}

"بصورة مفاجئة": عن لعبة الكتابة والتذكر

نجاة علي 1 يوليه 2023
آراء "بصورة مفاجئة": عن لعبة الكتابة والتذكر
قصص القفاش عبارة عن شذرات متفرقة من الذاكرة
لطالما تصورتُ أن القصة القصيرة مثلها مثل أي وحدة لغوية عملية متكاملة، والكاتب في إطار هذه الأسس التي نسميها "جنس القصة القصيرة" إنما يرتب درجة الحرية التي يمارسها أي فرد عندما يتهيأ للكلام بلغته، فالقصة القصيرة كجنس أدبي، وكذا النظام اللغوي، ما هي إلا أنظمة مغلقة، لكنها ليست سجونًا على أية حال. فكل من كاتب القصة القصيرة، والمتحدث بلغة ما، يمكن لهما تركيب لغتهما اعتمادًا على العناصر التي في أيديهما، يمكن لهما التجريب والإبداع والبناء والهدم وإعادة البناء؛ لهذا فإنني أنحاز ـ إلى أبعد حد ـ إلى الكتّاب من ذوي الأقلام التجريبية في القصة القصيرة، أو غيرها من الأجناس الأدبية، حتى لو افترضنا أنهم يجربون كثيرًا لدرجة أن نتخيل معها أن القصة القصيرة تتهاوى أركانها بين أيديهم. بالطبع، إذا كانوا كتابًا موهوبين، سوف نكتشف حتمًا، من خلال قصصهم التي يقومون بتدوينها، أنهم يخرقون قانون القصة القصيرة الكلاسيكية التي يحاول بعض النقاد التقليديين الإبقاء عليه.
ولعل ما استدعى التأمل من جديد في هذا الأمر هو قراءتي للمجموعة القصصية "بصورة مفاجئة" للكاتب المصري منتصر القفاش، الصادرة حديثًا عن دار الكتب خان.
ربما مثلتْ لي كتابة منتصر القفاش منذ أن تعرفتُ على أعماله السردية منذ سنوات بعيدة حالة فريدة تستدعي الانتباه والتوقف أمامها؛ إذ يبدو وكأنه يعيد تعريف القصة القصيرة من جديد، من خلال ما يكتبه بوعي مغاير عما هو مستقر في أذهان كثيرين. وأتصور أن هنالك سمات مشتركة تكاد تميز أعماله كلها. ربما أبرزها استخدامه لغة مكثفة في السرد مشحونة بالدلالات، تنحو في اتجاه التقشف، بحيث يصعب أن تجد لديه أية جملة زائدة في النص.
ولعل ما يلفت الانتباه أيضًا هو تعامله مع اللغة المستخدمة في الكتابة باعتبارها أداة مهمة لتحقيق لعبة الكتابة نفسها. وأعرف أنه كثيرًا ما ارتبطت كلمة "لعبة" في أذهاننا ـ على نحو ما ـ بالشيء الهابط، أو التافه، أو ما إلى ذلك، لكنها في سياق الفلسفة اللغوية لا تحمل شيئًا من هذه الإيحاءات، فاللغة نفسها ذات طبيعة أيديولوجية، والأيديولوجيا ـ كما هو معروف لنا ـ هي "مجموعة من الأنساق الفكرية ينتظمها نسق فكري موحد، وتحقق أهدافًا محددة".
وربما لو اتخذنا لعبة الشطرنج مثالًا، وتأملناها جيدًا، لاتضح لنا المعنى المقصود، فكل قطعة من القطع التي تتحرك على الرقعة تمثل نسقًا بعينه من الحركة، يتوازى جزيئًا ـ مع اختلاف في النسبة ـ مع سائر الأنساق التي تمثلها القطع الأخرى. ولكن هذه الأنساق جميعًا تلتئم في نسق موحد، يهيمن على حركة هذه الأنساق، ويوجهها من أجل تحقيق هدف واحد هو "موت الملك"، كذلك الأمر في اللغة، التي هي بمثابة مجموعة من الأنساق والنظم، مع الوضع في الاعتبار أن قطع الشطرنج لا تتحرك في الفراغ، بل فوق قطعة لها نسقها الخاص كذلك، والرقعة التي تتحرك فيها النظم اللغوية هي الحياة البشرية.
وإذا أمعنا النظر في هذه المجموعة القصصية التي تضم سبع عشرة قصة سوف نجد أن القاص لا يكتب مجرد حدوتة، أو حكاية، يحكيها للقارئ فحسب، بل إن شاغله الأساسي هو استدراج القارئ ليعيش معه رحلة من نوع خاص، ويدفعه دفعًا إلى الدخول معه في لعبة الكتابة، فيكتشف تدريجيًا المفارقة الساخرة التي تضعه وجهًا لوجه أمام أسئلة الكاتب وقلقه. وقد استعارتْ القصص في جانب منها بعضًا من خصائص الأدب البوليسي المعروفة، وهي الإثارة والغموض والبراعة أيضًا في تشويق القارئ وامتاعه.
وفي أثناء هذه الرحلة السردية، سوف نكتشف أيضًا أن هنالك حالة من الاستبطان الداخلي يعيشها السارد، تجعله ينكفئ على نفسه ويتأملها من الداخل، لكنه يريد أن يأخد القارئ معه في رحلة. فلعله يعرف أن هذا القارئ قد يرغب في الهروب سريعًا عبر قراءة متعجلة، لكن السارد يراوغه ويدخله في اللعبة ويجعله شريكًا، ومؤلفًا مشاركًا لما كتب، ومن ثم يحلل القصص القصيرة على طريقته. وحتى لا يفلت منه، فإنه ينتقي كلماته بعناية ويربط كل الخيوط في منظومة كاملة، ويقوم بتركيب البناء العام، وهكذا ينتقل به من ترقب إلى آخر، وإلى خطوة محسوبة، ويأخذه إلى النقطة التي يقع فيها وقد هالته المفاجأة. ولعل أكثر القصص التي يمكن أن تحوز على انتباه القارئ هي تلك التي تبدأ بكشف الماضي المستور، وتكسير الصناديق السوداء المخبأة في القبو، وطريقة استعمال الماضي والذكريات في المجموعة تخضع لخبرة الكاتب وذكائه في توظيفها لخدمة نصه السردي.




يبسط السارد كذلك ألغازه على مسار القصة حتى يصل القارئ بطريقة مفاجئة ومقصودة للحظة الدهشة غير المتوقعة، أو إلى نقطة التنوير ـ لو جاز لنا التوصيف ـ التي تجعله يقف وجهًا لوجه أمام حقائق جديدة مربكة، وهنا تكمن دلالة عنوان المجموعة القصصية.
فعلى سبيل المثال، يتلاعب السارد باللغة في بداية إحدى القصص التي تحمل عنوان "الحصان"، ويستدرجه بجمل مخادعة، فيتوهم القارئ للوهلة الأولى من مدخل القصة أن الحصان الذي يتحدث عنه هو حصان حقيقي "من لحم ودم"، في حين أنه مجرد حصان لعبة:
"هذا الحصان الأبيض من يوم دخوله بيتنا قرر البقاء فيه. هكذا قناعة جدي الذي عثر على الحصان في الشارع قبل حوالي أربعين عامًا، وكان منتصبًا جوار الرصيف، كأنه ـ حسب تشبيهه الأثير ـ ما زال يظن نفسه فوق رقعة الشطرنج يترقب نقله إلى خانة أخرى". (بصورة مفاجئة، ص 16)
وسوف نلاحظ أن السارد أيضًا على مدار المجموعة القصصية كلها هو شخصية واحدة مستمرة معنا في الرحلة السردية، وتتضح ملامحها النفسية بانتقالنا من قصة إلى أخرى.
وربما لو أمعنا النظر قليلًا في القصص، سوف نجدها عبارة عن شذرات متفرقة من الذاكرة ـ خاصة في فترة الطفولة ـ يجمع بينها رابط خفي يكتشفه القارئ حين ينتهي من قراءة العمل ككل، فتتملكه الدهشة والمتعة معًا. وقد تغدو الكتابة حينئذ بمثابة محاولة لاستعادة الزمن ومحاولة أيضًا لاستعادة الذاكرة التي بدتْ لصاحبها كأطياف عابرة بخفة تارة وكأشباح تطارده تارة أخرى. ومن هنا يمكننا أن نخمن بأن فعل الكتابة لدى الراوي هو فعل مقاومة للنسيان، وأيضًا رغبة، في الوقت نفسه، في القبض على الهوية، "هوية الراوي المهددة بالفناء". فالهوية كما يعرفها إسحاق شيفا "هي القدرة التي يمتلكها كل فرد منَّا على أن يظل واعيًا لاستمرار حياته عبر التغييرات، وعبر الأزمات والقطيعات". لكن علينا أن ننتبه أن راوي القصص في المجموعة حين يتكئ على الذاكرة، ويستعيد الماضي، فهو لا يكرره أبدًا، لأنه يعيد بناءه وفق وجهة نظره، ويمزجه بالخيال.
وفي ظني الشخصي أن من أبرز جماليات الكتابة السردية عند منتصر القفاش هو انشغالها بإعادة اكتشاف العالم من خلال  تأمل بعض التفاصيل التي تبدو صغيرة وعادية، بل إن أحد رهانات الكاتب هو إعادة النظر إليها مرة أخرى؛ فهو يحاول توليد إدراك جديد لدى المتلقي عن هذه التفاصيل، فالمرء يعيش حياة تحكمها الآلية، حياة  يصبح الهدف فيها هو إدراكه للأشياء، التعرف وليس المعرفة، ووظيفة الفن ـ بحسب الشكلانيين الروس ـ أنه يجعل  المرء يدرك الأشياء وكأنه يراها للمرة الأولى؛ فالفن طريقة في خبرة الشيء وهو يتولد، ولا يأبه بالأشياء التي اكتسبت شكلها النهائي. وربما يبوح الكاتب لنا على لسان إحدى شخصياته في القصص عن أحد أسرار كتابته، وهو الاتكاء على يومياته باعتبارها مادة للتأمل، ووقودًا للكتابة، وسبيلًا لإعادة اكتشاف الذات والعالم من حوله، وهو ما يمنحها جمالا خاصًا:
"بدأ يكتب يومياته منذ التحاقه بكلية الآداب، أثر فيه كلام أحد الأساتذة عن جدوى اليوميات، وأنها تساعد الإنسان على تأمل حياته يومًا بيوم، وتحفظ من النسيان أحداثًا لا تظهر أهميتها إلا في ما بعد، بشرط أن يكتبها بأقصى ما لديه من صراحة وشجاعة، ويقاوم رغبته في الإخفاء والكتمان، ولا يتردد في استخدام أي كلمات مهما كانت صادمة". (بصورة مفاجئة، ص78).

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.