}

عاشَتْ العربية في غرْبتها (21)

دلال البزري دلال البزري 4 فبراير 2024
استعادات عاشَتْ العربية في غرْبتها (21)
الكاتبة بالطائرة إلى كندا بعد انفجار مرفأ بيروت، 2020

 

تعريف: 

عنوان هذا الكتاب، الذي ننشره على حلقات أسبوعية كل يوم أحد، تفصّله ثلاثة خيوط مختلفة:

- في الخيط الأول، يتكلم بصيغة الغائب المفرد. أي أنني أصف فيه محطات من حياة شخص، هو أنا: في إبحاري بالعربية، عبر أحداث سياسية- ثقافية.

- الخيط الثاني: أن العربية الراهنة ما زالت عائشة. ما زالت تقاوم من أجل البقاء، رغم تعثر أبنائها وإهمالهم لها. ويدعي هذا الكتاب بأنه ذرَّة في رمال إرادتها بالحياة.  

- الخيط الأخير حماسي، يشبه صرخات التمنّي بالبقاء، مثل "يحيا الملك!" أو "يعيش الزعيم"! أقول "عاشت العربية!"، بمعنى أنني أتمنى لها البقاء، وتجاوز وحْشتها. 

 

الوقائع المروية في هذا الكتاب كلها حقيقية، غير متخيّلة. وهي ناقصة بالتعريف. وأنا مسؤولة فقط عن صدقها.

 

القاهرة 1999- 2009

ثلاث جلسات، الأولى منزلية والاثنتان الأخيرتان في المخفر القريب من بيتي في المعادي. لم يبخل بها الضابط، كما النفر من الشرطيين، في التعبير عن تصورهم لـ "اللبنانيات". تلطيش وتلميح ونظرات، كلها تعبيرات فصيحة، تقول بأن المرأة اللبنانية هي بئر رذيلة وإغراء. ويكاد يصل هذا التصور إلى تخيل اللبنانيات مثل عصابة منظمة، تسهل على أعضائها أمور الموبقات الأخلاقية، وهن متخصصات بها. وهو لا يقتصر على رجال الشرطة، الذين قد يكونون فعلًا قبضوا على "حالات" للبنانيات متوّرطات في دعارة ما، ولكنه يمتد إلى قطاعات أخرى، والثقافية منها في دربها. 

أول تجربة تحكيم جائزة عربية

كانت أول تجربة تحكيم جائزة عربية أشارك فيها، وأنا في مصر، هي جائزة الصحافة التي ينظمها، ولأول مرة أيضًا، نادي للصحافة، مركزه دبي، بعد نشأته في نهاية عام 1999. قبل سفري إلى دبي، تأتيني اتصالات من صحافيين، أعرفهم من بعيد، أو التقيت بهم عَرَضًا، يطلبون مني وبلطف مبالغ به، أن أؤيد ترشيحهم للجائزة. لا أهتم بهذه الاتصالات، أسخر من أصحابها، لكنني أتوجس منها. و"النادي" قسّمَ المقالات المتنافسة؛ سياسي، ثقافي، تحقيق، كاريكاتور. وكان من نصيبي المقالات الثقافية، واقتراح من "الهيئة التنفيذية" للنادي بأن أترأس لجنتها؛ أي لجنة المقالات الثقافية، وأعضاؤها الشاعر العُماني سيف الرحبي، ورجل آخر، إماراتي، لا أعرفه، يتصرف بثقة عالية، فهمت بعد حين أنه عضو مجلس إدارة النادي، ولنسمّه جاسم. المتنافسون كثُر، يبلغ عددهم الستين، وكل واحد منهم أرسل ما لا يقل عن عشرين مقالا. أما "الباريم"، أي ميزان المعايير، فواضح: خانات، ومعها علامات، موزّعة على الأسلوب واللغة والموضوع والدقة. علينا أن نقرأها كلها، تلك المقالات، لكي نملأ الخانات ونجمع علاماتها ونصدر النتيجة.

في اليوم الأول، بدأت العملية. نجلس على الطاولة، ونأخذ بالقراءة، ونتبادل المغلّفات. بعد أقل من ساعة، يضيق خلق جاسم، فيقوم عن كرسيه بعصبية، ويقول بأننا نتعب أنفسنا على الفاضي، لأن النتيجة معروفة سلفًا، الجائزة تعود لفلان الفلاني. أجيبه أن ذلك غير معقول. لا نعرف فلان الفلاني، لم يصل مغلفه بعد، ثم أننا علينا أن نقرأ البقية قبل أن نقرر. فكان نقاش وأخذ وردّ، والشاعر العُماني يصرّ معي على المضي في القراءة.

- كل هذه الرحلة من مسقط إلى هنا... لتكون النتيجة "معروفة" سلفا؟!

هذا الكلام يدور، وصفة "رئيسة اللجنة" لا تبارح لسان جاسم، من باب الإطراء "الهادف":

- يا حضرة الرئيسة...

- أنت تفهمين تمامًا الموضوع...

- يا أيتها الرئيسة... لا يفوتك شيء...

- رئيسة اللجنة... أنت الأكثر فهمًا بيننا...

 هل عيّنوني رئيسة لكي أردّ لهم جميلهم بالموافقة على ما يقترحه جاسم؟ لا أريد أن أحسم. أخمّن فقط، أقول "ربما"، وأنكبّ على قراءة الملفات كلها.

المهم أن جاسم يعود إلى كرسيه، ويقوم بالشغل المتبقي، والذي يدوم يومين. وكانت النتيجة التي أجمعنا عليها، لروائي شاب، وبالعلامات الدقيقة التي أعطيت له في "الباريم"، فوضعناها في مغلف كبير مختوم بالشمع الأحمر. ولاحظنا من دون صعوبة أن سنوات ضوئية تفصل بين هذا الأول الذي رشحناه وبين المرشح الثاني.

وبعد عودتي إلى القاهرة بيومين أو ثلاثة، أقرأ في الصحف أسماء الحاصلين على الجائزة، يغيب عنها فائزنا، لصالح آخر، لم يلفت انتباهنا إلا لأن جاسم ذكر اسمه في تمرّده على "شقاء القراءة" الذي فرضناه عليه، أنا والشاعر العماني.

وكأن أحدًا صفعني. لا يمكن! كيف؟! النتيجة مختومة... و"السنوات الضوئية"...؟!

اتصل بأحد الأصدقاء المؤتمنين على الأسرار. أروي له "الحادثة" وأنا في حالة غضب. يضحك ويقول لي بالفرنسية "أهلا بكِ إلى واقع الأحوال...". ويسرد لي قصص الجوائز العالمية، حتى نوبل نفسها... كم هي عرضة لأنواع من الاعتبارات بعيدة عن القيمة العلمية والأدبية للأعمال المرشحة. فما بالك بالعالم العربي...؟

- لا أريد أن أشارك بهذه اللعبة...

- أنت مرغمة، هذا دور يمكن أن تلعبيه، فوق أنه مدفوع بسخاء...

حسنًا يقول صديقي المؤتمن على أسراري، لا تعذبي ضميرك، قومي بما عليك، ولا تنتظري شيئا آخر.

بعد ذلك، لبَّيتُ عددًا من المهام التحكيمية في جوائز عربية. منها ما يتطلب قراءة العشرات من الكتب، صناديق من الكتب، متوقعةً أن أجد في لجنة التحكيم اسمًا جاهزًا. فأعدّ نتيجتين: واحدة عادلة مئة بالمئة بنظري، يستحق بها الكاتب الجائزة. وأخرى أقل عدلًا، من المرتبة الثانية أو الثالثة إذا تعقدت "التسوية". وفي اجتماع اللجنة المخصّصة لإصدار النتيجة، أكون قرأت كل ما كتب، أفند كل كتاب. ولا مرة يحظى الاسم الذي أرشحه بموافقة أعضاء اللجنة. فأدخل في الاسم الثاني، وإذا لم يلاق القبول، يكون الثالث... هكذا أخفف من خسائر تلحقها المحاباة الثقافية، بتجنيب طغيان الأحكام "العلائقية" على الكفاءة الكتابية.

أما سيناريو الصديق البعيد الذي يتصل بي ليطلب مني أن "أعتني" باسمه، فهو يتكرر تقريبًا في غالبية التحكيمات. ولكن عندما تكون قيمة الجائزة المادية متواضعة، وقد شاركت في تحكيم العديد منها، لا يحصل أي من هذه "الاتصالات". أي أن "الضغوط" على هكذا جائزة تكون شبه معدومة. فلا يرتبك ضميري بغير اعتبار الكفاءة.

أيام طه حسين مختلفة عن أيامنا

صديقي علي الفاتح. كيف تعرفتُ عليه؟ باتصال هاتفي منه، يقول إنه صحافي في جريدة "العربي الناصري". ويريد أن يجري معي مقابلة:

- أهلا وسهلًا... هل أنت بعيد عن المعادي؟ أسأله

- نعم أنا في حدائق القبة... ويمكنني أخذ المترو.

أختار أقرب مقهى إلى محطة المترو، ونتفق على الموعد.

يحضر إذًا علي إلى المقهى برفقة شاب، بقي صامتا طوال الجلسة. يمشي بثقة، وعيونه تحدق وجبينه مائل قليلًا إلى الأمام، كأن عقله يسبق جسمه. الحديث يدور مباشرة وبتلقائية. أفهم من إشارات متفرقة أن علي ضرير. من النوع الذي يتعامل مع إعاقته كأنها أمر عادي. خريج كلية الإعلام في جامعة القاهرة، وقبل "العربي الناصري" عمل في "آخر ساعة" و"روز اليوسف". وشغله فيها هو التحقيقات والمقابلات.

- مقابلات فهمنا... بوسعك أن تضع آلة التسجيل... سؤال فجواب... معقولة حتى لو استعنت بأحد... ولكن التحقيقات، كيف تقوم بها؟

- أذهب إلى مكان التحقيق... أحيانًا يكون برفقتي مساعد، أسأله عما يراه...

- وهو يسجل؟

- لا... لا... ذاكرتي تسجل.

- وهل ذاكرتك تكفي؟

- نعم نعم تدربت عليها منذ طفولتي، منذ وعيت أنني أعمى. كنت أطلب من أمي أن تحفظني أشياء، أضعها في عقلي، فتتخزن، وعندما أحتاج إليها، استدعيها، فتأتي وكأنها قائمة الآن.

وبعد توطد علاقتي به، صار يكلمني عن "مجالات" التدريب- الذاتي الأخرى التي أعتنقها منذ يقظته على هذه الدنيا.

- تدربت على المشي بثقة من دون عصا، أو كلب. لا أحب أن يشفق علي أحد. تدربت على معرفة الأمكنة، من الروائح والأصوات. تعلمت أن أميز بين أمزجة الناس بحسب أصواتها، وأحيانا رائحتها... بعضهم يفرز روائح بهجة أو تعب أو سفر أو عمل أو صابون...

إنها بصيرته، المكونة من حدْس يستغني عن التجربة أو العقل حينا، على الأقل ظاهريًا. ويتوسلهما أحيانًا، في حركة دائمة بين الثلاثة. علي يستطيع أن يكشف عن الخداع بمجرد أن يلتقي بصاحبه.

- كيف يا علي تحزر كل هذا؟

فتكون الفيشة التي يخرجها من عالمه الداخلي:

- ثقل أقدامه... أو خفتها. نبرته، توتره الذي يحاول ابتلاعه، صوته نفسه الذي يشي بعمره، وهو أكبر مما يريد أن يوحي. "معلوماته" التي راجعتها في عقلي، فوجدت أن بعضها قديم، كأنه لم يقرأ جديدًا...

- العمر؟ تعرف العمر من الصوت...؟

- صاحب العمر صوته فيه القليل من العتب والبطء والتردد والحزن وشيء من الصدأ... وكلما تقدم بالعمر، يتحول هذا القليل إلى كثير.

- وهل ثمة أصوات يمكن أن تغشك؟

- نعم... أصوات كهول قلوبهم خضراء، وعقولهم شغّالة...

- والشكل الخارجي... كيف يمكنك تصوره؟

- في هذه الحالة، أستعين دائمًا بغيري. لمشاهدة المسلسلات والأفلام تكون أختي معي طوال الوقت. هي التي تجيب على أسئلتي حول أشياء لا أراها... تساعدني على تخيلها. وخارج الشاشة، يسعفني أصدقائي... شكلكِ أنت مثلًا، وكنت راغبًا بمعرفته، اصطحبتُ معي صديق صحافي. هل تذكرين أول لقاءنا؟ كان معي شاب...

- نعم نعم لم أفهم مجيئه... كان صامتًا طوال الوقت.

- هو نفسه... جئت به طالبًا منه أن يصفك بعد اللقاء...

علي الفاتح كان يمكن أن يكون مصيره مختلفًا. لا يتحسر أبدًا على نفسه. متوسط الحال، يقوم بعمله، محضون من أمه وشقيقته، ونفسه عزيزة. ولكنه يتساءل:

- ما الذي يمنعني... أو ما زال يمنعني من بلوغ مستوى طه حسين؟ أن أتابع دراستي الجامعية في الخارج وأعود فأكتب وأدرس في الجامعة وأصل إلى عمادة كلية الإعلام بل أصبح وزيرًا مثله يومًا ما؟ وأنا حصلت على شهاداتي في إعلام جامعة القاهرة بشق الأنفس. ولم أتمكن من المتابعة. أيام طه حسين مختلفة عن أيامنا... سهولة التخصص بالخارج، لمن كانت أصوله مثلي، صعيدية ومتوسطة... زمن آخر!

يقول علي هذا، من دون مرارة، وكأنه يحقق في مسألة لا تمسّه شخصيًا... موضوعيته تنقذ كرامته، تجعله ينظر إلى حالته بنوع من الفلسفة في الحياة، تتلخص بكلمة "الحياة كده... الدنيا كده". علي الفاتح مدرسة في عدم الاستسلام إلى "كده"، أي القدر، والتدرّب على أشكال التعامل مع جموحه.

صداقة بلا حدود

الفنانون المصريون قليلون منهم كانوا يحضرون إلى بيروت بانتظام. منهم رسام الكاريكاتور بهجت عثمان، وقد سبق أن ذكرته، صديق رئيس تحرير صحيفة "السفير" طلال سلمان. وقد نظّم له هذا الأخير معرضًا لرسوماته في "دار الندوة" البيروتية من مجموعته "الديكتاتورية للمبتدئين". ومجموعة أخرى أهداني إياها بهجت جمعها في كتاب "صداقة بلا حدود"، يتكلم فيه عن أصناف الصداقة التي يمكن أن يختبرها المرء طوال حياته. والكتاب هو سيرة حياة من نوع خاص. يتنافس فيه النص مع الرسوم في إحياء الصداقة، تلك الملكة العظيمة التي يتمتع بها طيبو القلب والخيال. كتابه يشبهه، متوّهج وشفاف. "بهجيجو"، هذا كان لقبه، الذي يليق به. بهجة الحنان والبراءة. ولا تعتقد بأن صفاء بهجيجو عائد إلى حياد ما. بالعكس. بنفس الروحية يرسم الطغاة العرب، ويضيف إلى دعابته وعفويته، حدّة نقدية تفاجئ من لا يعرفه جيدًا. "حدّته" خاصة. لا اضطراب فيها ولا كراهية من أي نوع. حدة هادئة، مبتسمة من أعماقها، حزنها خاص بها. لا يحب أن يمده للغير، كي لا يضيف حزنًا على آخر. 

صداقتي مع بهجت استمرت بعد انتقالي إلى القاهرة. كان ينقذني، كما أسلفت، من تعثراتي، وكلما ضاقت بي الدنيا، أتصل به "أنا جاية"، فيحضّر لي الكيكْ الشهير. ونمضي ساعتين من الضحك المتواصل، يتكلم عن زوجته بدر، ذات الجمال الصعيدي الخارق، صاحبة اليد الذهبية في صناعة العرائس، ويفرد دائمًا قسطًا من الزيارة ليحكي عن المصريين... يتكلم كأنه يرسمهم رسمًا كاريكاتوريًا، هادئًا ولاذعًا، من دون ذرة خبث: من صاحبة بسطة الخضار على زوايا الطريق، المكْوجي، البواب... إلى زملاء له، وآخرين من الكتاب. كأنهم "فئات"، لا يصفها بـ"الاجتماعية"، ولكنها قائمة بذاتها، لها ملامح كاريكاتورية ومعها طبائع محدَّدة. ساعدني بهجت عثمان على تلمس هذه الطبائع في من لم أتعرف عليهم عن كثب، والانتباه إلى كثرتها وتنوعها... وذهاب بعضها إلى أبعد حدودها. أبعد حدود التقشف، أو الادعاء، أو الكسل، أو العمل، أو العلم أو الجهل، والبطولة والخذلان، أو النجاح أو الفشل. الذين وصلوا إلى قمة لا يستحقونها، أو استحقوها بعد عقود، الذين عاشوا على أمجاد واقعة "بطولية" مع السلطات، مرّ عليها عقود أيضًا. الذين راقت لهم لعبة الهامشية، فحافظوا على هندامها بعدما صاروا يقيمون في العلالي. الذين تستروا بالدين للتغطية على معاصيهم. يقول بهجت إن المصريين يعرفونهم، ويلقبونهم بـ"هذا فلان الفلاني صاحب قال الله وقال الرسول...". وجميعهم ذوو طبائع مركبة، معتّقة، راسخة في عراقتها، يستحقون أن يكونوا شخصيات روائية محورية.

(يتبع...)

 

مقالات اخرى للكاتب

الدخول

سجل عن طريق

هل نسيت كلمة المرور؟

أدخل عنوان بريدك الإلكتروني المستخدم للتسجيل معنا و سنقوم بإرسال بريد إلكتروني يحتوي على رابط لإعادة ضبط كلمة المرور.

شكرا

الرجاء مراجعة بريدك الالكتروني. تمّ إرسال بريد إلكتروني يوضّح الخطوات اللّازمة لإنشاء كلمة المرور الجديدة.