا كان الله مطلقا ولا متناهيا فكيف للمحدود المتناهي (الإنسان) أن يعرفه؟



الكابالا النبوية في فلسطين
اعتبر اليهود خسارة إسبانيا أكبر كارثة تحل بهم، منذ تدمير الهيكل المزعوم في فلسطين (70 ق.م). في الشتات، وجدوا أنفسهم دائمًا في المكان الخاطئ، وبدا النفي شرطًا وجوديًا، وألمًا محايثًا لحياة خيّم عليها الارتياب في عدالة إلهية تسمح باضطهاد "الشعب المختار". وفي ظل الاقتلاع الروحي والجسدي ومشاعر الذنب، لم تقدم اليهودية التقليدية الشفاء، وكان عليها تطوير أشكال جديدة للإيمان، تستجيب للتراجيديا المستجدة، وتعيد إلى اليهود ما فقدوه من معنى. طور متمسّحوهم آمالا ألفية، واعتقد السفارديم أن نفيهم، وإخوتهم الأشكناز، هو آلام لولادة المسيّا (المسيح)، وانتقل بعضهم لانتظاره في الجليل[8].
بعد طردهم من إيبيريا، بدأ عدد متزايد من الكاباليين يحط الرحال في فلسطين. وبعد بداية القرن السادس عشر، صارت القدس مركزًا هامًا للدراسات الكابالية. وكان أبرز كابالي في فلسطين موشيه كوردوفيرو (1522-1570)، الذي جمع بين الكابالا الإسبانيّة والكابالا الوَجْدية التي ازدهرت آنذاك في القدس. وأدى عرضه الواضح والمنظّم لكل المذاهب الكابالية الرئيسة إلى انتشار فوري لآرائه، التي حافظت على تأثيرها لقرون، إن في الحسيديّة أو في كابالا إسحق لوريا.
 وفي بداية أربعينيات القرن السادس عشر، أضحت قرية صفد مركزًا مسيطرًا للعمل الكابالي ولتطوراتها الحاسمة. هناك، جمع المتصوف الأشكنازي إسحق لوريا (1544-1572) بين التراث الأشكنازي (اليهودي الغربي) والسفاردي (اليهودي الشرقي)، ولم تعد عملية الخلق التوراتية عملية سِلْمية تدرّجية، بل عملية غير رحيمة، رافقها انفجارات وكوارث، عرّض فيها الأزلي نفسه للنفي منكمشًا داخل ذاته، كي يترك مجالًا خارجها لظهور العالم. حاول الأزلي ملء الفراغ بالنور الإلهي، لكن الأنابيب الناقلة للنور انفجرت. بعض شرارات النور عادت إلى الإلهي، وسقط غيرها في اللجة حبيسًا للعالم المادي. ولولا خطيئة آدم لساعد الإله وانتهى النفي في السبت الأول. في هذه الكابالا الجديدة، يكون الخلاص بتصحيح الانحراف في عملية الخلْق، عبر التقيّد التام بالتوراة، والتزام شعائر خاصة طورها كاباليو صفد، فتتحرر الشرارات الحبيسة المشتتة/ "الشعب اليهودي"، وتعود إلى أصلها الإلهي/ الأرض المقدسة. هكذا تعود إلى الإله وحدته، ويُصحح انحراف مسار عملية الخلْق. أصبحت هذه الصوفية الحلولية النظام المثيولوجي الأكثر قبولًا بين اليهود. لم تكن كابالا لوريا أيديولوجيا، ولا مخططًا لهجرة فعلية إلى فلسطين، إذ اشترطت الحالة الوجودية للمنفى سلبية سياسية. لكنها، في مستواها الرمزي، تقدّم عزاء روحيًا، وتمنح التراجيديا معناها، حين يصبح النفي أكثر قوانين الوجود أساسية، وخطيئة آدم مقدسة. إنها جلب حقيقة أبدية إلى حياة المؤمن الدنيوية[9].





الهسكالاه اليهودية
في عام 1665م، أعلن شبتاي تسفي أنه تلقى الوصايا الإلهية الجديدة لتخليص العالم. استعد اليهود للعودة، ومارسوا طقوس التوبة الصفدية. وفي طريقه لمواجهة السلطان العثماني، قبض على شبتاي تسفي وخيّر بين الإسلام والموت. وباختياره الإسلام عانى اليهود الإحباط والمرارة وباتوا أكثر عزلة. اعتقد شبتائيون أن عليهم أن يتبعوا مسيحهم المرتد داخل عالم الشر، وأن يعتنقوا الدين الرسمي في أماكن تواجدهم (يهود الدنمة). أدرك شبتائيون آخرون النتائج الكارثية التي تنجم عن تحويل رموز مثيولوجية إلى خطط عملية، وانضموا إلى حركة التنوير اليهودية (هسكالاه) المتأثرة بالتنوير الأوروبي، والتي هدفت إلى تحرير اليهود من الغيتو العقلي، ليتمكنوا من أن يصبحوا أوروبيين صالحين مع بقائهم يهودًا. الإصلاحيون المتأثرون برائد التنوير، موسى مندلسون (1729- 1786)، قدّموا المواطنة على أسطورة المسيّا والعودة إلى صهيون، وحذفوا من صلواتهم ما يشير إليها. وأصبحت الكابالا بالنسبة لهم شيئا من الماضي[10].
ويذهب يسرائيل شاحك، أنه رغم ذلك بقي نفوذ الكابالا هو الغالب في الأرثوذكسية اليهودية الحديثة، خصوصا في وسط الحاخامات، فحركة "غوش أيمونيم" على سبيل المثال، تستوحي إلى حد كبير أفكار الصوفية اليهودية الكابالية، ويذهب إلى أن معرفة هذه الأفكار وفهمها أمر مهم لفهم المعتقدات الحقيقية لليهودية في نهاية فترتها الكلاسيكية. وأيضا، تلعب هذه الأفكار دورا سياسيا معاصرا بالنظر إلى كونها تشكل جزءا من نظام المعتقدات الحالي لعدد من السياسيين المتدينين بمن فيهم معظم قيادات غوش إيمونيم"، وبالنظر إلى تأثيرها غير المباشر على العديد من القيادات الصهيونية لكافة الأحزاب، بما فيها اليسار الصهيوني[11].







خاتمة
في الفترة الأخيرة شهدت الكابالا عملية إحياء حثيثة، مع توسع الاهتمام بها من قبل العلمانيين والمتدينين على حد سواء، ترافق ذلك مع حملة علاقات عامة منظمة وموجهة، وتواصل مع عدد من المدارس والمذاهب غير اليهودية من خلال مراكز تعليمية انتشرت في الولايات المتحدة الأميركية، وأوروبا، وإسرائيل، تجاوزت 40 مركزا (اتخذت صفة غير ربحية معفية من الضرائب)، كما افتتحت مراكز تابعة لجامعات إسرائيلية، لعل أشهرها مركز يتبع لجامعة بن غوريون في بئر السبع. سعت تلك المراكز إلى استقطاب عدد من النجوم والمشاهير انخرط بعضهم في التعاليم الكابالية منذ مطلع القرن الحالي، من هؤلاء: ديمى مور، ودونا كاران، ومادونا، وآشتون كوتشر، وليندسي لوهان، وزوجة الرئيس السابق دونالد ترامب مارلا مابلز، مما حفّز معجبيهم على البحث في هذا التعليم الصوفي أو الانضمام إلى صفوفه[12] أملا في أن يكتشفوا أسرار الوجود والحكمة الخفية من ورائه، عبر التوحّد مع الإله لاكتساب الصفات الألوهية التي تقلص الفجوة بين العالم المادي والإلهي، واكتشاف الكينونة الإلهية المتخفية في كل موجود، وفق ما تضمنته المواد الدعائية التي روّجت للكابالا.
وفي نوع مستحدث من التطبيع، وعبر المراكز المنتشرة في أوروبا وأميركا، وعبر إمكانية الدراسة عن بعد، وتحت شعار "اكتشف كيف يمكن للكابالا مساعدتك لتعيش حياتك بشكل أفضل"، حاولت تلك المراكز فتح قنوات تواصل غير رسمية مع مواطني دول عربية وإسلامية. والتحق عديد منهم بتلك المراكز. وبدا أن تعلم التعاليم الصوفية للكابالا موجة العصر، وبدا أنها اللحظة الروحية الأكثر أهمية، لكن مع بداية العقد الثاني تراجعت تلك الموضة، وبدأت تلك الحركة الروحية بالتلاشي.
في لوس أنجلوس، أسس الحاخام فيليب بيرغ مركزا للكابالا ليجعل تدريسها متاحًا للجميع. وهو المركز الذي يعزى إليه الفضل في استقطاب المشاهير. لكن أولئك المشاهير وجدوا أنفسهم عرضة للابتزاز المالي، ففي تصريح لها، وضحت عارضة الأزياء، جيري هول، سبب انسحابها من المشهد الكابالي بقولها: "لقد قضينا وقتا رائعا مع مركز الكابالا لمدة عام تقريبا... إنهم يقدمون نصائح عملية للغاية بشأن الأمور اليومية، مثل كيفية أن تكون والدًا أفضل. لكننا لا نستطيع المرور عبر باب المعجزات إلا إذا أعطينا شعب الكابالا عشرة بالمائة من أموالنا، لذلك لم أتمكن من أن أدرسها بعد الآن". هذا الضغط المالي تعرض له المشاهير المقتدرون وأيضا الأعضاء العاديون الذين لا يمكنهم وهب رواتبهم للمركز. ووفق تقرير لمجلة "نيوزويك"، جمعت مادونا 18 مليون دولار لبناء مدرسة في ملاوي بأفريقيا، لكن تم إنفاق 3 ملايين دولار من الأموال التي تم إنفاقها فعليًا على المشروع في مركز كابالا في لوس أنجلوس وليس في ملاوي، مما أدى إلى انسحاب مادونا، وخضع المركز للتحقيق أمام مصلحة الضرائب الأميركية بتهمة الاحتيال الضريبي. ووفقا لصحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، تم اتهام مركز الكابالا بأخذ أكثر من 600،000 دولار من أرملة مصابة بالخرف للمركز. الادعاءات ضد بيرغ ومركزه لم تكن مالية فقط، إذ نجحت طالبة سابقة في المركز بمقاضاة يهودا، نجل بيرغ، الذي تولى قيادة المركز مع شقيقه، بعد وفاة فيليب بيرغ في عام 2013، بتهمة الاعتداء عليها جنسيا[13].


فيليب بيرغ أسس مركزا للكابالا ليجعل تدريسها متاحًا للجميع 





















بعيدا عن حالة الفساد في مركز لوس أنجلوس للكابالا، تواجه تدريس الكابالا ونشرها عقبات مختلفة، من ذلك أنه لا توجد طريقة موحدة لدراسة الكابالا، فهناك نصوص مختلفة حققت وضعا قانونيا متفاوتا، وإن كان الزوهار والنصوص اللوريانية تأتي في المقدمة، فهناك في البيئات التقليدية تتم أيضا تدريس أعمال موسى كوردوفيرو وشالوم شرابي وغيرهما. وبكل حال، تبدو هذه النصوص غامضة بل أكثر غرابة من التوراة والتلمود، وسيكتشف الدارس ما في هذه الروحانية اليهودية من خوارق للطبيعة. وربما ساد الاعتقاد على مستوى العالم أن الكابالا مذهب صوفي وطريقة روحانية عالمية، تفتح أبوابها أمام أي شخص. لكنهم يفاجأون بالتقارب الوثيق بين الكابالا ونمط الحياة والشريعة اليهوديين، التي لم يعايشوها من قبل، وسيجدون صعوبة في فهم نصوصها التي تحتاج لأشخاص متقدمين في السن نسبيا، أتيحت لهم سنوات كافية لدراسة الكتاب المقدس اليهودي ليكونوا على استعداد لفهم هذه الألغاز وتقبلها.


 المراجع والحواشي:

[1] جماعة من الأساتذة السوفييت، "موجز تاريخ الفلسفة"، ت. توفيق إبراهيم سلّوم (دار الجماهير العربية/ مكتبة ميسلون: 1976)، ص 134

[2] الموسوعة العربية: https://bit.ly/2BAt0Ly

[3] يوسف كرم، "تاريخ الفلسفة اليونانية" (بيروت: دار القلم)، ص 258

[4] نفسه، ص 247- ص 252

[5] موجز تاريخ الفلسفة، مرجع سبق ذكره ص134- ص135؛ يوسف كرم، المرجع نفسه، ص 286 وما بعدها

[6] للمزيد حول الأريوسية، أنظر: عبد الباقي السيد عبد الهادي، "الأريوسية في مصر البيزنطية خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين" (القاهرة: دار الآفاق العربية: 2016).

[7] استندنا حول الكابالا بشكل أساسي إلى: عبد الوهاب المسيري، "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد" (القاهرة: دار الشروق، ج5، 1999)، ص 181 وما بعدها؛ يسرائيل شاحاك، "الديانة اليهودية وتاريخ اليهود: وطأة 3000 عام"، ترجمة رضى سلمان، تقديم إدوارد سعيد (بيروت: شركة المطبوعات، 1997)، ص 65 وما بعدها؛ كاترين آرمسترونغ، "النزعات الأصولية في اليهودية والمسيحية والإسلام"، ت. محمد الجورا (دمشق: دار الكلمة، 2005)، ص 23 وما بعدها.

[8] كاترين آرمسترونغ، النزعات الأصولية، سبق ذكره، الصفحات نفسها.

[9] المرجع نفسه، الصفحات نفسها.

[10] نفسه.

[11] يسرائيل شاحاك، مرجع سبق ذكره، ص66.

[12] Harriet Ryan and Kim Christensen, Celebrities gave Kabbalah Centre cachet, and spurred its growth, Los Angeles Times, October 18, 2011: https://lat.ms/306hQHW

 

[13] Emalie Marthe, Why Celebrities Stopped Following Kabbalah, Vice, May 21, 2017: https://bit.ly/3hLEN98 ؛ HarrietRyan, Philip Berg dies controversial kabbalah rabbi with celebrity followers, The Washington Post, September 21, 2013:

الدخول

أو

سجل عن طريق

أو

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.