}

عاشَتْ العربية في غرْبتها (29)

دلال البزري دلال البزري 31 مارس 2024
استعادات عاشَتْ العربية في غرْبتها (29)
الكاتبة مع فاطمة حوحو في إحدى تظاهرات أكتوبر 2019
تعريف:

عنوان هذا الكتاب، الذي ننشره على حلقات أسبوعية كل يوم أحد، تفصّله ثلاثة خيوط مختلفة:
ــ في الخيط الأول، يتكلم بصيغة الغائب المفرد. أي أنني أصف فيه محطات من حياة شخص، هو أنا: في إبحاري بالعربية، عبر أحداث سياسية ـ ثقافية.
ــ الخيط الثاني: أن العربية الراهنة ما زالت عائشة. ما زالت تقاوم من أجل البقاء، رغم تعثر أبنائها وإهمالهم لها. ويدعي هذا الكتاب بأنه ذرَّة في رمال إرادتها بالحياة.
ــ الخيط الأخير حماسي، يشبه صرخات التمنّي بالبقاء، مثل "يحيا الملك!"، أو "يعيش الزعيم"! أقول "عاشت العربية!"، بمعنى أنني أتمنى لها البقاء، وتجاوز وحْشتها.

الوقائع المروية في هذا الكتاب كلها حقيقية، غير متخيّلة. وهي ناقصة بالتعريف. وأنا مسؤولة فقط عن صدقها.


العودة إلى بيروت (2009 ـ 2020)

قبل صرفنا من مجلة "نوافذ" بسنوات، كانت رواتبنا تصلنا بقطارات بعد أشهر من الانقطاع. أبحث عن مورد آخر. أتصل بساطع نور الدين، صديقي منذ القِدم. قليل الاندماج باجتماعيات معشرنا الثقافي. له مشارب ومداخل مختلفة عنه. من دون أن يحدث ضجيجًا، أو شهرة. مع أنه كان مدير تحرير صحيفة "السفير"، ويكتب فيها مقالًا يوميًا، يدخلكَ إلى عالمه الخاص، فيخبركَ عن زوايا نظره غير المألوفة، ويروي لك قصصًا عن شخصيات لن تعرفها. أسأله عن إمكانيات الكتابة، أو البحث.
ــ انتظري قليلًا... ربما ثمة مشروع.
ــ بحث أو صحافة؟ أسأله.
ــ لا... لا... صحافة.
حسنا، أنتظر.
فتكون تجربة موقع "المدن" الإلكتروني. في البداية، أشارك في الاجتماعات الأسبوعية الأولى. نبحث عن اسم لموقعنا، وبعد نقاش، تحصل فكرة جهاد بزي على الإجماع. إنها "المدن". وبعد ذلك نناقش الإخراج، الأبواب، الموضوعات، الصعوبات التكنولوجية التي لا أفهم إلا خلاصتها... وتصوُّر لحجم مقال الرأي، "لا يتجاوز الخمسمئة كلمة"، يشدّد ساطع.
ــ القارئ المعاصر لا يتحمل أكثر من خمسمئة كلمة.... لأنه مستعجل، مهموم بأشياء خطيرة وملحّة، والقراءة صارت عنده فعل إحسان بمن يكتبون...!
الاقتراح يغريني. أحب الإيجاز، مع أنني مهتمة بالتفاصيل أيضًا. واليوم أحاول العودة إلى هذا الرقم بعدما تجاوزت مقالاتي الأسبوعية ضعفي الخمسمئة. كيف انزلقتُ اليوم إلى الإطالة في كتابتي الأسبوعية لـ"العربي الجديد"؟ ربما لأنني لا أرتوي من المعلومات التي أحتاج إليها لكتابة المقال. أعامل الموضوع من دون تصور مسبق. فتكثر موارده، وأستخْسر إهمالها بعد كل هذا الجهد. وعندما أحاول لجم الاثنين، فضولي وحجم مقالي، أستعين بصورة القارىء المستعجل، المهموم بأشياء أخرى... ولا أنجح دائمًا، بل إنني لم أعد أبدًا إلى الـ"خمسمئة كلمة".
والتجربة في "المدن" تدوم أربعة أعوام، أكتب لها مقالين، وثالث لـ"نوافذ". وتنتهي التجربتان بالصرف. "نوافذ" أغلقت نهائيًا.  انتهت مرحلة صرف "كبار" الصحيفة. وانتقلت إلى مرحلة "الأصغر" منهم، ذوي الرواتب الأدنى. مثل يوسف بزي، وجهاد الترك، الذي أتى متأخرًا، وأنا. فيما "المدن" استمرت وصارت مصدرًا يوميًا لمعلومات وتحليلات وآراء وترجمات، لكل من أراد التزود بما يحصل في المشرق العربي.
في هذه الأثناء، كانت "داعش" ترسي حكمها ومسرحها وهجماتها، والثلاثة متوحّشين. ودخلنا في بطولات إلغاء ماضينا القريب لصالح آخر سحيق. بدأتُ أقلق: هل يمكن أن نُمحى كما انمحت شعوب وأفراد قبلنا؟  فنسلك طريق العبيد الذين فقدوا ذاكرتهم، أو بالأحرى صاروا عبيدًا بفضل فقدانهم لذاكرتهم؟ بسلاح القتل الأبشع؟ لا نملك إزاءه سلاحًا يضاهيه، غير ذاكرتنا؟ ما هي ذاكرتك أنت يا دلال؟ بهذا السؤال أفتح على نفسي سيلًا من القصص، هولًا من القصص. وكلها تشير اليّ من غير أن تقول، بأن لي نصيبًا من هذه الذاكرة. وإن كنت أريد أن أصدّ" داعش"، وإمكانياتي المتواضعة، أنا الفرد، المرأة، غير المدعومة إلا بذاكرتي، عليّ قبل كل شيء أن أسجل قصصي. ومثل الذين يهرمون، أو الذين تمر عليهم أيام سوداء، لا تحضر عندي إلا أيام كنتُ فيها سعيدة، تساعدني، تأخذ بيدي، تمدني بملَكات روحي، تمكنني من الاستمرار على قيد الحياة. فتقع مخيلتي على سنوات محددة، في أوائل انخراطي في منظمة العمل الشيوعي، سنوات سعادتي، بين مراهقتي وشبابي. والمشكلة الوحيدة كانت في الشخصيات. لم أكن مستعدة لكشف أسمائها.




ماذا أفعل؟ أدخل عليها "تعديلات": أبدل الأسماء، أعدّل بعض الموضع الأصلي للأحداث، من دون أن أغيّر من حبكتها. فيكون كتابي "سنوات السعادة الثورية" (2016)، واقعًا بين التخيّل والحقيقة. ولا حادثة فيه مخترعة ولا اسم فيه حقيقي. إنه كتاب نصف روائي، نصف واقعي.
كل هذا والثورة السورية شغالة. يقذف النظام بحممه على أبنائها، فيتهجّرون، وينزحون، ويتوهون في شوارع بيروت. أصادفهم في الشارع، أراقبهم من شرفتي المطلّة على حيّ المزرعة: عائلات منكمشة على نفسها، يقودها رجال مكسورون، عيونهم شاردة، يحملون أكياسًا قديمة من النايلون، تختصر حياتهم، بعضهم بالشبْشب، وخلفهم زوجات يعانقن رضيعًا، ويُمسك بمعطفهن الأسود الطويل طفلان أكبر منه، أو ثلاثة. وثيابهم المهلهلة مثل درعهم الأخير، يحميهم من عيْب شقائهم.
ماذا أفعل يا ربي؟ وأنا أمام هذا المشهد وجهًا لوجه؟ أنظر إلى الطفلة ماسكة معطف أمها، خائفة ضائعة... أود أن اسمع قصتها بلسانها، أن تنطق شيئًا عن الذي رماها هنا في أحد شوارع بيروت هكذا... وأقول في نفسي بأنني كان يمكن أن أكون مكانها، أو كان يمكن أن يكون أي إنسان مكانها، في منطقتنا خصوصًا. حسنًا... وما هي تلك القوة التي تقذفنا من ضفة الأمان إلى ضفة الضياع والنزول إلى أسفل السافلين؟  فتحضر الحرب الأهلية اللبنانية، بصفتها صانعي أقدار. أقول لنفسي بأنني ربما أستطيع أن التقط خيطَ، أو خيوطَ، هذه القوة بالكتابة عما عشته شخصيًا خلال هذه الحرب، فكان كتابي "دفاتر الحرب الأهلية" (2017).
والآن، عندما أتذكره، هذا الكتاب، أفكر بأنني لم أتمكن من الإمساك بأي خيط، ولا من وصف الخيوط، كما وددتُ، بعدما حاولت أن أروي شيئًا عن دورها. ربما الحرب الأهلية لم تنتهِ بما يكفل أخذ مسافات منها، واستكمالها. مسافة قريبة وأخرى بعيدة. واحدة تصغّر المشهد والأخرى تكبِّره، حين تنتهي الحرب الأهلية فعلًا. ربما أمسكَ غيري بطرف ذاك الخيط الذي يقرر أن يكون المرء نازحًا لاجئًا، غريبًا مستوحشًا، هاربًا إلى ديار أكثر رحمة، أو أقل، ربما.
بعدما صرفتُ من "المدن"، و"نوافذ"، اتصلتُ بالمفكّر عزمي بشارة، مدير المركز العربي للبحوث ودراسة السياسات، ومؤسس معهد الدوحة للدراسات العليا، وللعديد من المؤسسات الإعلامية. تعرفت عليه في نهاية التسعينيات، كانت ندوة في القاهرة، نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، عن "المجتمع المدني". أوصاني جوزيف بالتعرف عليه عن قرب:
ــ إنه شاب ديناميكي وذهنه متوقّد على طول... تكسبين معرفة بالتكلم معه.
وبعد عشرين سنة على هذه الندوة، أبعث برسالة إلى عزمي بشارة، أقترح عليه فيها مشروعًا للبحث. يرد عليّ بأن موضوع المشروع لا يهمه، ولكنه مهتم بأفكار أخرى، لو كانت في حوزتي.
فكانت دعوته لي إلى قطر، ونقاش لا يحتاج لا إلى توضيح ولا استفاضة. من أولى الكلمات، يفهم عليك عزمي بشارة. مخزونه ضخم، وعقله يفرز بسرعة. لا تلبث أن تقول فكرة أو ملاحظة أو تعليق حتى ينهمر عليكَ فهمه لها، بوضوح وإيجاز.
كنتُ مشغولة وقتها باليساريين وانقسامهم بين مؤيد لـ"حزب الله" ومناهض له. ونقطة أعود إليها دومًا، هي تلك السهرة التي لا تُنسى، مع جوزيف سماحة في القاهرة، وقد ذكرتها آنفًا. وعندما عدتُ إلى بيروت حملت معي إلحاحه عليّ وقتها، بسؤاله: "كيف غيرتِ رأيك بالمقاومة؟ كيف غيرتِ رأيك بحزب الله؟". فرحت أطرح السؤال نفسه على نصوص وأقوال أصدقائي الذين اضطربت علاقتي ببعضهم، بسبب هذا الإنقسام. وقد تفاقم السؤال بعد ثورة الشعب السوري ضد بشار الأسد، ومساهمة إيران عسكريًا في دعمه، بواسطة ميليشياتها المسلحة، و"حزب الله" في طليعتها. فافترضت بأن الانقسام اللبناني حول "حزب الله" سوف ينتقل إلى السوري، بانقسام بين نخبتهم المهتمة بالثورة، سلبًا أو إيجابًا. فكان مشروعي دراسة حول هذا الانقسام بين المثقفين السوريين. وافق عزمي بشارة على عنوانه، ورحت أبحث في الموضوع، قراءة واستفهامًا ولقاء. وبدأت بالأسماء التي أعرفها، أو كنت أراسلها في أول أشهر الثورة. والجميع تقريبًا لا يرد عليّ. إلا اسمين أو ثلاثة. ربما كان الباقون أكثر انشغالًا منهم، أو لا يملكون الوقت الكافي، أو غاطسون في شجون مؤسسات الثورة المتتالية، أو أن مزاج اللحظة لم يكن مؤاتيًا، أو أنهم غيروا عناوينهم الإلكترونية، أو أنهم حذرون، حتى من الكتاب المتحمِّسين لثورتهم.
وحده حسان عباس يسهل عليّ الأمر. هو مقيم في بيروت، ويدير مركزًا ثقافيًا ودارًا لنشر كتابات السوريين العلمانيين والمجتمع المدني السوري. يعطيني من وقته بلا حساب، يصغى إلى أسئلتي، يصبر على جهلي بسورية، ويستفيض في الشرح، وفي المراجع... وعندما أطرح عليه سؤالًا، يجيب بتصحيح السؤال، يشرح ويفرز تلوينات الأحزاب السورية، انشقاقاتها، صراعات قادتها. ثم يأخذ نفَسًا عميقًا، يتنهّد ويقول: "يا للهول! سورية أكثر تعقيدًا من لبنان!".
المهم أن معطيات البحث بقيت غامضة عندي، فاقترح عزمي بشارة ما كان عليّ الإنتباه له من البداية: "حولي الدراسة من السوريين إلى اللبنانيين...". هكذا كان، وكتاب سيصدر بعد ذلك بعنوان "يساريون لبنانيون في زمنهم" (2021).
الكتابة الأسبوعية كانت همي الثاني، بعد إقرار مشروع البحث عن يسار لبنان. عبرت لعزمي بشارة عن رغبتي هذه. فكانت "العربي الجديد"، التي أسّسها، ضمن مشروعه الإعلامي. وها أنا اليوم أكتب أسبوعيًا في هذه الصحيفة، وأعجب من تعدّد آراء ومواقف أصحاب قسم "الرأي" فيها. "العربي الجديد" تشبه تجربة "الحياة" في الألفية الأولى، حيث كانت تتعايش في ملحق الرأي، "تيارات"، آراء متناقضة متخاصمة. فمثل "الحياة"، بيكار "العربي الجديد" واسع.
الآن، عليّ التوقف عن ذكر إيجابيات العمل في "العربي الجديد"، كيلا لا أبدو وكأنني أقوم بالتسويق لها.

(يتبع...)

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.